- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 14 Views
كتب: الترجمان
تشهد العلاقات الإيرانية الأمريكية واحدة من أعقد فتراتها التاريخية، حيث اختلطت فيها لغة التهديد العسكري المباشر بضجيج المبادرات الدبلوماسية الغامضة. في هذا السياق، برزت المواجهة الكلامية الأخيرة بين محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، ودونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، كنموذج حي لحرب الروايات التي تسبق عادةً التحولات الاستراتيجية الكبرى.
وبينما كان ترامب يغدق الوعود تارة بـ “مفاجآت” و”اتفاقات تاريخية” وتارة أخرى يتوعد بـ “تدمير البنية التحتية”، جاء رد قاليباف حازما ومبنيا على منطق “الميدان”، ليعيد رسم الخطوط الحمراء الإيرانية في ملفي مضيق هرمز والبرنامج النووي، مؤكدا أن زمن الإملاءات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد ولى.
تشريح “الأكاذيب السبعة”: استراتيجية قاليباف في تفكيك الخطاب الأمريكي
اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن التصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب خلال ساعة واحدة لم تكن سوى محاولة لمهندسي البروباغندا الأمريكية للتلاعب بالرأي العام العالمي والإيراني على حد سواء. ووصف قاليباف ادعاءات ترامب السبعة بأنها “كاذبة جملة وتفصيلا”، مشيرا إلى أن لجوء واشنطن إلى هذا الكم من التضليل يعكس فشلها في ساحة المعركة الحقيقية.
بالنسبة لقاليباف، فإن ترامب يحاول تسويق “أمنياته” الشخصية وتصويرها كأخبار واقعية لإقناع حلفائه ومعارضيه بأنه يحقق تقدماً في الملف الإيراني. هذا التفكيك الإيراني للخطاب الأمريكي يهدف بالأساس إلى تحصين الجبهة الداخلية من “التلاعب النفسي” ومنع واشنطن من تحقيق مكاسب مجانية عبر الضغط الإعلامي قبل الوصول إلى أي طاولة مفاوضات حقيقية.

مضيق هرمز: حتمية “الميدان” مقابل الوعود الافتراضية
تعد قضية مضيق هرمز حجر الزاوية في التوتر الراهن، حيث ادعى ترامب أن المضيق سيكون مفتوحا للتجارة العالمية دون تكاليف إضافية بموجب تفاهمات وشيكة. في المقابل، جاء رد قاليباف صارما ليضع النقاط على الحروف استراتيجيا؛ حيث أكد أن “الميدان” هو من يضع قواعد المرور وليس التغريدات.
وشدد على أن استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيعني بالضرورة عدم بقاء المضيق مفتوحا أمام الآخرين. وفقا للرؤية التي طرحها قاليباف والمدعومة ببيانات القوة البحرية للحرس الثوري، فإن أي عبور في المضيق يجب أن يتم وفق “المسارات المحددة” وبـ “تصريح مباشر من إيران”.
هذا الموقف يرسخ معادلة “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد”، ويحول المضيق من ممر مائي دولي إلى أداة ضغط استراتيجية بيد طهران لمواجهة الحصار الاقتصادي.

معضلة اليورانيوم المخصب: الرفض الإيراني للمقايضة الوجودية
فجّر دونالد ترامب قنبلة سياسية بادعائه أن الولايات المتحدة ستستعيد اليورانيوم المخصب من إيران عبر اتفاق أو “بأي وسيلة أخرى ضرورية”. هذا التصريح مسّ جوهر السيادة التقنية والعلمية التي تفتخر بها طهران.
وقد جاء الرد من قاليباف وإسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية قاطعا: “خروج المواد المخصبة من البلاد لم يكن يوما مطروحا كخيار”. ترى طهران في هذا الادعاء الأمريكي محاولة لفرض واقع “نزع السلاح” تحت غطاء الاتفاق، وهو ما ترفضه العقيدة الأمنية الحالية.
التناقض الصارخ هنا يكمن في أن ترامب يتحدث عن “اتفاق تم التوقيع عليه بالفعل” بينما تنفي طهران وجود مثل هذه البنود، مما يشير إلى أن واشنطن تمارس سياسة “حافة الهاوية” لإجبار إيران على تقديم تنازلات جوهرية في اللحظات الأخيرة.

التهديد بضرب البنية التحتية: دبلوماسية “القنابل” ورهان الصمود
لم يكتفِ ترامب بالحديث عن المفاوضات، بل انتقل إلى لغة التهديد العسكري المباشر، متوعدا بتدمير محطات الكهرباء، وآبار النفط، ومحطات تحلية المياه، وجزيرة خارك الإستراتيجية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول “الأربعاء”.
هذا النوع من التهديد يعكس العقلية التاجرية لترامب التي تعتمد على “الضغط الأقصى” لتحقيق مكاسب سريعة. غير أن رد قاليباف ركز على أن هذه التهديدات لن ترهب الشعب الإيراني الذي اعتاد على مواجهة الضغوط.
ومن المنظور الإيراني، فإن تهديد سبل عيش المدنيين عبر استهداف محطات المياه والكهرباء يمثل “جريمة حرب” استباقية، وهو ما يدفع القوى العسكرية الإيرانية لرفع درجة تأهبها، معتبرة أن أي حماقة عسكرية ستقابل برد مزلزل في عمق المصالح الأمريكية بالمنطقة.
التناقضات الترامبية: بين “احتفالات البيت الأبيض” و”أهوال الحرب”
رصدت التقارير الإيرانية حالة من التناقض الفج في تصريحات ترامب؛ فهو تارة يتحدث بشوق عن “إقامة حفل في البيت الأبيض” بمناسبة نهاية الصراع مع إيران، وتارة أخرى يتوعد بـ “بدء القصف” مرة ثانية. هذا التذبذب، وفقا لتحليل قاليباف، هو جزء من “سيرك سياسي” يهدف إلى إرباك صانع القرار في طهران.
إيران ترى أن ترامب يواجه ضغوطا داخلية وأزمات مع حلفاء دوليين (مثل الصين التي أبدى ترامب اهتماما برضاها عن فتح مضيق هرمز)، وهو ما يدفعه لإطلاق تصريحات متناقضة ترضي كافة الأطراف. بالنسبة لقاليباف، فإن المعيار الوحيد للصدق هو “الفعل على الأرض” وليس الوعود الوردية بالسلام التي يطلقها ترامب من على متن طائرة “إير فورس وان”.
التماسك الداخلي الإيراني: رسائل الوحدة بين قاليباف وجليلي
في خضم هذا الصراع الخارجي، برزت رسالة دعم لافتة من سعيد جليلي، عضو المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي نشر صورة تجمعه بقاليباف معلقا: “على أمل نجاح قاليباف الذي يقاتل من أجل نصر إيران”.
هذه الإشارة ليست مجرد مجاملة سياسية، بل هي رسالة موجهة للخارج قبل الداخل، مفادها أن النخبة السياسية الإيرانية بمختلف توجهاتها تقف صفا واحدا في مواجهة تهديدات ترامب.
هذا الانسجام بين رئاسة البرلمان والمؤسسات الأمنية يجهض محاولات واشنطن للعب على وتيرة “الخلافات الداخلية” بين المحافظين والبراغماتيين، ويؤكد أن القرار الاستراتيجي بشأن “الميدان” و”المفاوضات” يصدر من مشكاة واحدة لا تقبل المساومة.

الدور الصيني والتركي: أبعاد إقليمية في قلب الأزمة
أدخل ترامب الصين في معادلته، مشيرا إلى أن بكين ستكون سعيدة بفتح المضيق، بينما أفادت تقارير عسكرية (عبر بي بي سي) بأن تركيا اعترضت صاروخا باليستيا كان موجهاً للمنطقة.
هذه التفاصيل تضفي صبغة إقليمية ودولية على النزاع. إيران، من جانبها، تدرك أن ترامب يحاول استمالة الصين لزيادة الضغط على طهران، لكن رد قاليباف الضمني أكد أن أمن الطاقة العالمي مرتبط باحترام السيادة الإيرانية.
أما الجانب العسكري المرتبط باعتراض الصواريخ، فهو يشير إلى أن “فترة السكون” أو وقف إطلاق النار المزعوم هش للغاية، وأن المنطقة بأكملها تقف على فوهة بركان، حيث تتحول التحركات العسكرية للدول المجاورة إلى جزء من لعبة الشطرنج الكبرى بين طهران وواشنطن.
حتمية المواجهة أم معجزة التفاوض؟
إن التقرير المستفيض لردود فعل محمد باقر قاليباف على تصريحات دونالد ترامب يكشف عن هوة واسعة بين عالمين؛ عالم أمريكي يبحث عن انتصارات سريعة وتاريخية عبر “التغريدات” والتهديدات الخشنة، وعالم إيراني يتمسك بـ “الميدان” ويعتبر أن السيادة على الأرض والمياه هي الضمانة الوحيدة لأي اتفاق مستقبلي.
لقد نجح قاليباف في تحويل المعركة من مجرد رد فعل على تهديدات ترامب إلى هجوم مضاد يضع واشنطن أمام مسؤولياتها: فإما احترام القواعد الإيرانية في مضيق هرمز والحقوق النووية، وإما تحمل عواقب إنهاء “فترة السكون”.
يبقى السؤال المعلق حتى “يوم الأربعاء” الذي حدده ترامب: هل ستنتصر لغة العقل والدبلوماسية الحقيقية، أم أن المنطقة ستنزلق إلى مواجهة شاملة يحدد “الميدان” فيها المنتصر والمهزوم، بعيدا عن أضواء شبكات التواصل الاجتماعي واحتفالات البيت الأبيض الموعودة؟
