الثورة الإيرانية وحركة الاستقلاليين في مينداناو

كتب: سيدنيما موسوي

نقله إلى العربية: الترجمان

شكَّل شعارا “الوحدة الإسلامية” و”الأمة الإسلامية” أحد أبرز الأسس الفكرية للثورة الإيرانية عام 1979، فقد رأى العديد من منظّري الثورة أنّ نجاحها لا يكتمل إلا بتجاوز الانقسامات المذهبية، والسعي نحو توحيد المذاهب الإسلامية المختلفة في إطار أوسع، هو بناء الأمة الإسلامية الواحدة، بخلاف بعض فقهاء الشيعة الذين اتخذوا مواقف ذات طابع طائفي ضيّق.

يمكن القول إنّ جذور هذا التوجّه تعود إلى فكر حسين البروجردي، زعيم الشيعة في إيران في خمسينيات القرن الماضي، الذي دعا إلى تقريب المذاهب الإسلامية من خلال مراسلاته الشهيرة مع الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الشريف، ضمن ما عُرف آنذاك بـ”مبدأ الوحدة الإسلامية”، سعياً إلى تحقيق نوع من المساواة والتقارب بين الشيعة والسنَّة.

Image

لاحقاً، أوْلى منظّرو ثورة 1979 – رغم انتمائهم المذهبي الشيعي – اهتماماً كبيراً بفكرة التنسيق الفكري والسياسي مع أهل السنَّة، وقد تجلّى هذا الاتجاه بوضوح في أفكار محمد حسين بهشتي، وعلي شريعتي، اللذَين اعتبرا أنّ الرسالة الإسلامية تتجاوز الحدود المذهبية الضيقة.

ومِن ثَمّ، تحوّل مفهوم الأمة الإسلامية في السنوات التي أعقبت الثورة إلى أحد المصادر الرئيسية التي استلهمت منها إيران توجهاتها في السياسة الخارجية، باعتباره وسيلة لمدّ الجسور مع الشعوب الإسلامية الأخرى، وتعزيز حضورها في العالم الإسلامي، بوصفها رائدة لمشروع “الوحدة الإسلامية”.

في إطار عقيدة الأمة الإسلامية، قدّم النظام الثوري في إيران دعماً واسعاً ومهماً للأحزاب والحركات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم. وبلغت ذروة هذه المساعدات في ثمانينيات القرن الماضي، حين ازدهر ما يمكن تسميته بـ”الأممية الإسلامية”، التي وجدت آنذاك مؤيدين كثراً داخل بنية الحكم في إيران. ففي تلك الفترة، دعمت طهران عددًا من الأحزاب الإسلامية في بلدان متعدّدة، وكان من أبرزها جبهة تحرير مورو في جزيرة مينداناو الفلبينية، التي زار زعيمها نور ميسواري طهران مرتين بعد ثورة 1979، بل كان للجبهة مكتب رسمي في العاصمة الإيرانية خلال ثمانينيات القرن العشرين.

Image

كانت الأراضي التي تُعرف اليوم باسم الفلبين تضمّ قبل الغزو الإسباني، بقيادة الملك فيليب الثاني عام 1571، ثلاث ممالك إسلامية مستقلة:

  • سلطنة سولو، التي شملت مناطق مثل: باسيلان، وبالاوان، ونيغروس.
  • سلطنة ماجينداناو، التي كانت جزيرة مينداناو جزءاً منها.
  • سلطنة مانيلا، التي تُعدّ اليوم عاصمة الفلبين.

وقد خاض مسلمو مينداناو مقاومة شرسة ضدّ الغزو الإسباني، حتى أصبح الإسلام رمزاً للمقاومة في وجه الاستعمار الإسباني، وكان الإسبان، الذين حملوا معهم إرثاً من العداء التاريخي للمسلمين منذ سقوط الأندلس والحروب الصليبية، قد بذلوا جهوداً كبيرة لطمس الهوية الدينية للمسلمين في الفلبين وتحويلهم عن دينهم، بدعم مباشر من الكنيسة الكاثوليكية.

