باغرام مجدداً.. عودة أمريكية إلى “اللعبة الكبرى” وقلق متصاعد في طهران

ترجمة: الترجمان

نشر موقع “الدبلوماسية الإيرانية” تقريراً حول عودة الولايات المتحدة إلى قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، وانعكاسات هذا القرار على التوازنات الإقليمية، ولا سيما على موقع إيران في معادلة الأمن الإقليمي الآسيوي.

ذكر الموقع أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال الأسابيع الأخيرة، عن قراره استعادة قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، أعاد اسم القاعدة الشهيرة إلى واجهة الإعلام الدولي، بعد غياب دام أكثر من ثلاث سنوات. فالقرار الذي كشفت عنه مصادر أمريكية في إطار خطة وُصفت بـ”العودة المحدودة”، يبدو كأنه أكثر من مجرد خطوة عسكرية، إذ يحمل في طياته إشارات إلى تحوّل محتمل في معادلات الجغرافيا السياسية الإقليمية.

وأضاف أن قاعدة باغرام تقع شمال العاصمة كابل، وكانت في وقت من الأوقات أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج الأراضي الأمريكية، وقد انسحب منها الجيش الأمريكي في صيف عام 2021، في خضم عملية الانسحاب المتوترة من أفغانستان، التي لم تلبث أن تلاها سقوط كابل وعودة حركة طالبان إلى الحكم.
أما اليوم، فإن الحديث عن عودة أمريكية محتملة إلى باغرام يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول النوايا الحقيقية لواشنطن.

وتساءل هل تسعى الإدارة الأمريكية فعلاً إلى استعادة قدرتها على محاربة الإرهاب داخل أفغانستان؟ أم أنها تخطّط لإعادة تثبيت موطئ قدم استراتيجي في قلب آسيا بهدف احتواء إيران والصين وروسيا؟

وأوضح أنه وفق تحليل نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، فإن الأهمية الجيوسياسية لباغرام لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية، بل في موقعها الفريد الذي يجعلها نقطة ارتكاز نادرة بين القوى الإقليمية الثلاث. فالقاعدة تبعد أقل من ألف ميل عن طهران، ونحو 400 ميل عن إقليم شينجيانغ الصيني، وقرابة 800 ميل عن ميناء جوادر الباكستاني الاستراتيجي.

ولفت إلى أنه بهذا المعنى، يمكن النظر إلى باغرام بوصفها حلقة مركزية في سياسة “الاحتواء الثلاثي” التي تسعى واشنطن من خلالها إلى موازنة النفوذ الإيراني، وكبح تمدد الصين غرباً، ومراقبة التحركات الروسية في آسيا الوسطى ضمن مشهد جغرافي واحد.

Image

باغرام.. أداة واشنطن الجديدة لإعادة تعريف حضورها في المنطقة

ذكر الموقع أن في الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة، تمثّل العودة إلى قاعدة باغرام عودةً إلى قلب منطقة باتت اليوم أكثر من أيّ وقت مضى مسرحاً لتنافس القوى الكبرى. فأفغانستان ما بعد طالبان لم تعد مجرد ساحة لمحاربة الإرهاب، بل تحوّلت إلى ميدان صراع جيوسياسي تتقاطع فيه مصالح الصين وروسيا وإيران وباكستان والهند، حيث يسعى كل طرف لتوسيع نفوذه في قلب آسيا.

وأضاف أن أهمية باغرام لا تكمن في قدراتها العسكرية فحسب، بل في موقعها الجغرافي الفريد، فخلافاً للقواعد الأمريكية في الخليج التي تقع ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية، تتموضع باغرام في عمق اليابسة الآسيوية، بما يمنح واشنطن هامشًا أوسع من الأمن والمرونة العملياتية. ومن هذا الموقع، يمكن للولايات المتحدة مراقبة التحركات العسكرية الإيرانية شرقاً، والأنشطة الأمنية الصينية غرب الصين، وكذلك النفوذ الروسي في آسيا الوسطى.

وأوضح أنه على مستوى أوسع، تندرج العودة إلى باغرام ضمن إطار سياسة “التحوّل نحو آسيا” التي تسعى واشنطن من خلالها إلى إعادة تركيز استراتيجيتها على منافسة القوى الكبرى. فهذه القاعدة تمنحها قدرة على رصد المحاور الجيوسياسية الحيوية، بما يجعل العودة إليها رمزاً لعودة الولايات المتحدة إلى “اللعبة الكبرى” في القرن الحادي والعشرين؛ لعبة لا تدور هذه المرة حول السيطرة المباشرة على الأراضي، بل حول إعادة تشكيل النظام الأمني والاستخباراتي الجديد في أوراسيا.

