مضيق هرمز بين فكي الدبلوماسية والحرب.. قراءة في زلزال «عراقجي» وصراع الأجنحة داخل طهران

كتب: الترجمان

شهدت المنطقة خلال الساعات الأخيرة تحولا دراماتيكيا أعاد رسم ملامح الصراع الإقليمي، وذلك عقب إعلان مفاجئ من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. هذا القرار الذي جاء متزامنا مع وقف إطلاق النار في لبنان، لم يمر كإجراء سياسي عابر، بل فجر بركانا من ردود الفعل المتناقضة التي كشفت عن شرخ عميق في الداخل الإيراني، وصراع إرادات دولي يحاول استثمار هذا «التراجع التكتيكي» أو «المناورة الذكية» لتثبيت مكاسب استراتيجية جديدة في واحدة من أخطر بقع العالم. 

المناورة الرسمية: رسائل عراقجي وتوقيت تنسيق الساحات

بدأت القصة بتغريدة غير متوقعة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عصر الجمعة 17 أبريل/نيسان 2026، أعلن فيها بوضوح: «في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، فإن مرور جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز متاح بالكامل لما تبقى من فترة وقف إطلاق النار». 

لم يكتفِ عراقجي بفتح الباب، بل وضع شروطا سيادية حازمة، مؤكدا أن «هذا المرور يجب أن يتم عبر المسارات المنسقة والمعلنة مسبقا من قبل منظمة الموانئ والملاحة البحرية في إيران ». 

هذا التصريح لم يكن مجرد إجراء فني، بل كان إشارة استراتيجية للأسواق العالمية واللاعبين السياسيين بأن طهران تسعى في هذه المرحلة لتثبيت دورها كلاعب مسؤول في إدارة الأمن الإقليمي، معلنةً أن استقرار الجبهة اللبنانية ينعكس مباشرة على أمن الممرات المائية الدولية.

Image

وفي سياق تعزيز هذا الموقف، خرج المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، في حوار تلفزيوني ليوضح الأبعاد الخفية للقرار، مؤكدا أن ما أعلنه عراقجي يقع ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين إيران والولايات المتحدة. 

وكشف بقائي عن كواليس التفاوض قائلاً إن الطرف الآخر حاول «التحايل»  على تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما دفع إيران لاتخاذ إجراءات مضادة، ولكن مع تحقق شرط وقف العدوان على لبنان، التزمت طهران بما ورد في الاتفاق. 

وشدد بقائي على أن إيران هي «حارس مضيق هرمز»، ولن تتهاون في تنفيذ التدابير التي تضمن حقوقها، مشيراً إلى أن القرار ليس قرار وزارة الخارجية منفردة، بل هو قرار منظومة صناعة القرار العليا في البلاد.

Image

ترامب والأسواق: انتصار «إعلامي» وهبوط في أسعار النفط

على الجانب الآخر، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاقتناص اللحظة، محولا الخطوة الإيرانية إلى مادة للتباهي السياسي عبر منصته «تروث سوشيال». ترامب وصف المضيق بـ «مضيق إيران»، وكتب بلهجة حملت طابعا تهكميا: «إيران أعلنت للتو أن مضيق إيران مفتوح بالكامل وجاهز للعبور.. شكراً!». 

لكنه عاد في تدوينة أخرى ليمارس سياسة الضغط الأقصى، مدعيا أن «الحصار البحري فيما يتعلق بإيران سيظل قائم وبقوة حتى يكتمل اتفاقنا مع إيران بنسبة 100%»، مشيرا إلى أن العملية يجب أن تمضي سريعا لأن معظم البنود تم الاتفاق عليها بالفعل. هذا الخطاب الأمريكي حاول فصل مسار المضيق عن مسار لبنان، حيث زعم ترامب أن الاتفاق «لا علاقة له بلبنان»، وأن واشنطن ستتعامل مع ملف حزب الله بشكل منفصل.

تسببت مؤشرات خفض التصعيد الإيراني في “زلزال اقتصادي” تمثل بهبوط أسعار النفط العالمي بنسبة تجاوزت 8%، مما عكس ارتياحا دوليا رغم كشفه عن هشاشة الأسواق أمام توترات مضيق هرمز. وفي المقابل، أثبتت تقارير تتبع الناقلات إخفاق الحصار الأمريكي في شل الصادرات الإيرانية تماماً، حيث نجحت طهران في تصدير ملايين البراميل، بل وتتجه الآن لتحويل إدارة حركة المرور في المضيق إلى ورقة سيادية ومالية قادرة على تحقيق عائدات ضخمة تتراوح بين 10 و15 مليار دولار سنوياً.كما صرح النائب في البرلمان الإيراني أحمد نادري.

Image

ثورة «الأصوليين»: اتهامات شريعتمداري والعودة لـ “ضبط المصنع”

في الداخل الإيراني، لم يستوعب التيار الأصولي هذه الخطوة، حيث شن حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، هجوما كاسحا على عراقجي، متهما إياه بتقديم «هدية مجانية» للعدو في وقت كان فيه الخناق يضيق عليه. 

شريعتمداري، الذي اعتاد لعب دور «بوصلة المتشددين»، سخر من تغريدة الوزير في عموده الذي يحمل طابعا ساخرا، متسائلا: «بينما قبضنا على رقبة العدو عبر إغلاق المضيق وهو الآن يختنق، ما هي هذه الهدية التي قررنا تقديمها له؟!».

