- زاد إيران - المحرر
- 614 Views
تحت وطأة العقوبات الأمريكية المتصاعدة منذ عقود، وجدت إيران نفسها مضطرة إلى بناء اقتصاد موازٍ يتحرك خارج النظام المالي التقليدي، اقتصاد يتشابك فيه المال بالنفط، وتختلط فيه التجارة المشروعة بشبكات خفية من الشركات والوسطاء، ومع تضييق الخناق على صادراتها النفطية، نشأ ما يعرف بأسطول الظل الإيراني، شبكة من السفن التي تجوب البحار بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، حاملة نفطاً بلا هوية وممولاً لنظام يواجه عزلة مالية غير مسبوقة، نموذجاً اقتصادياً ما انفكت أمريكا يوماً أن تحاربه.
فقد أصدرت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية، FinCEN، التابعة لوزارة الخزانة، الخميس 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريراً بعنوان التحليل المالي للاتجاهات: النظام المصرفي الظلي الإيراني، كشفت فيها، حسب قولها، عن شبكة مالية عالمية ضخمة تديرها إيران لتفادي العقوبات الأمريكية والدولية.
وذكر التقرير أن هدفه الأساسي “تسليط الضوء على الأساليب التي تعتمدها الجمهورية الإيرانية للالتفاف على العقوبات، وبيع النفط والبتروكيماويات في الأسواق العالمية، وتبييض عائداتها المالية، واستخدامها في تمويل برامجها النووية والصاروخية وطائراتها المسيرة، إضافة إلى دعم وكلائها الإقليميين في الشرق الأوسط”.
يأتي هذا التحليل في إطار ما وصفته واشنطن بحملة الضغط الأقصى التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد وصوله للبيت الأبيض بأيام قليلة في فبراير/شباط 2025، والتي تهدف إلى فرض حصار اقتصادي شديد على إيران لمنع الأخيرة، حسب تصريحات ترامب، من امتلاك أسلحة نووية وصواريخ عابرة للقارات، وإضعاف شبكات نفوذها الإقليمي، وحرمانها من الموارد التي تمول نشاطاتها المزعزعة للاستقرار.
ماذا جاء في تقرير الخزانة الأمريكية؟
حسبما جاء في التقرير، فقد اعتمدت FinCEN على بيانات قانون السرية المصرفية وتقارير الأنشطة المشبوهة التي قدمتها المؤسسات المالية الأمريكية بين فبراير/شباط 2024 ويوليو/تموز 2025، والتي شملت المعاملات التي تجاوزت قيمتها نصف مليون دولار وتم ربطها بإيران أو بشركات تعمل واجهات لها فقط، وقد بلغ عدد العمليات التي خضعت للدراسة 2027 معاملة مالية بلغ مجموعها نحو تسعة مليارات دولار.
تكشف النتائج التفصيلية التي عرضها التقرير أن الشركات النفطية المرتبطة بإيران كانت في قلب هذه العمليات، إذ أجرت معاملات تقدر بنحو أربعة مليارات دولار، أي ما يعادل 44 في المئة من إجمالي الأموال التي تم تتبعها، وقد تم تحديد عشرات الشركات النفطية المسجلة في الإمارات وسنغافورة كشركات واجهة لإيران، حيث أجرت تعاملات متبادلة بمليارات الدولارات يحتمل أنها مقابل مبيعات نفطية غير مشروعة.
وتؤكد البيانات أن نحو 470 مليون دولار من هذه الأموال تم تحويلها إلى شركات شحن لنقل النفط، بينما أُرسل جزء آخر إلى شركات وهمية لغسل العائدات، ومن بين الأمثلة التي يسوقها التقرير تحويلات مالية من شركات في الهند وهونغ كونغ والإمارات إلى شركات وصفت لاحقاً بأنها واجهات للحرس الثوري الإيراني.
