إحياء “جيش العدل” و”بيجاك”.. أخطر مراحل مشروع تفكيك إيران

كتب: سيد نيما موسوي

نقله إلى العربية: الترجمان

يرى عدد من خبراء العلاقات الدولية أن المشروع الغربي الأهم بعد سقوط نظام صدام حسين وانقسام السودان خلال العقدين الماضيين هو مشروع تفكيك إيران.
وقد بدأت ملامح هذا المشروع بالظهور منذ مطلع الألفية الثانية، مع تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران، ثم تطوّر لاحقًا إلى دعم مباشر للحركات الانفصالية داخل البلاد.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً، يؤكد المراقبون أن هذا المسار بلغ مرحلة أكثر وضوحاً وخطورة، مع تصاعد نشاط جماعات مثل جيش العدل وبيجاك التي يُنظر إليها كأدوات لإضعاف الدولة ودفعها نحو سيناريوهات التقسيم.

منذ مطلع الألفية الثانية، وبالتزامن مع طرح فريق الرئيس الأمريكي جورج بوش لمشروع “الشرق الأوسط الجديد”، جرى تعزيز موقع عبد المالك ريغي بوصفه أحد العناصر الانفصالية البارزة في جنوب شرق إيران، لتشهد قواته منذ عام 2004 نمواً ملحوظاً وتوسعاً في نشاطها.

Image

وفي المناطق العربية في محافظة خوزستان، اتخذت التحركات الانفصالية منحى مشابهاً، إذ تم تأسيس جماعة “الأحواز” عام 2005، وتزامن ذلك مع تفجيرات مدينة الأهواز في جنوب غرب إيران في العام نفسه.
وفي الوقت ذاته، بدأت تظهر في شمال غرب البلاد حركات انفصالية ذات طابع قومي أذري، حيث تأسس عام 2002 حزب “غاموح” بقيادة محمود علي تشهركاني، مستنداً إلى خطاب القومية الأذرية، وسعى إلى توسيع نشاطه عبر تنظيم تجمعات في مناطق مثل قلعة بابك، وتشير التقارير إلى أن نشاط هذه الأحزاب شهد تصاعداً لافتاً في السنوات الأخيرة.

أما احتجاجات عام 2022 في إيران، فقد كانت بمثابة ساحة انفتاح جديدة لتلك الجماعات الانفصالية. فبينما بدأت الاحتجاجات من الطبقة الوسطى في طهران، سرعان ما امتدت إلى المناطق القومية، حيث ظهرت شعارات مثل “حكومتنا القومية” في أذربيجان، ورُفع علم كردستان في المدن الكردية كـ”بوكان”، كما تصاعدت العمليات المسلحة لجماعة “جيش العدل” في المناطق البلوشية بجنوب شرق البلاد. وقد فسّرت الدوائر الأمنية والسياسية الإيرانية تلك التطورات بوصفها تحركات منظمة تهدف إلى تفكيك البلاد من الداخل.

وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تسعى إسرائيل – وفق تقارير إيرانية – إلى استخدام الورقة الانفصالية كأداة لاحتواء إيران. إذ يُذكر أن الضابط الإسرائيلي السابق مردخاي كيدار يتولى إدارة هذا المشروع، وله دور محوري في دعم الجماعات الانفصالية، وقد نشر مقالات عديدة في وسائل إعلام إسرائيلية مثل جيروزالِم بوست دعا فيها صراحة إلى تقسيم إيران. 

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل حاولت خلال حرب الـ 12 يوماً توظيف هذه الجماعات ضمن استراتيجيتها، لكنها فشلت في تحقيق أي نتائج ملموسة.

Image

وتضيف التقارير أن إسرائيل ما زالت مستمرة في استثمارها بهذه الورقة، إذ يُعقد حاليًا في أوسلو بالنرويج مؤتمر تحت عنوان “حقوق الإنسان في إيران”، بدأ في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بمشاركة شخصيات وجماعات معارضة وانفصالية إيرانية، ومن أبرز المشاركين:

  • شيرين عبادي، المحامية الإيرانية الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2002.
  • فؤاد پاشايي، الأمين العام لحزب المشروطة وأحد المقربين من رضا بهلوي.
  • حميد تقوائي، الأمين العام للحزب الشيوعي العمالي الإيراني.
  • إبراهيم علي زادة، السكرتير الأول لحزب “كومله” الكردستاني.
  • مونا سيلاوي، الأمينة العامة للحزب الديمقراطي الأحوازي.
  • ناصر بلديائي، الأمين العام لحزب “شعب بلوشستان”.

ويُنظر إلى هذا المؤتمر بوصفه أحدث حلقة في سلسلة تحركات تستهدف الداخل الإيراني عبر توحيد الفصائل الانفصالية تحت غطاء حقوق الإنسان، في وقت تزداد فيه حساسية طهران من أي نشاطات خارجية قد تُستغل للإخلال بوحدة أراضيها.

