- زاد إيران - المحرر
- 486 Views
كتب: الترجمان
أعادت وسائل الإعلام الإيرانية، هذا الأسبوع، بثّ مقطع فيديو قديم للمرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، يعود إلى عام 2018، يؤكد فيه بشكل قاطع أن مدى الصواريخ الإيرانية لن يتجاوز ألفي كيلومتر.
إعادة نشر المقطع – التي قامت بها صحيفة “عصر إيران” – حرّكت نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية داخل البلاد، خصوصاً بعدما ترددت أنباء عن تجارب صاروخية جديدة تجاوزت – وفق تقارير غير رسمية – هذا السقف المعلن.
من مقطع قديم إلى جدل جديد
المقطع، الذي ظهر فيه خامنئي متحدثاً أمام عدد من قادة الحرس الثوري، جاء فيه قوله بوضوح: “لن نرفع مدى الصواريخ فوق 2000 كيلومتر، فهذا المدى يغطي كل أهدافنا الدفاعية”.
لكن نشر الفيديو مجدداً لم يكن مجرد تذكير بتصريح قديم، بل تحوّل إلى إشارة سياسية مزدوجة في توقيت حساس، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية وزيادة الحديث عن تطوير إيران لأنظمة صاروخية أكثر تطوراً ودقة.
سقف محسوب لا مفروض
القرار الذي حدّد سقف مدى الصواريخ بـ 2000 كيلومتر ليس جديداً في العقيدة الدفاعية الإيرانية، فمنذ انتهاء الحرب مع العراق في الثمانينيات، اتجهت طهران إلى بناء قدرات محلية مستقلة في مجال الصواريخ، رافعة شعار “الاكتفاء الذاتي الدفاعي”.
لكن مع توسّع البرنامج في العقدين الأخيرين، واجهت إيران سؤالاً حاسماً: هل تسعى لامتلاك صواريخ عابرة للقارات أم تكتفي بردع إقليمي محسوب؟
في عام 2018، حسم خامنئي هذا الجدل معلناً أن مدى 2000 كيلومتر كافٍ لتغطية كل مناطق التهديد المحتملة، من شرق المتوسط حتى المحيط الهندي، مضيفاً أن تجاوز هذا الحد “لا ينسجم مع العقيدة الدفاعية” التي تقوم على الردع لا الهجوم.

تحوّل في الأولويات
إعادة نشر المقطع تزامنت مع حديث متزايد في الإعلام الإيراني عن تركيز المؤسسة العسكرية على تحسين دقة الصواريخ بدلاً من زيادة مداها.
موقع “مشرق نيوز” ،القريب من الحرس الثوري، أوضح في تقريره أن الأولوية اليوم ليست في الوصول إلى أهداف أبعد، بل في إصابة الأهداف بدقة أعلى، مشيراً إلى أن التقدم في أنظمة التوجيه جعل من الصواريخ الإيرانية أكثر فاعلية دون الحاجة لتوسيع المدى.
ويضيف التقرير أن تطوير مدى يتجاوز 2000 كيلومتر يتطلب تغييرات جذرية في تصميم المحركات وأنظمة الدفع والتحكم، ما يعني عملياً مشروعاً جديداً بالكامل قد يفتح باباً لصدام سياسي ودولي لا ترغب طهران في خوضه حالياً.
التوازن الدقيق بين القوة والسياسة
القرار الذي أعاد خامنئي تأكيده – ولو بطريقة غير مباشرة – يعكس توازناً معقداً بين الطموح العسكري والانضباط السياسي.
فمن جهة، تريد إيران أن تثبت أن برنامجها الصاروخي يتطوّر بوتيرة علمية متقدمة، وأنه يشكّل عنصراً أساسياً في منظومة الردع ضد أي تهديد.