وقد ورد في التقرير: “لعبت الشركات الصورية الدور الأكبر في هذه الشبكة، إذ بلغ حجم معاملاتها نحو خمسة مليارات دولار، أي ما يقارب 56 في المئة من الإجمالي، ومعظم هذه الشركات سجلت في هونغ كونغ وتستخدم حسابات صينية لغير المقيمين لنقل الأموال نحو شركات في الإمارات، وتتميز هذه الكيانات بأنها حديثة التأسيس، محدودة النشاط، وتشترك في عناوين ومساهمين مع شركات أخرى خاضعة للعقوبات، وقد تلقت بعض هذه الشركات مئات الملايين من الدولارات من شركات نفطية مرتبطة بإيران، وأرسلت مبالغ مماثلة إلى شركات توريد تكنولوجي في عمان وقطر، ما يشير إلى دورها المحوري في التعتيم على مسارات الأموال”.
أسطول الظل النفطي
وفي جانب شركات الشحن، يسلط التقرير الضوء على ما يصفه بالأسطول الظلي المكون من مئات السفن التي تستخدمها إيران لنقل نفطها إلى آسيا مع إخفاء مصدر الشحنات، وقد حددت FinCEN معاملات بنحو 707 ملايين دولار مرتبطة بهذا القطاع، نفذتها شركات في العراق والإمارات وهونغ كونغ. وتبين أن جزءاً من هذه الأموال استخدم في دفع رسوم الموانئ والوقود، بينما خُصص جزء آخر لشراء السفن عبر مكاتب قانونية دولية، ويضيف التقرير أن وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد فرضت عقوبات على شركة الشحن الإماراتية بسبب دورها في نقل النفط الإيراني إلى الصين عبر ناقلات مسجلة في بنما وكوراساو.
كما تناول التقرير دور شركات الاستثمار الأجنبية التي أتاحت لإيران الوصول إلى الأسواق الاستثمارية الدولية، بما في ذلك أسواق العقود الآجلة للسلع، حيث بلغت قيمة معاملات هذا القطاع نحو 665 مليون دولار، معظمها بين شركات في الإمارات والمملكة المتحدة، وتورد FinCEN في تقريرها أمثلة على تحويلات بعشرات الملايين من الدولارات بين شركات بريطانية وإماراتية، بعضها سجل لاحقاً كشركات واجهة للنظام الإيراني.
كيف تستورد إيران التكنولوجيا؟
وفيما يتعلق بشركات توريد التكنولوجيا، يبين التقرير أن إيران استغلت شركات في عمان وهونغ كونغ والصين لشراء معدات حساسة تدخل في تصنيع الأسلحة والطائرات المسيرة، وقد تم تتبع معاملات بقيمة 413 مليون دولار عبر حسابات أمريكية مراسلة، وتشير FinCEN إلى أن 87% من هذه الأموال جاءت من شركات صورية في هونغ كونغ، وأنها ذهبت إلى شركات متخصصة في الإلكترونيات والتقنيات الدقيقة، وفي هذا السياق، تورد الشبكة مثالاً على شبكة تم إدراجها على لوائح العقوبات في فبراير/شباط 2024، شملت شركات FY International Trading وDuling Technology HK، التي وفرت محركات ومكونات لطائرات شاهد-136 الإيرانية التي استخدمتها روسيا في حربها بأوكرانيا.
أين يتحرك أسطول الظل الإيراني؟
أوضح التقرير أن الأنشطة المصرفية الخفية الإيرانية تتمركز في ثلاث عواصم مالية رئيسية هي: دبي، هونغ كونغ، وسنغافورة، إذ تم ربط أكثر من 96 في المئة من إجمالي المعاملات بهذه المناطق، ويوضح أن الإمارات، وتحديداً إمارة دبي، استحوذت وحدها على 71% من إجمالي الأموال، أي نحو 6.4 مليار دولار، معظمها عبر شركات مسجلة في المناطق الحرة أو كشركات ذات مسؤولية محدودة، وتعتبر منطقة مركز دبي للسلع المتعددة أبرز محطة مرت عبرها التحويلات، حيث تجاوزت قيمتها 2.6 مليار دولار، فالبيئة التنظيمية المرنة في المناطق الحرة الإماراتية، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية وسهولة التأسيس، مكنت إيران من استغلال هذه المنظومة لنقل الأموال بسرية كبيرة.