ولفت إلى أنه ومع ذلك، فإن هذه الخطوة ليست خالية من المخاطر بالنسبة لواشنطن. فمن جهة، يمكن لأيّ تعاون مع حركة طالبان أن يؤدي إلى انقسام داخل الحركة وإلى تصاعد هجمات تنظيم  الدولة الإسلامية “داعش” في خراسان. ومن جهة أخرى، قد تثير هذه العودة ردود فعل حادّة من موسكو وبكين، بما يعرقل خطط إعادة تأهيل القاعدة وتشغيلها الكامل.

وأشار إلى أنه رغم هذه التحديات، يرى محللون أمريكيون أنه حتى وجود محدود للطائرات المسيّرة أو وحدات استخباراتية في باغرام يكفي ليُعيد لواشنطن “عيونها المفتوحة على قلب آسيا”، ويمنحها موطئ قدم جديداً في مشهد إقليمي تتغير معادلاته بسرعة، ويعيد رسم موازين القوى في الشرقين الأوسط والأوسط الأقصى على حدّ سواء.

Image

لماذا تُقلق عودة الولايات المتحدة إلى باغرام إيران؟

ذكر الموقع أنه من وجهة نظر طهران، فإن عودة القوات الأمريكية إلى قاعدة باغرام تعني فتح جبهة جديدة شرق البلاد. فخلال العقود الماضية، ركّزت إيران الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية والأمنية على محور الشرق الأوسط، من الخليج العربي وحدود العراق إلى خطوط المواجهة مع إسرائيل، ما جعل حدودها الشرقية مع أفغانستان خارج بؤرة الاهتمام الأمني المباشر.

وأوضح أنه في السنوات الأخيرة، واجهت محافظات مثل سيستان وبلوشستان تهديدات متزايدة من جماعات مسلّحة كـ”جيش العدل”. وفي هذا السياق، يُمكن لإعادة تمركز القوات الأمريكية في باغرام أن تُعيد رسم المعادلات الأمنية شرق إيران بالكامل؛ إذ ستتمكّن الطائرات الأمريكية المأهولة والمسيّرة من مراقبة التحركات العسكرية والأنشطة الحدودية وحتى المواقع الصاروخية داخل العمق الإيراني الشرقي.

وأضاف أن هذا التطور سيجبر طهران على إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية وإعادة توزيع مواردها العسكرية. فبدل أن يبقى تركيزها موجّهاً نحو الخليج والجبهات الغربية، ستُضطر إلى تحويل جزء من ثقلها الأمني نحو الشرق، وهو ما قد ينعكس سلباً على توازن الردع الإيراني تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتابع أنه من جانب آخر، تمثّل عودة واشنطن إلى أفغانستان عامل اضطراب إضافياً في العلاقة الحساسة بين إيران وحركة طالبان،  فبحسب تقرير لمجلة ناشيونال إنتريست، سعت طهران خلال العامين الماضيين إلى بناء علاقة براغماتية مع طالبان شملت تزويدها بالوقود والتنسيق الحدودي. غير أنّ الحضور الأمريكي الجديد سيضع طالبان أمام خيارين متناقضين: إما التعاون مع واشنطن، أو الحفاظ على علاقاتها مع طهران — وهو خيارٌ يصعب الجمع بين طرفيه.

وأشار إلى أنه حتى لو اقتصر الوجود الأمريكي في باغرام على عمليات استخبارية ومسيّرات دون نشر طائرات مقاتلة، فإن إيران ستواجه واقعاً استراتيجياً جديداً يتمثل في تهديد مزدوج من الغرب والشرق. مثل هذا الواقع لن يؤدي فقط إلى ارتفاع كلفة الدفاع الإيراني، بل قد يدفع السياسة الإقليمية لطهران نحو قدر أكبر من الحذر والانكفاء.

واختتم الموقع التقرير بالتأكيد أن العودة إلى باغرام ليست مجرد خطوة عسكرية، بل رمزٌ لعودة جيوسياسية أمريكية إلى ساحةٍ كان يُعتقد أن واشنطن غادرتها إلى غير رجعة. وإذا ما نُفّذ هذا المشروع بالفعل، فستراه طهران ليس فقط تحدياً أمنياً مباشراً، بل إنذار استراتيجي يؤكد أن شرق إيران لم يعد منطقة آمنة أو بعيدة عن “اللعبة الكبرى” الجديدة في أوراسيا.