أما تسمية المسلمين هناك بـ “المورو”، فقد جاءت من اللفظ الإسباني “مواري” (Mauri)، وهو الاسم الذي أطلقه الإسبان على مسلمي شمال وغرب إفريقيا، ومنه اشتُقت أسماء دول مثل المغرب (Marruecos) وموريتانيا (Mauritania).

وخلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية، تعرّض المسلمون في الفلبين لسياسات تهميش اقتصادي وثقافي متعمّد؛ إذ مُنعوا من التجارة، والتطور التقني، وحتى الزراعة، بهدف إبقائهم في حالة ضعف دائم.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، ومع صعود الولايات المتحدة كقوة إمبريالية عالمية، سعى الرئيس الأمريكي ويليام مكينلي إلى دمج المسلمين ثقافياً واقتصادياً في المجتمع الفلبيني. غير أنّ هذا المشروع أدّى في النهاية إلى انهيار آخر قلاع الحكم الإسلامي، حيث سقطت سلطنة سولو عام 1914، بعد قرون من المقاومة المتواصلة، لتُعلن منطقة بانغسامورو – التي مثّلت آخر ما تبقّى من التراث الحضاري الإسلامي في البلاد – استسلامها.

وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة اعترفت لاحقاً بحق المسلمين في الحكم الذاتي في بعض المناطق، فإنّ سلطنة سولو التي كانت قد تأسست قبل خمسة قرون، كانت قد انهارت تماماً، منهية بذلك حقبة كاملة من الوجود السياسي الإسلامي في الفلبين.

مع انضمام بانغسامورو إلى الفلبين عام 1940، ثم استقلال الفلبين عام 1947، تشابكت مصائر المسيحيين والمسلمين في جزيرة مينداناو. ومنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وبفعل تأثير الدعاية الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، بدأت التيارات الإسلامية الحديثة في الفلبين بالنمو تدريجياً، في بلدٍ يعيش فيه اليوم نحو سبعة ملايين مسلم، يمتلكون جذوراً إسلامية عميقة تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي.

انطلقت في مطلع الستينيات الحركة الإسلامية “مجول” في الفلبين، باعتبارها حركة ثقافية تهدف إلى إحياء الهوية الإسلامية، وسرعان ما أدّى ذلك إلى ظهور مجموعات مسلّحة مسلمة بدعمٍ من بعض الدول الإسلامية.

وفي مارس/آذار 1968، شكّل حادث جزيرة كوريغيدور (Corrigidor Incident) نقطة تحوّل مفصلية؛ إذ قُتل عشرات المقاتلين المسلمين على أيدي قوات الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس. وقد أدّى هذا الحدث إلى تأسيس جبهة تحرير مورو في العام نفسه، التي أعلنت موقفها رسميًا عام 1969.

وخلال الأعوام 1972 إلى 1977، اندلعت حرب عنيفة بين الحكومة الفلبينية والمسلمين، أسفرت عن مقتل نحو 100 ألف مسلم فلبيني، ضمن سياسة تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية في الجنوب، فيما اضطرّ كثيرون إلى اللجوء إلى ماليزيا.

هذا الواقع دفع منظمة المؤتمر الإسلامي إلى إيلاء قضية مسلمي مورو اهتماماً خاصاً. ومنذ عام 1974، تأسس الجيش الثوري لبانغسامورو بدعم مباشر من معمر القذافي، ما منح المسلمين في الفلبين دعماً تسليحياً وسياسياً في مواجهة نظام ماركوس.

وفي عام 1976، وبوساطة ليبية، وُقّع اتفاق طرابلس بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو للتحرير الوطني، نصّ على منح 13 إقليماً مسلماً حق الحكم الذاتي، غير أنّ ماركوس نقض الاتفاق لاحقاً.

