- زاد إيران - المحرر
- 23 Views
تشهد العلاقات بين طهران وواشنطن مرحلة دقيقة تتسم بتداخل المسارات السياسية والعسكرية، حيث تتحول المفاوضات إلى ساحة تعكس توازنات أوسع تتجاوز حدود الطاولة الدبلوماسية. وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة وضغوط متزايدة، تتصاعد أهمية الخطاب الداخلي في تفسير هذه التحركات وتوجيه الرأي العام. كما تتباين التقديرات حول فرص النجاح وحدود التنازل الممكن، في وقت تتشكل فيه ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك والتفاهم بين الطرفين، وسط حالة من الترقب الحذر لما ستؤول إليه التطورات القادمة.
صحيفة خراسان… أزمة الرواية الإعلامية في إدارة المفاوضات
في تحليل للخطاب الداخلي، تقدم صحيفة خراسان، المحسوبة على التيار الأصولي في إيران ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، قراءة نقدية لافتة ليس لجوهر التفاوض بقدر ما هي لآلية إدارته إعلاميا وسياسيا. فالمشكلة الأساسية، وفق ما تطرحه الصحيفة في تقريرها الصادر الخميس 16 إبريل/ نيسان 2026، لا تكمن في مضمون المفاوضات بقدر ما تتجلى في غياب الرواية التي تؤطرها. وتعتبر الصحيفة أن الرواية الأولى في ميدان السياسة تمثل العامل الحاسم في تشكيل وعي الجمهور، إذ إن من ينجح في تثبيت روايته مبكرا، لا يكتفي بتحديد الأجندة الإعلامية، بل يفرض على خصمه التفاعل ضمن الإطار الذي رسمه هو، وهو ما لم يتحقق، بحسب رأيها، في الحالة الإيرانية.

وترى خراسان أن الخلل الجوهري في التغطية الإعلامية للمفاوضات يتمثل في غياب تصميم واضح للرواية الرسمية، وهو ما أدى إلى ترك فراغ معلوماتي واسع، سرعان ما تم ملؤه من قبل الروايات المنافسة، خاصة الغربية منها. وتنتقد الصحيفة ما تعتبره عجزا لدى الجهاز الإعلامي الإيراني في الفصل بين متطلبات السرية الدبلوماسية وضرورة الشفافية العامة، ما أدى إلى حالة من الغموض أربكت الجمهور وأضعفت الثقة في مجريات التفاوض.
وتستشهد الصحيفة بمثال مفاوضات إسلام آباد، حيث لم تقتصر المشكلة، بحسب طرحها، على غياب مؤتمر صحفي، بل تجاوزت ذلك إلى غياب نقطة مرجعية رسمية يمكن للجمهور الاعتماد عليها لفهم مسار المفاوضات. وتؤكد أن أي مفاوضات مهمة تتطلب دورة تواصل واضحة، تبدأ بتوضيح جدول الأعمال قبل الاجتماع، ثم عرض النتائج ونقاط الخلاف بعده، يلي ذلك تفاعل منضبط مع وسائل الإعلام. غير أن هذه الآلية، وفق الصحيفة، لم تنفذ بشكل متكامل، ما جعل الجمهور عاجزا عن فهم الخطوط الحمراء أو طبيعة الخلافات.
وفي تحليلها للجولة الثانية من المفاوضات، ترى خراسان أن الأزمة تعمقت، إذ أدت حالة الغموض بشأن الشروط المسبقة، مثل الحصار البحري وملف لبنان، إلى إدخال الرأي العام في فراغ إدراكي. وفي ظل غياب رواية داخلية واضحة، أصبحت الأخبار الخارجية المرجع الأساسي للتفسير، ما أدى إلى أن ينظر الجمهور الإيراني إلى المفاوضات من زاوية الإعلام الأمريكي، وهو ما تعتبره الصحيفة خللا استراتيجيا.

كما تنتقد الصحيفة الاعتماد المفرط على البيانات الرسمية بدلا من العمل على إقناع الجمهور، معتبرة أن البيان يقتصر على تسجيل الموقف، بينما يتطلب الإقناع ترجمة التفاصيل التقنية للمفاوضات إلى لغة مبسطة مدعومة بالأمثلة والسيناريوهات. وتطرح أسئلة ترى أنها تمثل جوهر القلق الشعبي، مثل تأثير طرح ملف لبنان على مسار التفاوض، أو السيناريوهات المحتملة للخلاف حول مضيق هرمز، مؤكدة أن هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات دقيقة وليست عبارات عامة.
ورغم تأكيدها أن فريق التفاوض يمتلك إجابات منطقية، إلا أنها ترى أن المشكلة تكمن في عدم إيصال هذه الإجابات إلى الرأي العام في الوقت المناسب، ما يفتح المجال أمام الإعلام المعارض أو التيارات المتشددة داخليا لفرض روايات بديلة قد لا تتوافق مع المصلحة الوطنية.
وتخلص خراسان إلى أن التأخر في صياغة الرواية يمثل أخطر أوجه القصور، إذ إن الرواية المتأخرة، في عصر الإعلام الفوري، تصبح بلا تأثير. وتستشهد بحالة نائب الرئيس الأمريكي الذي سارع إلى تقديم رواية بلاده فور انتهاء المفاوضات، بينما تأخرت وسائل الإعلام الإيرانية في الرد، ما منح الطرف الآخر أفضلية واضحة. وترى الصحيفة أن الحل يكمن في بناء معمارية رواية متكاملة، تقوم على متحدث واحد موثوق وسريع، ورسائل واضحة، وتوقيت دقيق، بما يضمن استعادة زمام المبادرة الإعلامية.
صحيفة قدس… تفضيل الفشل على الاتفاق من منظور القوة والمقاومة
في المقابل، تتبنى صحيفة قدس الأصولية مقاربة مختلفة، تبتعد عن نقد إدارة التفاوض لتذهب نحو إعادة تعريف مفهوم النجاح والفشل في العملية التفاوضية. ففي موقف صريح، تعتبر الصحيفة، خلال تقرير نشرته اليوم نفسه، أن فشل مفاوضات إسلام آباد أفضل من أي اتفاق، وهو توصيف يعكس رؤية أيديولوجية ترى أن التنازل أو القبول بشروط غير متكافئة يمثل خسارة أكبر من عدم التوصل إلى اتفاق.