وفي المرتبة الثانية، تأتي هونغ كونغ التي لعبت دور المرسل الرئيسي للأموال، حيث بلغت قيمة تحويلاتها نحو 4.8 مليار دولار، فتظهر FinCEN أن معظم هذه الأموال مرت عبر حسابات مصرفية في الصين، وأن 81% من الشركات العاملة هناك كانت شركات صورية، أما سنغافورة، فاحتلت المركز الثالث في الشبكة، إذ سجلت معاملات بقيمة 2.2 مليار دولار، تركزت بشكل كبير في تجارة النفط، ويشير التقرير إلى أن موقع سنغافورة كمركز مالي عالمي وكميناء رئيسي لشحن النفط منحها دوراً محورياً في هذا النظام الموازي.
هذا فيما لم تكن أوروبا بعيدة عن هذه الشبكة، إذ يسجل التقرير نشاطاً ملحوظاً في المملكة المتحدة وسويسرا بقيمة إجمالية تبلغ نحو 655 مليون دولار. وتوضح FinCEN أن الشركات الإيرانية استخدمت الحسابات المصرفية في لندن وزيوريخ لإجراء تعاملات استثمارية وتجارية، بعضها عبر فروع لبنوك أمريكية عاملة في أوروبا. وقد وثقت أمثلة لصفقات نفطية وسفن شحن تم تمويلها من خلال تلك الحسابات.
أمريكا جزء من سياسة الظل الإيراني
أما فيما يخص النظام المالي الأمريكي نفسه، فيكشف أن جميع الأموال والتي تقدر بتسع مليارات تقريباً، قد مرت في مرحلة ما عبر حسابات بنوك أمريكية مراسلة، وحددت FinCEN حالتين على الأقل لشركات أجنبية نقلت 534 مليون دولار من حسابات أمريكية إلى كيانات مرتبطة بإيران، إضافة إلى مئات الملايين من الدولارات التي نفذت عبر فروع أو شركات تابعة لبنوك أمريكية في الخارج، الأمر الذي اعتبره تقرير الخزانة دليلاً على تعقيد الشبكة وقدرتها على التسلل إلى قلب النظام المالي العالمي.
وفي ختام التقرير، دعت FinCEN المؤسسات المالية الأمريكية والدولية إلى تعزيز المراقبة والتحليل الداخلي لرصد الأنماط المالية المشبوهة التي قد تشير إلى نشاط إيراني، وإلى تشديد التدقيق على الشركات العاملة في الإمارات وهونغ كونغ وسنغافورة، خاصة تلك التي تتشارك خصائص الشركات الصورية مثل التأسيس الحديث وغياب النشاط الفعلي. كما شددت على ضرورة تفعيل التعاون الدولي بين الأجهزة المالية والاستخباراتية لتبادل المعلومات حول الكيانات المرتبطة بإيران، وتطبيق العقوبات بحزم على الشركات التي تُستخدم كواجهات للتهرب المالي أو نقل التكنولوجيا.
اقتصاد الظل الإيراني.. أسطول نمته العقوبات
منذ انتصار الثورة في إيران عام 1979، اتخذت العلاقات بين طهران وواشنطن منحى تصادمياً حاداً، جعل من العقوبات الاقتصادية أداة رئيسية في السياسة الأمريكية تجاه الجمهورية الوليدة، وجعلت طهران تفكر لإنشاء اقتصاد موازٍ يسمح لها ببعض حرية الحركة في النظام المالي العالمي.
كانت البداية الفعلية لهذه العقوبات في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، حين أصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمراً تنفيذياً بتجميد جميع الأصول الإيرانية داخل الولايات المتحدة، كرد فعل على أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، وبذلك، ولدت أول منظومة عقوبات اقتصادية ضد إيران، شكلت لاحقاً نموذجاً تتوسع من خلاله وزارة الخزانة الأمريكية في إدارة الحصار المالي على طهران.
خلال الثمانينيات، تصاعدت العقوبات تدريجياً لتشمل قطاعات أوسع من الاقتصاد الإيراني، ففي عام 1987، أصدر الرئيس رونالد ريغان أمراً تنفيذياً جديداً حظر بموجبه استيراد السلع الإيرانية، مبرراً ذلك بما سماه الدور الإيراني في دعم الإرهاب الدولي وزعزعة استقرار الخليج، ثم جاء عقد التسعينيات ليشهد بداية مرحلة جديدة من العقوبات الهيكلية، إذ وقع الرئيس بيل كلينتون عام 1995 أمرين تنفيذيين متتاليين، حظراً على الشركات الأمريكية الاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني، ومنعا أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع الحكومة الإيرانية، بذلك تحولت العقوبات من أدوات رمزية إلى سياسة اقتصادية ممنهجة، تهدف إلى عزل إيران ماليًا وتجاريًا عن النظام العالمي.
ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأت العقوبات تتخذ طابعاً متعدد المستويات، إذ لم تقتصر على الحكومة والقطاع النفطي فحسب، بل شملت المصارف والشركات الخاصة وحتى الأفراد المرتبطين بالحرس الثوري، وبعد عام 2006، ومع تصاعد الملف النووي الإيراني، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية بالتنسيق مع مجلس الأمن الدولي حزماً جديدة استهدفت البنك المركزي الإيراني وشركات النفط والبتروكيماويات وقطاع الطيران، هذه العقوبات حدّت من قدرة طهران على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وأدت إلى تجميد عشرات المليارات من أموالها في الخارج، ما تسبب بانكماش اقتصادي حاد وتراجع في قيمة العملة الوطنية.
على أن المرحلة ما بعد عام 2010 كانت الأكثر قسوة من حيث التأثير الاقتصادي، فقد فرضت إدارة باراك أوباما سلسلة عقوبات غير مسبوقة، شملت حظر التعامل مع البنوك الإيرانية في نظام التحويل المالي، وهو ما عمق عزلة إيران المصرفية، لكن توقيع الاتفاق النووي عام 2015 منح طهران متنفساً مؤقتا، حيث رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جزءًا من العقوبات مقابل قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني.
إلا أن هذه الانفراجة لم تدم طويلاً، إذ انسحبت إدارة دونالد ترامب من الاتفاق في مايو/أيار 2018، وأعادت فرض جميع العقوبات التي رفعت بموجب الاتفاق، مضيفة إليها حزماً جديدة تحت شعار الضغط الأقصى، استهدفت هذه الحملة قطاعات النفط والشحن والبتروكيماويات والتأمين والمصارف، كما شملت قوائم طويلة من الشخصيات والكيانات الإيرانية والدولية التي تتعامل مع طهران، حتى وصلت إلى حد إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية الأجنبية.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت وزارة الخزانة الأمريكية نهجها العقابي ذاته، وإن بصيغ مختلفة، فقد تبنت إدارة جو بايدن مقاربة أكثر مرونة في الخطاب لكنها لم ترفع العقوبات عملياً، بل استخدمت تجميد الأصول كوسيلة ضغط في المفاوضات النووية، وبينما شهدت بعض فترات التهدئة إطلاق سراح محدود للأموال الإيرانية المجمدة لأغراض إنسانية، بقيت البنية العامة للعقوبات قائمة، محكمة الإغلاق على قطاعات المال والطاقة والتجارة الخارجية الإيرانية، حتى آتى ترامب مرة أخرى للبيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، وأعلن إعادة الضغط الأقصى على إيران، لتقوم الخزانة الأمريكية بفرض المزيد من العقوبات.