ومن جهة أخرى، تدرك القيادة الإيرانية أن رفع مدى الصواريخ قد يُفسَّر دولياً كتحوّل من قوة دفاعية إقليمية إلى قوة تهديد عابر للحدود، وهو ما قد يعرّضها لعقوبات وضغوط دولية مضاعفة.
تحليلات موقع “انتخاب” الإيراني تشير إلى أن سقف الـ2000 كيلومتر تم تحديده بعد مراجعة استراتيجية أجراها مجلس الأمن القومي الأعلى، بالتعاون مع قادة الحرس الثوري، خلصت إلى أن هذا المدى يغطي كامل نطاق التهديدات الواقعية، ولا حاجة لزيادته إلا بثمن سياسي باهظ.
يرى مراقبون أن إعادة نشر الفيديو لم تأتِ من فراغ، بل جاءت كجزء من رسالة مزدوجة أرادت طهران توجيهها في هذا التوقيت.
فإلى الخارج، تؤكد الرسالة أن إيران لا تسعى لتطوير صواريخ عابرة للقارات ولا لتهديد أوروبا أو الولايات المتحدة، بل لحماية مجالها الحيوي ضمن إطار دفاعي معقول.
أما إلى الداخل، فهي تذكير واضح بأن القرار العسكري لا يُتخذ خارج مكتب القائد الأعلى، وأن أي تطوير أو اختبار يتم ضمن حدود السياسة المرسومة من قمة النظام.

جدل إعلامي وشعبي واسع
انتشر المقطع على نطاق واسع عبر منصات الفيديو مثل “آبارات” ووسائل التواصل الاجتماعي.
الإعلام الأصولي قدّم إعادة النشر بوصفها دليلاً على حكمة القيادة واستشرافها لمخاطر التصعيد غير المحسوب، في حين رأى الإعلام الإصلاحي في الخطوة تأكيداً على نضج استراتيجي يجعل من إيران قوة مسؤولة، لا مغامرة.
على مستوى الشارع، انقسمت الآراء بين من يرى أن الوقت قد حان لتوسيع القدرات العسكرية لتأمين الردع الكامل، وبين من يعتقد أن الردع الذكي القائم على الدقة والتكنولوجيا أكثر فاعلية في تحقيق الأمن دون جرّ البلاد إلى سباق تسلّح جديد.
البعد التقني: تطوير من دون تصعيد
مصادر تقنية أشارت إلى أن معظم التطويرات الأخيرة في الصواريخ الإيرانية تتركز على مجالات التوجيه بالقصور الذاتي والتحكم الإلكتروني المتطور، وهي تقنيات ترفع الدقة إلى مستويات قريبة من الأنظمة الغربية الحديثة.
وبحسب تقارير منشورة في مواقع متخصصة، فإن طهران طوّرت نماذج من الصواريخ ذات وقود صلب متعدد المراحل، لكنها تحافظ على المدى ضمن السقف المحدد لتجنّب الحساسية الدولية.
بهذا المعنى، يبدو أن إيران اختارت التركيز على الكفاءة النوعية بدل القوة الكمية.
مدى القوة وحدود الحكمة
إعادة نشر مقطع خامنئي ليست مجرد استعادة لتصريح قديم، بل إعادة تثبيت لمبدأ استراتيجي في لحظة تعقّد فيها المشهد الإقليمي. فبين ضغوط التطوير العسكري ورغبة طهران في تفادي مواجهة مفتوحة مع الغرب، يبرز النهج الإيراني في إدارة التوازن؛ ردع قوي لكنه منضبط.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن إيران قادرة تقنياً على تطوير صواريخ تتجاوز 5000 كيلومتر، يبدو أن قرار القيادة هو الحفاظ على سقف يجعلها في موقع القوة التي تستطيع، لكنها تختار ألا تفعل.
تلك هي الرسالة التي أراد الفيديو القديم أن يعيد تذكير الداخل والخارج بها: “نستطيع أن نزيد المدى، لكننا نختار أن نزيد الحكمة”.

