- زاد إيران - المحرر
- 433 Views
كتبت: كريمة هاني
تواجه صناعة الدواء في إيران أزمة حادة مع نهاية العام، وسط تحذيرات مسؤولين ونشطاء في القطاع من أن النقص في الأدوية بات أمراً لا مفر منه. وتشير بيانات مدير عام التأمين الصحي في طهران إلى أن متوسط عدد الأدوية في كل وصفة طبية وصل إلى 4.2 صنف، مقارنة بأقل من دواءين عالمياً، ما يعكس الإفراط في الوصفات وتأثير سوء الإدارة وثقافة الاستخدام غير المنطقي للدواء. وفي ظل استمرار العقوبات الأممية وتفعيل آلية الزناد، ارتفعت تكلفة الإنتاج وتعطلت خطوط التوريد، بينما يعجز النظام المالي عن تلبية احتياجات الشركات المنتجة والمستوردة للمواد الفعالة.
تأثير آلية الزناد على إنتاج الأدوية واستقرار السوق
وفق تصريحات سرکندي؛ أحد نشطاء قطاع الدواء، تنتج إيران نحو 95 إلى 99% من احتياجاتها الدوائية محلياً، إلا أن جزءًا مهماً من المواد الفعالة والمثبتات الدوائية (KSM) يُستورد عادة من الصين والهند، ويعتمد على توفر العملات الصعبة.
أشار سركندي إلى أنّه منذ تفعيل آلية الزناد في (28 سبتمبر/أيلول)، واجهت شركات الإنتاج والاستيراد مشكلات في التحويلات البنكية والتأمين وتكاليف الشحن، ما رفع تكلفة استيراد المواد الفعالة بنسبة تصل إلى 40% وأخّر وصولها من 3 إلى 6 أشهر، بينما كانت لا تتجاوز 3 أشهر سابقاً.
وأوضح أن العقوبات المالية والتأمينية دفعت البنوك وشركات النقل لممارسة “العقوبات الذاتية”، ما أثر على حتى الإعفاءات الإنسانية، وأضاف أن النقص يتركز في الأدوية التي تعتمد على المواد المثبتة بنسبة 30%، وكذلك الأدوية البيوتكنولوجية التي تحتاج إلى نقل مبرد، كما أن استيراد المعدات وقطع غيار خطوط الإنتاج معرض للخطر، مما يهدد استمرارية عمل المصانع.
وأكد سركندي أن آلية الزناد لا تستهدف الدواء مباشرة، لكنها تؤثر على خطوط الإنتاج عبر القيود البنكية والتأمينية وسلاسل التوريد، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف ونقص الأدوية، مشيراً إلى أن قدرة الحكومة على إنشاء قنوات مالية آمنة ومخصصة للدواء ستكون العامل الحاسم لتخفيف الأزمة.
العجز الهيكلي في تمويل الصحة وأثره على المواطنين
شدد رئيسزاده، رئيس منظمة النظام الطبي، على أن الأزمة الصحية الراهنة تعود أساساً إلى العجز الهيكلي في تمويل قطاع الصحة، حيث انخفضت حصة هذا القطاع من الناتج المحلي الإجمالي إلى ربع مستواها السابق خلال العقد الماضي بسبب تقلص الناتج المحلي إلى النصف. وأوضح رئيسزاده أن النسبة الحالية تزيد على 4.5%، بينما يجب أن تصل إلى 8.5% على الأقل لمعالجة المشكلات الهيكلية والفوضى المالية. وأكد أن هذا التراجع تسبب في زيادة المدفوعات المباشرة من جيوب المواطنين لتتجاوز 60% من تكاليف العلاج، متخطية بكثير الحد القانوني المقرر بـ30%، مما أدى إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية تشمل الهجرة المهنية للأطباء، واكتئاب الشباب العاملين في المجال الطبي، والفوضى المالية في السوق الصحي.
الموقف الحكومي والانتقادات الموجهة للسياسات الداخلية
في الوقت الذي يسعى فيه مسؤولو وزارة الصحة لطمأنة المواطنين من خلال تأمين التمويل اللازم للإنتاج المحلي واستيراد الأدوية الحيوية، يرى خبراء القطاع أن 60% من أزمة الدواء تعود إلى السياسات الداخلية الخاطئة. وتشمل هذه السياسات تأخر تخصيص العملة الأجنبية وفرض تسعيرة حكومية لا تغطي التكاليف الحقيقية للإنتاج، ما فاقم المشكلات اللوجستية والصناعية، مثل ارتفاع أسعار مواد التعبئة والتغليف كرقائق الألومنيوم، ونقص المياه المعقمة، واضطرار المصانع لشراء مواد أولية محلية منخفضة الجودة بسبب شح العملة.