Image

بالتوازي مع المسار السياسي القائم على الحوار بين القوميات والمعارضة الإيرانية بنسختيها اليمينية واليسارية، تشهد إيران تصاعداً ميدانياً في العمليات المسلحة، ولا سيما في إقليمي كردستان وبلوشستان.

تُعدّ جماعة “جيش العدل” أبرز التنظيمات المسلحة الناشطة في جنوب شرق إيران، إذ تتبنّى خطاباً قومياً بلوشياً ذا نزعة انفصالية، وتلقى – بحسب تقارير إيرانية – دعماً مباشراً من إسرائيل. وخلال السنوات الأخيرة، نفّذت هذه الجماعة هجمات دامية استهدفت قوات الأمن الإيرانية في تلك المناطق.

 ويرى مراقبون أن “جيش العدل” لم يعد تنظيماً محلياً محدوداً، بل جزء من معارضة مسلحة أوسع ضد إيران، على نحو يُشبه النموذج الذي مثّلته جبهة النصرة في سوريا.

وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة، تكثفت أنشطة الجماعة بشكل ملحوظ عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران، حيث نفذت عمليات متعددة، أبرزها الهجوم على مبنى محكمة زاهدان في أغسطس/آب 2025، إلى جانب اشتباكات متفرقة مع الأجهزة الأمنية والشرطة في المدينة. كما تبنّت الجماعة مؤخراً اغتيال غلام رضا جمشيدي، الضابط في الشرطة الإيرانية، على الطريق الرابط بين نهبندان وزابل، في واحدة من أكثر عملياتها جرأة في الآونة الأخيرة.

Image

أما في كردستان، فتشهد الساحة عودة لافتة للنشاط المسلح تقوده جماعة “بيجاك” (PJAK)، الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني (PKK) فبعد أن خفت حضورها الإعلامي والميداني منذ سبتمبر/أيلول 2011، عادت تدريجياً إلى الواجهة، بداية مع الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتستعيد اليوم زخماً أكبر وفاعلية متزايدة في الصدام مع السلطات الإيرانية.

ويرى محللون أن الهدنة الأخيرة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني أفرزت نوعاً من “التحوّل الميداني” أو ما يشبه التمدد السرطاني للنزاع الكردي نحو العراق وسوريا وإيران. فبينما تتواصل اشتباكات قوات سوريا الديمقراطية (SDF) مع حكومة أحمد الشرع في سوريا، تشهد إيران الآن تصعيداً متوازياً بين قواتها الأمنية وعناصر بيجاك، ويعتقد المراقبون أن هذا التطور يعكس استراتيجية إقليمية جديدة تراهن على الجماعات القومية المسلحة لتطويق الجمهورية الإسلامية وإضعافها من الداخل.

ومنذ يوليو/تموز 2025، تصاعدت هجمات بيجاك ضد القوات الإيرانية، ما أسفر عن مقتل اثنين من حرس الحدود الإيرانيين، ثم تبع ذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2025 هجوم مسلح على مقرّ للحرس الثوري في منطقة سروآباد بمحافظة كردستان، أودى بحياة اثنين من عناصر الحرس.

Image

ويشير هذا المسار المتوازي بين تصاعد العمليات الكردية في الشمال الغربي والأنشطة البلوشية في الجنوب الشرقي إلى أن إيران تواجه اليوم جبهة متعددة الأطراف ذات طابع إثني وأيديولوجي، تتجاوز كونها اضطرابات محلية لتغدو جزءًا من مشروع إقليمي لإضعاف مركز الدولة الإيرانية عبر تأجيج الهويات القومية والسلاح غير النظامي.

يبدو أنّ هناك تخطيطاً استراتيجياً واسع النطاق لمشروع تفكيك إيران، فعلى المستوى السياسي، ورغم أن اجتماعات أكاديمية وسياسية مثل ندوة جامعة جورج تاون ومؤتمر ميونيخ في عامي 2023 و2025 شهدت مشاركات محدودة من جماعات سياسية قومية وانفصالية، فإنّ اجتماع أوسلو في أكتوبر/تشرين الأول 2025 يمثل نقلة نوعية في هذا المسار، إذ يجمع تحالفاً من الحركات القومية والفيدرالية إلى جانب جماعات يسارية مثل الحزب الشيوعي العمالي الإيراني، وتيارات يمينية وملكية كـ حزب المشروطة الموالي لرضا بهلوي.

وبالتوازي مع هذا الحراك السياسي المنسّق، يشهد الميدان الإيراني تنامياً واضحاً في نشاط الجماعات المسلحة ذات الطابع القومي، وهي جماعات يبدو أنها تؤدي دوراً في إطار مشروع مشترك بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ضد إيران.

هذه الأنشطة، إلى جانب إعادة فرض العقوبات الأمريكية السابقة على الاتفاق النووي (برجام)، تُعدّ جزءاً من استراتيجية “احتواء إيران” التي تبلورت في عهد ترامب، عبر تعزيز التنسيق بين واشنطن وتل أبيب لتطويق إيران سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومن ثمّ إضعاف تماسكها الداخلي من خلال الورقة القومية والانفصالية.