Image

في تلك الفترة، برز انقسام داخلي داخل جبهة مورو؛ إذ انفصل هاشم سلامات، الصديق المقرب من نور ميسواري، وأسس جبهة مورو الإسلامية للتحرير (MILF)، بعد أن اتهم ميسواري بـ”الخيانة”، معتبراً أنّه استغل دماء المسلمين للوصول إلى السلطة.

وقد اختلفت رؤى الرجلين في المنهج السياسي والديني؛ فبينما دعم ميسواري الخطط الماليزية والليبية التي تدعو إلى منح المورو حُكماً ذاتياً موسّعاً، رأى هاشم سلامات – المتأثر بالفكر الأزهري والعربي الإسلامي – أنّ الأفضل هو منح الحكم الذاتي ضمن وحدة الأراضي الفلبينية، تماشياً مع الرؤية المصرية والسعودية.

كما كانت بينهما خلافات فكرية عميقة؛ فميسواري – رغم إيمانه بالإسلام – تأثّر بأفكار ماركس، ولينين، والجنرال جياب قائد الثورة الفيتنامية، في حين كان هاشم سلامات أكثر تديّنًا ونزعة إسلامية خالصة بصفته أحد خريجي الأزهر الشريف.

يمكن إرجاع بداية اهتمام الثوريين الإيرانيين بالقضية الفلبينية إلى العدد الكبير من الطلاب الإيرانيين الذين درسوا في الفلبين خلال سبعينيات القرن العشرين. فقد كانت إيران في تلك الفترة من أبرز الدول التي تبتعث طلابها للدراسة في الخارج، وكانت الجامعات الفلبينية آنذاك من الوجهات الأكاديمية المفضّلة للشباب الإيراني.

تشير التقديرات إلى أنّه عشية ثورة 1979 كان هناك نحو 2500 طالب إيراني يدرسون في الفلبين، فيما حصل آخرون على شهادات دراسية بالمراسلة من جامعات فلبينية. كما تزوّج بعض هؤلاء الطلاب من فتيات فلبينيات خلال فترة إقامتهم هناك.

وقد تزامنت ذروة البعثات الطلابية الإيرانية مع صعود المنظمات الطلابية المعارضة لحكم الشاه، ولا سيما اتحاد الطلبة الإيرانيين والجمعية الإسلامية للطلبة، اللذين كان لهما نشاط واسع في مختلف الدول. 

من هنا، بدأت بعض المجلات الإسلامية الثورية في إيران قبل الثورة بتغطية أخبار الصراع بين المسلمين المورو وحكومة فرديناند ماركوس في الفلبين. ومن أبرز هذه المجلات “مكتب الإسلام”، التي كانت تمثّل تيار التجديد الديني وتحظى بشعبية كبيرة بين الإسلاميين الثوريين، وكانت تنشر تقارير وأخبارًا عن جبهة تحرير مورو.

بعد خطاب نور ميسواري في مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1977، اكتسب مكانة بارزة على المستوى الدولي. ومع تراجع الدعم الليبي لجبهة مورو وظهور الانقسامات الداخلية فيها، تحوّل اهتمام ميسواري نحو الثورة الإيرانية. وفي يونيو/حزيران 1979، قام بزيارة إلى طهران حيث التقى حسين علي منتظري، أحد كبار علماء الدين وقادة النظام الثوري.

Image

كان منتظري من أبرز المنظّرين لفكرة الأممية الإسلامية، وبعد هذا اللقاء – الذي جرى بعد خمسة أشهر فقط من انتصار الثورة – وافق على منح جبهة مورو ترخيصاً لافتتاح مكتب في طهران. ورغم معارضة إبراهيم اليزدي وزير الخارجية الإيراني آنذاك، فقد تمّ في عام 1980 افتتاح مكتب رسمي للجبهة في طهران. كما ألقى ميسواري محاضرة في جامعة طهران، نُشرت صورها في الصحف الإيرانية في ذلك الوقت.