وكنتيجة مباشرة لهذه السياسات، أحجم عدد من المنتجين عن مواصلة الإنتاج، ورفض بعض الصيادلة بيع الأدوية المدعومة لتجنب الخسائر، ما أدى إلى نقص أصناف حيوية مثل الأسبرين 500 ملغ، في ظل عدم تفريق الجهات الرسمية بين الاستخدامات المختلفة للأدوية
السياسات الاقتصادية وسعر العملة وتأثيرها على قطاع الدواء
أشار محمدرضا واعظ مهدوي، رئيس الجمعية العلمية لاقتصاد الصحة في إيران، إلى أن المشكلة الأساسية في قطاع الدواء تتعلق بتأمين العملة الأجنبية وتحويلها، إذ أدى التخصيص غير الكافي للأدوية هذا العام إلى عدم شراء بعض المواد الأولية الحيوية. وأوضح أن ضعف السياسات الداخلية، بما في ذلك الاعتماد على استيراد الأدوية بدل الإنتاج المحلي، ورفع سعر صرف العملة في السوق من 0.67 دولار إلى 1.67 دولار، أدى إلى زيادة كلفة الإنتاج وارتفاع أسعار الأدوية، ما زاد من تفاقم أزمة الدواء في البلاد وأضعف قدرة المصانع على الاستمرار في الإنتاج.
الهدر المالي والإفراط الطبي
كشف مدير التأمين الصحي في طهران، محمد غلام نجاد، أن متوسط عدد الأدوية في الوصفة الواحدة يصل إلى 4.3 أصناف، مقارنة بأقل من دواءين عالمياً، ما يزيد الضغط على الموارد المالية والصحية. وبلغت مدفوعات التأمين هذا العام نحو 183 مليون دولار، منها 120 مليوناً للمراكز الجامعية و58 مليوناً للقطاع غير الجامعي.
وأضاف أنه قد تم إنشاء معاون «الوقاية» داخل هيئة التأمين الصحي الوطني للحد من الخدمات غير الضرورية وتطبيق نظام الإحالة وطبيب الأسرة، بهدف ضبط النفقات وتحسين كفاءة الموارد، غير أن الخبراء يرون أن هذه الإجراءات لا تكفي لمواجهة ارتفاع تكاليف الأدوية، ونقص العملة الأجنبية الذي يعرقل الإنتاج المحلي.
الإصلاح الداخلي ودعم الإنتاج المحلي لحل أزمة الدواء
في دعوة للإصلاح تتجاوز حدود الأزمة انتقد رضا واعظ مهدوي السياسات الحالية في قطاع الدواء، ودعا إلى تبني نماذج جديدة لتوريد الأدوية، مثل النظام الأوروبي للعبوات الكبيرة، وتنظيم مناقصات بين شركات التأمين لشراء الأدوية بأسعار أقل. وأكد أن الاستثمار في الوقاية والخدمات الصحية الأولية يقلل النفقات، ويحسّن صحة المجتمع، خصوصاً في المناطق الفقيرة.
وأوضح أن جذور الأزمة تعود إلى سوء الإدارة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى اضطراب السوق وتقوية المافيات الاقتصادية، داعياً إلى دعم الإنتاج المحلي وتحديث نظام التأمين.
كما اقترح ناشط آخر تسديد ديون شركات التأمين للمستشفيات والصيدليات لضخ السيولة، محذراً من أن التسعير الإجباري وشراء المواد الخام المحلية منخفضة الجودة يضعف فاعلية بعض الأدوية، ويؤدي إلى توقف الإنتاج وندرة الأصناف في السوق.
وفي الختام، تُظهر أزمة الدواء الإيرانية أن التحدي لا يقتصر على الضغوط الخارجية، بل يتجذر في اختناق مالي وهيكلي داخلي. فبينما رفعت “آلية الزناد” التكاليف وعرقلت سلاسل التوريد، تشير التحليلات إلى أن نحو 60% من المشكلة تكمن في السياسات الداخلية، مثل التسعير الإجباري والعجز الهيكلي في تمويل الصحة.
ويُعتبر تأثير “السناب باك” عاملاً كاشفاً لنقاط الضعف في المنظومة، خصوصاً الاعتماد المفرط على العملة الصعبة وإخفاق آليات التسعير. ويقع على عاتق الحكومة اليوم اختيار واضح: إما إصلاح جذري للدورة المالية ودعم المنتج المحلي، أو مواجهة استمرار نقص الأدوية وفقدان الثقة في الصناعة الوطنية. فهل ستنجح الإدارة الإيرانية في ترسيخ الأمن الدوائي، أم ستظل التحديات تتفاقم؟