وترى الصحيفة أن هذا الفشل يعد إيجابيا لأنه جاء نتيجة تمسك الوفد الإيراني بمواقفه ورفضه لما تصفه بالمطالب الأمريكية المبالغ فيها. وتعتبر أن مجرد الوقوف بوجه هذه المطالب يمثل نجاحا بحد ذاته، لأنه يعكس الدفاع عن المصالح الوطنية وعدم الخضوع للضغوط.
وتستند قدس في موقفها إلى قراءة تاريخية لتجارب التفاوض السابقة، مشيرة إلى أن الاتفاقات السابقة لم تمنع، بحسب رأيها – من نقض الطرف الآخر لالتزاماته، بل وفرضه للحرب وحتى إدانة إيران أثناء دفاعها عن نفسها. ومن هذا المنطلق، ترى الصحيفة أن ما تسميه الدبلوماسية المثالية أو السعي لإثبات المظلومية لم يعد مجديا في عالم تحكمه موازين القوة والمصلحة.

وتطرح الصحيفة بديلا يقوم على ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الصلبة، حيث تؤكد أن الطريق الوحيد أمام إيران هو إثبات وجودها وفرضه بالقوة، عبر المقاومة والاستعداد للمواجهة وإظهار القدرة على الصمود وفرض كلفة على الخصم. وفي هذا السياق، تعيد تعريف التفاوض نفسه، معتبرة أنه ليس أداة لحل المشكلات، بل وسيلة لتثبيت الواقع وفرضه.
هذا الطرح يعكس توجها واضحا داخل التيار الأصولي، يرى في التفاوض أداة تكتيكية ضمن استراتيجية أوسع قائمة على القوة، وليس مسارا مستقلا لحل النزاعات، وبالتالي، فإن نجاح أو فشل التفاوض لا يقاس بالاتفاقات الموقعة، بل بمدى الحفاظ على «الخطوط الحمراء» وفرض الإرادة الوطنية.
تطورات المفاوضات… بين الغموض والتقدم الحذر
على مستوى التطورات الميدانية، تعكس المعطيات الأخيرة حالة من الغموض المشوب بحذر. فقد أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أنه لم يتم حتى الآن تحديد موعد للجولة الجديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدة أن ما يتم تداوله في الإعلام لا يتجاوز كونه تكهنات. ويعكس هذا الموقف حالة من الضبابية التي لا تزال تحيط بمسار التفاوض، خاصة في ظل تعدد الوسطاء وتباين الروايات.

في المقابل، تشير تقارير إعلامية إلى وجود تحركات دبلوماسية نشطة، حيث تعمل دول مثل مصر وباكستان وتركيا على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، في محاولة للوصول إلى اتفاق قبل انتهاء وقف إطلاق النار، وقد شددت القاهرة وإسلام آباد، في اتصالات رسمية، على ضرورة العودة السريعة إلى المسار الدبلوماسي، معتبرتين أن ذلك يمثل خطوة أساسية لخفض التوترات الإقليمية.

وفي تطور لافت، تحدثت تقارير عن موافقة مبدئية بين إيران والولايات المتحدة على تمديد وقف إطلاق النار، بهدف إتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات. ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك الطرفين لصعوبة التوصل إلى اتفاق شامل في المدى القصير، خاصة في ظل وجود ملفات معقدة مثل البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، وتعويضات الحرب.
كما تشير تقارير أخرى إلى أن الطرفين يقتربان من وضع إطار عام لاتفاق محتمل، وهو ما قد يمهد لمرحلة جديدة من التفاوض تركز على التفاصيل. غير أن مصادر أمريكية حذرت من أن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يزال غير مضمون، نظرا لحجم الخلافات القائمة.

وفي هذا السياق، يبدو أن تمديد وقف إطلاق النار بات خيارا مرجحا، ليس فقط كإجراء لاحتواء التصعيد، بل كأداة لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. إلا أن هذا التمديد، في حال حدوثه، لن يكون نهاية المطاف، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدا تتطلب معالجة القضايا الجوهرية التي عطلت المفاوضات حتى الآن.
تكشف مواقف الصحف الأصولية الإيرانية عن تباين في المقاربة، لكنه يلتقي عند نقطة أساسية تتمثل في التشكيك بجدوى التفاوض بصيغته التقليدية. فبينما تركز خراسان على إصلاح إدارة التفاوض إعلاميا واستعادة زمام المبادرة في حرب الروايات، تمضي قدس أبعد من ذلك لتعيد تعريف التفاوض نفسه كأداة ضمن استراتيجية قائمة على القوة والمقاومة.
وفي ظل هذه الرؤى، تتواصل المفاوضات بين طهران وواشنطن في أجواء من الحذر والتعقيد، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والعسكرية، ما يجعل من أي اتفاق محتمل نتيجة لتوازنات دقيقة، وليس مجرد تفاهم تقني بين طرفين.

