- زاد إيران - المحرر
- 954 Views
كتب: محمد فتحي النادي
إن من مثيرات الجدل عند البعض أن يُصدموا في أعلام كانوا يعتبرونهم من أهل السُّنة، أو أخذوا عنهم العلوم والفنون ولم يعرفوا أفكارهم ومعتقداتهم.
وهذا مما يُحسب لأعلام الأمة الكبار الذين لم يجعلوا الاختلاف الفكري والسياسي حاجزاً منيعاً للاستفادة من الآخرين، أو طرح علومهم.
وقد كان في الأمة من يَطرح الآخرين وعلومهم إن كان هناك اختلاف فكري وسياسي؛ إما اعتقاداً منهم بفساد ما عليه الآخرون ووجود ضرر على الأمة من الأخذ عنهم، أو مجاراة للأنظمة التي قد تكون ناقمة على المخالفين لها ولم يسيروا في ركابها.
وكان من معاني الشيعي أنه المعارض لبني أمية، لا أكثر؛ فهو معنى سياسي لا يحمل أي معنى اعتقادي أو فكري.
يُحكى أن الكُمَّيت الشاعر قصد خالد بن عبد الله القسري، أمير العراقيين، ليمدحه وينال بعض أعطياته، فقال له معاذ الهراء: “لا تفعل؛ أنت مضري وخالد يمني متعصب على مضر، وأنت شيعي وهو أموي، وأنت عراقي وهو شامي.
فلم يقبل إشارته، وأبي إلا قصد خالد، فقصده، فقالت اليمانية لخالد: قد جاء الكميت وقد هجانا بقصيدة نونية فخر فيها علينا، فحبسه خالد وقال: في حبسه صلاح؛ لأنه يهجو الناس ويتأكلهم”.
وهنا نحاول أن نسلط الضوء على أعلام وشيوخ في العربية نال بعضهم حظاً وافراً من الشهرة، ولم تزل الأمة تنهل من علومهم إلى اليوم.
ومنهم:
1- معاذ بن مسلم الهراء
وهو -كما وصفه الذهبي- “شيخ النحو”.
أما الفيروزآبادي فقد عده “من أعيان النحاة”.
وقال ابن غزي عنه: “الإمام النحوي”.
وقد كانت له علاقة بالإمام جعفر الصادق ؛ إذ كان يروي عنه الحديث، وإن كان غير معتمد في الحديث.
ومن تلامذته الكسائي الذي أخذ عنه “جملة من النحو”.
وقد قيل: إنه “أول من وضع علم التصريف، وصنف كتباً في النحو”، وكان هذا التصنيف “في النحو في دولة بني أمية”.
لكن لم يصلنا منها شيء؛ قال الذهبي: “يقال: إنه صنف في العربية، ولم يظهر ذلك”.
وهو “كان شيعياً معمراً”، وهذا التشيع لم يكن بالصورة التي نراها الآن.
2- يعقوب بن إسحاق بن السكيت
هو “شيخ العربية” صاحب كتاب “إصلاح المنطق”، كان وما زال “حجة في العربية.
برع في النحو واللغة.
له من التصانيف نحو من عشرين كتاباً، وكتبه صحيحة نافعة.
كان إليه المنتهى في اللغة.
قال ثعلب: أجمعوا أنه لم يكن أحد بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت”.
قال أبو سهل بن زياد: سمعت ثعلبًا يقول: عدي بن زيد العبادي أمير المؤمنين في اللغة.
وكان يقول قريبًا من ذلك في ابن السكيت”.
“وكان يتشيع”؛ إذ “كان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب ”، وكان محباً للسبطين مع أبيهم، بل كان “من المغالين في محبتهم والتوالي لهم”.
وقد “سبق أقرانه في الأدب، مع حظ وافر في السنن والدّين”.
وقد قيل: لما أَمر الخليفة العباسي المتوكل فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ هدم قبر الْحُسَيْن ، قال ابن السّكيت شعرا، وَقيل: هِيَ للبسامي عَليّ بن أَحْمد:
بِاللَّه إِن كَانَت أُميَّة قد أَتَت… قتل ابْن بنت نبيها مَظْلُوما
فَلَقَد أَتَاهُ بَنو أَبِيه بِمثلِهِ … هَذَا لعمرك قَبره مهدوما
أسفوا على أَن لَا يَكُونُوا شاركوا … فِي قَتله فتتبعوه رميما”.
وقد كان ابن السكيت قريبًا من الخليفة المتوكل ومن ولاة العهد؛ إذ كان مؤدبًا للمعتز والمؤيد ابني المتوكل.
“وفي سنة أربع وأربعين ومائتين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية؛ وذلك أنه حضر يوماً مجلس المتوكل، وكان يؤدب أولاده، فجاء منهم المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب، أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ابنا علي ؟
فقال يعقوب: واللّه إن قنبر خادم عليّ خير منك ومن ابنيك.
فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك فمات.
ثم أرسل المتوكل لأولاده دية أبيهم عشرة آلاف درهم”.
وقد تناقل هذه القصة المؤرخون، لكن ابن تغري بردي قال: “وفي هذه الحكاية نظر من وجوه عديدة”، ولم يذكر أي وجه، لكنه شكك في قصة القتل.
وقد تكلمنا سابقاً في مسألة نَصَب المتوكل ما بين مثبت ونافٍ، والذي حيرني هو الذهبي الذي قال في موضع: “وكان في المتوكل نصب بلا خلاف”، وفي نفس الكتاب يقول: “كان المتوكّل منهمكاً فِي اللَّذّات والشُّرْب، فلعلّه رُحِمَ بالسُّنة، ولم يصح عنه النصب”.
ويقول: “وكان في المتوكل نصب، نسأل الله العفو”، وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول: “وقيل: لم يصح عنه النصب، وقد بكى من وعظ علي بن محمد العسكري العلوي، وأعطاه أربعة آلاف دينار”.
لكنه بعد ذكر وفاة ابن السكيت قال كلمة تُكتب وتُعلق على قصور الملوك ليرتدعوا: “وأكثر الملوك يحشرون مع قَتَلَةِ الأنْفُس”.
لكن السيوطي هو الذي أغرب بعد ذكر حادثة قتل ابن السكيت فقال: “وكان المتوكل رافضياً”؛ إذ لو كان رافضياً لما أقدم على قتل من قدم الإمام عليًّا وولديه.
3- علي بن عيسى الرماني
وهو “العلامة، النحوي المعتزلي”، بل “شيخ النحو علي بن عيسى الرماني”.
“صنف في التفسير، واللغة، والنحو، والكلام، وشرح (سيبوبه) وكتاب (الجمل)، وله في الاشتقاق، وفي التصريف.
وكان من أوعية العلم على بدعته”، “وكان من أهل المعرفة مفننًا في علوم كثيرة من الفقه والقرآن والنحو واللغة والكلام على مذهب المعتزلة”.
“وكان يتشيع ويقول: علي أفضل الصحابة”.
وجاء ابن حجر بالأقوال التي تبرئ ساحة الرماني من التشيع؛ فذكر أن ابن النديم في (الفهرست) ذكر “أن مصنفات علي بن عيسى الرماني التي صنفها في التشيع لم يكن يقول بها، وإنما صنفها تقية لأجل انتشار مذهب التشيع في ذلك الوقت”.
ومن المعروف أن التقية مذهب الشيعة، فكيف تكون التقية مذهب غيرهم، ويكتب آراءهم خوفاً منهم؟
فهذا لا يستقيم.
وقد عدت للفهرست لابن النديم فلم أهتدِ لكلامه هذا عن الرماني.
والحافظ ابن حجر ذو عقلية جبارة مدققة وحافظة لا يمكن التشكيك فيها، فلعل النسخة التي بين يده غير تلك التي بين يدي، أو أنه نقل كلامًا بالمعنى فلم أقف عليه.
وقد عاد ابن حجر ونقل عن أبي علي التنوخي أن الرماني النحوي كان يقول: “إن عليا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ”.
4- عز الدين أحمد بن علي بن معقل المهلبي الحمصي
كبير الرافضة، النحوي العلامة اللّغوي.
أخذ التشيع بالحلة، والنحو عن الكندي، وأبي البقاء، وله النظم البديع، والنثر الصنيع، وكان صدراً محترماً، ثخين الرفض.
برع في لسان العرب، والعروض، وصنف فيهما، وقال الشعر الرائق، ونظم (الإيضاح)، و(التكملة) فأجاد.
وحكم له الكندي بأن كتابه أعلق بالقلوب وأثبت بالأفكار من كلام الفارسي.
وكان عالماً بالأصول والفقه على رأي الإمامية.
وله (ديوان) في مديح آل البيت والتنقص بالصحابة.
وكان وافر العقل، غالي التشيع، ديناً، متزهداً.
فهذا الطعن في الصحابة والتنقص لم يمنعا الذهبي وغيره أن يصفوا هذا الرجل بـ: النحوي العلامة.
فميزان المؤرخ ميزان دقيق لا تمنعه المثالب عن الاعتراف بالفضائل، ولا يمكن إنكار من لهم تأثير مباشر على الأمة في الأدب أو اللغة أو السياسة …. إلخ.
فتأثيرهم مشهور غير منكور، وسيئاتهم معروفة مشهورة كذلك.
والذكي الفطن هو من يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، مع التحذير من الكدورات، والتنبيه عليها.