أما زيارته الثانية إلى طهران فكانت عام 1982، حين كانت السلطة الثورية الجديدة قد ترسّخت، وتمّت الزيارة بعد أسابيع قليلة من استعادة مدينة خرمشهر من القوات العراقية. في تلك الزيارة، التقى ميسواري بـ آية الله علي خامنئي، الذي كان آنذاك رئيسًا للجمهورية الإيرانية.

واستمرّت العلاقات الوثيقة بين إيران وجبهة مورو حتى عام 1986، حين دعمت إيران موقف الجبهة في مواجهة الحكومة الفلبينية. ومع صعود كورازون أكينو إلى الرئاسة ذلك العام، وبدعم من بعض الأطراف داخل جبهة مورو، بدأت حدة الصراع المسلح تتراجع، ودخلت منطقة مينداناو مرحلة من الاستقرار النسبي بعد سنوات طويلة من الحرب.

وبذلك يمكن اعتبار عام 1986 نقطة تحوّل رئيسية في مسار النزاع الفلبيني، إذ تراجع القتال تدريجياً، وبدأت الحكومة الجديدة بالبحث عن تسويات سياسية تعيد الأمن إلى جنوب الفلبين، مع بقاء إيران أحد أبرز الداعمين التاريخيين لمسلمي مورو في تلك المرحلة.

في السنوات التي تلت حرب إيران والعراق (1980–1988)، ومع تراجع النزعة الأممية الإسلامية في السياسة الإيرانية، حاولت طهران إعادة تنظيم دعمها لحركات التحرر الإسلامي في إطار أكثر دبلوماسية، من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي فقط. ولهذا السبب، ورغم أنّ إيران كانت من أبرز الداعمين لحركة مورو، فإنها لم تُدرج ضمن “مجموعة الاتصال” التي شُكّلت لمتابعة ملف المفاوضات بين حكومة مانيلا وجبهة تحرير مورو.

وفي مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد عام 1991 في داكار (السنغال) تقرّر أن تتولى خمس دول، هي: السعودية، والسنغال، وبنغلاديش، وليبيا، والصومال، مهمة التواصل والوساطة بين الطرفين. وفي إطار تلك الجهود، تم الاعتراف رسمياً بحكومة الحكم الذاتي بقيادة نور ميسواري في منطقة مينداناو، التي تولّى إدارتها حتى عام 2001 بصفته حاكم المنطقة ذات الحكم الذاتي.

تعود جذور العلاقة بين إيران وجبهة مورو إلى ما قبل ثورة 1979، وقد تُوّجت هذه العلاقة بإنشاء مكتب رسمي للجبهة في طهران. وبرغم انشغال إيران آنذاك بحربها الطويلة ضدّ العراق في ثمانينيات القرن الماضي، فإنّها واصلت دعمها السياسي والإعلامي للمسلمين السنّة في الفلبين، على الرغم من عدم امتلاكها مصالح استراتيجية مباشرة هناك.

في تلك الحقبة، كانت الصحف والمجلات الثورية الإيرانية مثل “رشد” و”جهاد” تنشر ترجمات منتظمة لأخبار جبهة مورو وتطورات أوضاع مسلمي مينداناو، موجهةً خطابها إلى القراء الفرس المهتمين بقضايا الأمة الإسلامية.

وبعد مرور نحو أربعة عقود على الصراع بين مورو وحكومة مانيلا، يمكن القول إنّ الدور الإيراني في دعم حق الحكم الذاتي لمسلمي مينداناو كان محورياً ومؤثراً، ليس فقط من الناحية المادية والسياسية، بل أيضاً من حيث الرمزية الثورية والأممية التي ربطت بين الثورة الإيرانية وحركات التحرر الإسلامي في آسيا.