وأضاف منتقدا استعلاء الخطاب الدبلوماسي: «هل كل الشعب يقرأ التغريدات أو يتقن الإنجليزية ليعرف ما يحدث لمصالح بلاده؟».

شريعتمداري في مقال مطول طالب الوزير بـ «سحب رأيه»، مشددا على أن السيادة على المضيق هي حق قانوني لإيران بموجب اتفاقيتي جنيف وجامايكا، ولا يجب ربطها بتفاهمات مع عدو «بلطجي» مثل ترامب الذي استغل الإعلان ليدعي أن القوة العسكرية الأمريكية (قاذفات B2) هي التي أجبرت طهران على التراجع. هذا الهجوم كشف عن انقسام حاد حول مفهوم «الصمود»، حيث يرى هذا التيار أن أي مرونة دبلوماسية هي تراجع عن ثوابت الثورة.

وامتدت حالة الاستياء لتشمل المنصات الإعلامية الرسمية، حيث انتقد المذيع في القناة الثالثة، أمير حسين طهماسبي، ما وصفه بـ «اللعب بأعصاب الناس»، معبرا عن صدمته من كيفية تأثير تغريدة واحدة على الأسواق المالية وإرباك الرأي العام.

Image

دفاع «العقلانيين»: تفكيك سردية «الهزيمة» ومواجهة البروباغندا

في المقابل، برزت جبهة إعلامية وسياسية تدافع عن قرار عراقجي، تقودها صحيفة «همشهري»، التي وصفت الانتقادات بـ «العجولة والظالمة». تتبنى هذه الجبهة رؤية مفادها أن فتح المضيق هو انتصار سياسي يجبر العالم على الاعتراف بالسيطرة الإيرانية؛ فالسفن تمر الآن تحت حراسة الحرس الثوري وبدفع رسوم عبور، وهو ما يمثل «خضوعا» للسيادة الإيرانية وليس تنازلاً عنها. 

وأكدت الصحيفة أن المضيق لم يكن يُخطط لإغلاقه للأبد، وأن فتحه المشروط هو جزء من «قواعد اللعبة» التي تديرها الدولة بحكمة، داعية المحتجين إلى مراجعة كلمات الإمام الخميني حول ضرورة الثقة في قرارات المسؤولين وعدم اتهامهم بمجرد حدوث تغيير في التكتيكات.

وشددت هذه الأصوات على أن إيران بحاجة إلى «قوة الرواية» لمواجهة رواية ترامب، فبدلا من مهاجمة الوزير، يجب تسليط الضوء على أن ترامب، الذي كان يهدد بالحصار الشامل، يضطر الآن لشكر إيران على فتح المضيق تحت شروطها السيادية. 

واعتبر المدافعون أن هذا الإجراء خفف من الضغوط الدولية وأفسح المجال لتحركات دبلوماسية إقليمية، مثل الاجتماع الرباعي في أنطاليا الذي ضم وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان، مما يضع إيران في مركز الدبلوماسية الإقليمية بدلا من العزلة.

Image

المؤسسة العسكرية: «يد على الزناد» ومعادلة القوة المشروطة

ختاما، جاء موقف وزارة الدفاع الإيرانية ليضع النقاط على الحروف ويهدئ من روع الداخل. فقد أكد رضا طلائي نيك،  المتحدث باسم وزارة الدفاع، في كلمة له أمام حشد جماهيري، أن تثبيت الأمن في مضيق هرمز هو أحد أكبر انتصارات الجمهورية الإسلامية. 

وأوضح طلائي نيك بلغة عسكرية حازمة أن «الوضع الحالي في المضيق هو وضع مؤقت ومرتبط باستقرار الهدوء في لبنان»، محذرا من أن أي ضغط إضافي على «الإخوة والأخوات في لبنان» سيعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه فورا.

وكشف المسؤول العسكري عن تفاصيل إجرائية هامة، مؤكدا أن عبور السفن العسكرية أو التابعة للقوى المعادية لا يزال «ممنوعا تماما»، وأن المرور مقتصر على السفن المدنية التي تحصل على إذن مباشر من القوة البحرية للحرس الثوري.

هذه الرؤية العسكرية تمنح القرار طابعا «أمنيا سياديا»، حيث يتم استغلال المضيق كمنصة لإثبات الاقتدار؛ فالسيطرة الإيرانية على هذا العنق العالمي للطاقة تظل قائمة، وما حدث هو «إدارة ذكية» للاقتدار وليست تراجعاً عنه. 

إن إيران، وفقا لطلائي نيك، نجحت في إفشال مخططات العدو لإحداث فجوة بين الشعب والحكم، وأثبتت أن «الدبلوماسية الهجينة» المنسجمة مع الميدان هي الطريق الوحيد لتحقيق النصر النهائي ومطالبة الأعداء بغرامات الخسائر الوطنية.

Image

خلاصة القول أن مضيق هرمز هو الورقة الرابحة في يد طهران، حيث تتحرك بين “فتحه” و”إغلاقه” وفق إيقاع دقيق يوازن بين احتياجات الاقتصاد العالمي وشروط الكرامة السيادية. ورغم العواصف السياسية الداخلية، يبقى القرار الأخير رهنا بمدى التزام الأطراف الدولية بوقف إطلاق النار، مما يجعل من هرمز “ترمومترا” حقيقيا للسلام أو الحرب في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية: