بين مطرقة الحرب وسندان الديمقراطية: أبعاد تأجيل الانتخابات الشاملة في إيران

كتب: الترجمان

في ظل تصاعد التوترات العسكرية والظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، اتخذت المؤسسات السيادية في إيران قرارا مفصليا بإعادة رسم خارطة الاستحقاقات الانتخابية. لم يكن قرار تأجيل انتخابات الدورة السابعة للمجالس البلدية للمدن والقرى، وما تلاها من انتخابات تكميلية لمجلس خبراء القيادة والبرلمان، مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء كضرورة أمنية وسياسية فرضتها تطورات الميدان التي لم تترك خيارا سوى مراجعة الأولويات الوطنية العليا. 

ويعكس هذا التحول العميق في الأجندة السياسية الإيرانية قدرة النظام على التكيف مع الأزمات الكبرى، حيث تم تغليب منطق “الدفاع والسيادة” على المسارات الديمقراطية الدورية، وسط ترقب محلي ودولي لما ستؤول إليه الأمور في ظل هذا الإرجاء المفتوح بانتظار “نهاية الحرب”.

Image

دوافع التأجيل: الأمن القومي كأولوية قصوى للمشاركة الشعبية

أجمع المسؤولون الإيرانيون على أن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء عرس انتخابي يضمن المشاركة الشعبية الواسعة والفعالة. وفي هذا السياق، صرح محمد صالح جوكار، رئيس الهيئة المركزية للإشراف على انتخابات المجالس ورئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان، بأن هذا التحرك جاء نتيجة مباشرة للظروف الحربية الناجمة عما وصفه بـ “اعتداءات أمريكا وإسرائيل ضد البلاد”. 

وأكد جوكار في تصريحاته أن الدولة تضع ضرورة إعطاء الأولوية لحفظ أمن الشعب فوق كل اعتبار آخر، مشيرا إلى أن أهمية المشاركة القصوى للمواطنين في إدارة الشؤون الحضرية والقروية تتطلب بيئة مستقرة، وهو أمر يتعذر تحقيقه حاليا تحت وطأة العدوان، مما استوجب اقتراح تأجيل الانتخابات حتى توفر الظروف المناسبة لإجراء “انتخابات حماسية” تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية.

من جانبه، أيد علي زيني‌ وند، نائب وزير الداخلية ورئيس لجنة الانتخابات في البلاد، هذه الرؤية خلال حوار موسع مع “شبكة الخبر”. وأوضح زيني وند أن التقويم الزمني الأصلي كان يقضي بإجراء الانتخابات في الحادي عشر من مايو/أيار 2026 وأن كافة العمليات التنفيذية كانت تسير بانتظام وفق هذا الجدول. 

إلا أن اندلاع ما وصفها بـ “الحرب المفروضة” وشيوع أجواء التضامن الوطني جعلت من دعم المقاتلين في الجبهات الأولوية الأولى والوحيدة للشعب، مما دفع بكافة المجموعات السياسية والمواطنين للمطالبة بتأجيل الاستحقاق الانتخابي لتركيز كافة الجهود الوطنية نحو جبهات القتال، معتبرين أن أي انشغال بالعملية الانتخابية في هذا التوقيت قد يؤثر على الزخم الشعبي الداعم للقوات المسلحة.

كواليس القرار: مسارات قانونية وتشريعية في ظل “حالة الضرورة”

كشف محمد صالح جوكار عن كواليس اتخاذ القرار وصناعة الموقف السياسي، موضحا أن الدولة درست مسارين قانونيين لتنفيذ التأجيل بما يتوافق مع الدستور والقانون. المسار الأول كان يتمثل في تقديم الحكومة لائحة عاجلة إلى البرلمان لتعديل المواعيد قانونيا. 

إلا أن جوكار أشار بصراحة إلى أن هذا المسار اصطدم بعقبة واقعية وجوهرية، وهي عدم إمكانية انعقاد الجلسات العلنية للمجلس نظرا لظروف الحرب القائمة، مما جعل المسار البرلماني التقليدي “غير ممكن عمليا” في ظل توقف النشاط التشريعي المعتاد للبرلمان نتيجة التهديدات الأمنية المباشرة.

وأمام تعذر المسار التشريعي، تم اللجوء إلى المسار الثاني وهو الأسرع والأكثر حزما في حالات الطوارئ، ويتمثل في طرح القضية في أروقة “المجلس الأعلى للأمن القومي”. وبحسب تصريحات جوكار، فقد تمت مناقشة مقترح تعقيب الانتخابات داخل المجلس الأعلى، وهو القرار الذي نال لاحقا “تأييد ومصادقة المرشد الأعلى”، مما منح القرار الصبغة القانونية والشرعية النافذة والمطلقة. 

هذا الإجراء سمح للحكومة بالخروج من المأزق القانوني الذي فرضه تعطل البرلمان، مع ضمان أن يكون القرار محصنا بموافقة أعلى سلطة في البلاد وبما يخدم المصلحة القومية العليا في ظل حالة الحرب القائمة.

Image

الانتخابات التكميلية: التبعية القانونية وتأثير الدومينو

لم يتوقف أثر قرار التأجيل عند حدود المجالس البلدية والمحلية فحسب، بل امتد ليشمل انتخابات مجلس خبراء القيادة والانتخابات التكميلية للبرلمان. وفي هذا الصدد، حسم هادي طحان نظيف، المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، الجدل القانوني حول هذا الموضوع في تصريح لوكالة “إيرنا”. 

وأوضح طحان نظيف أن القانون الانتخابي في إيران ينص صراحة على ضرورة إجراء أي انتخابات تكميلية تزامنا مع انتخابات شاملة على مستوى البلاد. وبما أن انتخابات المجالس المحلية هي الانتخابات الشاملة الوحيدة التي كانت مقررة، فإن تأجيلها يعني قانوناً وتلقائياً تأجيل كافة الاستحقاقات المرتبطة بها.

وشدد طحان نظيف في تصريحاته على أن الحكومة لا تملك خيار تنظيم “انتخابات منفصلة” للمقاعد الشاغرة في البرلمان أو مجلس الخبرات، لأن الفلسفة القانونية تقوم على تجميع الصناديق في يوم واحد لضمان الكفاءة والمشاركة. 

وبناءً على ذلك، أكد المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور أن انتخابات الخبرات والبرلمان التكميلية قد تأجلت بالفعل، وستجرى في اليوم ذاته الذي سيتم تحديده لاحقا لانتخابات المجالس المحلية، فور زوال الموانع الأمنية وإعلان انتهاء حالة الحرب بشكل رسمي من قبل الجهات المختصة.

Image

خارطة الطريق الزمنية: معادلة “نهاية الحرب + شهرين”

وضعت المصوبة الجديدة الصادرة عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إطارا زمنيا مرنا ولكنه محدد بحدث ميداني واضح. فقد أكد محمد صالح جوكار وعلي زيني‌ وند أن الموعد الجديد للاقتراع سيكون “بحد أقصى شهرين بعد الإعلان الرسمي عن نهاية الحرب” من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي. 

هذا الربط بين نهاية العمليات العسكرية وصناديق الاقتراع يهدف إلى ضمان أن تكون العودة للمسار الديمقراطي مرتبطة بعودة الاستقرار الشامل، مما يتيح للأحزاب والمرشحين فرصة القيام بحملاتهم الانتخابية في أجواء هادئة تسمح للمواطن بالاختيار بعيداً عن ضجيج المعارك.

وفيما يخص استمرارية العمل الإداري، أوضح جوكار أن الدورة السادسة الحالية للمجالس ستستمر في ممارسة صلاحياتها لضمان عدم حدوث فراغ في الإدارة المحلية. وبموجب القرار الجديد، فإن نشاط الدورة السادسة سينتهي وتبدأ الدورة السابعة أعمالها في مدة أقصاها “45 يوما بعد إجراء الانتخابات المؤجلة”. 

النبض السياسي والانسجام الداخلي في مواجهة التحديات

أشار علي زيني‌ وند، رئيس لجنة الانتخابات، إلى أن قرار التأجيل لم يكن مجرد قرار بيروقراطي، بل جاء تجسيدا لحالة “الانسجام الوطني”. وأوضح أن وزارة الداخلية قامت باستطلاع آراء واسع النطاق شمل المجموعات والتيارات السياسية المختلفة، بالإضافة إلى أخذ وجهات نظر المسؤولين الميدانيين والمحافظين في كافة الأقاليم، فضلاً عن المسؤولين الأمنيين والعسكريين. 

وبحسب زيني وند، فإن الغالبية العظمى من هذه الجهات أكدت على ضرورة تأجيل الانتخابات للتركيز على دعم المقاتلين حتى تحقيق النصر النهائي، معتبرين أن التنافس الانتخابي في هذا التوقيت قد يشتت الجهود الوطنية.

وأكد زيني وند أن الشعب الإيراني أثبت دائما أن حماية الوطن تأتي قبل أي استحقاق آخر، مشيراً إلى أن ستاد الانتخابات سيصدر قريباً “بياناً تفصيلياً” يوضح فيه للمواطنين كافة الجوانب الفنية واللوجستية المترتبة على هذا التأجيل، بما يضمن الشفافية الكاملة ويطمئن الجمهور بأن حقوقهم الانتخابية محفوظة ولكنها مرجأة لظرف قاهر.

Image

رسالة الاستقرار وسط اضطراب الميدان

إن قرار تأجيل الانتخابات في إيران يمثل حالة نموذجية من “واقعية الدولة” التي تحاول الموازنة بين النصوص القانونية وضرورات البقاء والسيادة. فبينما يتم تعليق العملية الانتخابية مؤقتاً، تظل مؤسسات الدولة القائمة تعمل بكامل طاقتها لضمان عدم تعطل حياة المواطنين اليومية أو الخدمات البلدية. 

الرسالة التي أرادت القيادة الإيرانية إيصالها من خلال هذا القرار ومن خلال تصريحات مسؤوليها، هي أن “أمن المواطن” هو الشرط الأساسي لأي ممارسة ديمقراطية، وأن العودة إلى صناديق الاقتراع ستكون بمثابة الاحتفال بالنصر العسكري واستعادة الأمن. 

وبينما ينتظر الجميع إعلان “نهاية الحرب”، تبقى الأنظار متجهة نحو وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للأمن القومي لضبط عقارب الساعة السياسية من جديد فور صمت المدافع، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء المحلي والتشريعي في ظل الدورة السابعة للمجالس وما سيلحق بها من استحقاقات تكميلية.