التظاهرات ضد الاتفاق الأمريكي الإيراني… هجوم على عراقجي وقاليباف أم تحد لخيارات النظام؟

تشهد الساحة السياسية الإيرانية تصعيدا غير مسبوق في الجدل حول التفاهم المرتقب بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب وإعادة فتح مسار التهدئة. فمع اقتراب الإعلان عن الاتفاق، خرجت مجموعات محسوبة على التيار الأصولي المتشدد وجبهة الصمود إلى الشوارع في طهران ومشهد ومدن أخرى، رافعة شعارات حادة ضد وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في تطور يعكس حجم الانقسام داخل المعسكر الأصولي نفسه بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

ورغم أن الاتفاق لم يعلن رسميا بصورة نهائية، فإن الجدل الدائر حوله تجاوز النقاش الفني والسياسي إلى سجال حاد حول شرعية المفاوضات وحدود الاعتراض عليها، بل وصل إلى حد اتهام بعض الأطراف للمفاوضين بالخيانة والاستسلام، مقابل اتهامات مضادة للمعارضين بأنهم يحاولون تقويض مؤسسات الدولة وقراراتها العليا.

التظاهرات الليلية… بين معارضة الاتفاق والهجوم على عراقجي وقاليباف

شهد ميدان ابن سينا في العاصمة طهران، السبت 13 يونيو/ حزيران 2026، تجمعا لمعارضين للاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة، رفعوا خلاله شعارات مباشرة ضد وزير الخارجية، عباس عراقجي، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، وكان من أبرز الشعارات التي ترددت في التجمع “عراقجي اخجل من نفسك واترك البلاد”، “قاليباف، عراقجي، ماذا عن دم قائدنا؟”، و”استقيلا استقيلا”.

Image

هذا وقد تزامنت هذه التحركات مع تجمعات مماثلة في مدينة مشهد، حيث رفع المحتجون لافتات تنتقد المفاوضات بشدة، وهاجموا عراقجي بعبارات قاسية، معتبرين أن الاتفاق المطروح يمثل تنازلا استراتيجيا يضعف أوراق القوة الإيرانية، وعلى رأسها السيطرة على مضيق هرمز والقدرات النووية الإيرانية.

Image
Image

وينظر إلى هذه التجمعات على أنها تعبير مباشر عن موقف جبهة الصمود والتيار الأصولي الأكثر تشددا، الذي يرى أن أي تفاهم مع الولايات المتحدة يمثل تراجعا عن مبادئ الثورة الإسلامية وخروجا عن نهج المواجهة الذي تتبناه هذه القوى منذ سنوات.

وكان ميثم نيلي، مدير موقع رجا نيوز الأصولي والمقرب من جبهة الصمود، من أبرز الأصوات التي هاجمت الاتفاق، فقد وصف المفاوضات بأنها خط استسلام وانقلاب، داعيا الإيرانيين إلى عدم الصمت أمام ما اعتبره محاولة لإنجاز اتفاق يضر بمصالح البلاد، كما كتب في منشور آخر أن التفاوض مع الولايات المتحدة في الظروف الحالية يمثل “انعداما للشرف والغيرة” على حد تعبيره، مضيفا عبارة أثارت جدلا واسعا هي “أيا يكن صاحب القرار”، والتي تحولت إلى محور سجال سياسي واسع، فمنتقدي نيلي اعتبروا أنها لا تستهدف الحكومة أو وزارة الخارجية فقط، بل يمكن أن تفهم على أنها اعتراض على أي جهة عليا وافقت على استمرار المفاوضات.

Image

كما برز النائب محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان والمقرب من جبهة الصمود، بوصفه أحد أبرز المعارضين للاتفاق، حيث صرح إنه اطلع على نص التفاهم، واعتبر أن بنوده تتضمن تنازلات خطيرة، من بينها إعادة فتح مضيق هرمز دون ضمانات واضحة بشأن رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى قضايا تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.

Image

أما أبرز الهجمات الإعلامية فقد جاءت من حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان والممثل المعين للمرشد في المؤسسة، الذي شن حملة واسعة ضد الاتفاق وعراقجي وقاليباف، معتبرا أن التفاهم المطروح يتضمن تنازلات تمس أهم أوراق القوة الإيرانية. وركز شريعتمداري بصورة خاصة على قضية مضيق هرمز، مؤكدا أن إغلاقه أو التهديد بإغلاقه كان أحد أبرز أدوات الضغط التي استخدمتها إيران خلال الحرب، وأن هذا المضيق يمثل الورقة الاستراتيجية القادرة على خنق المصالح الاقتصادية والتجارية للخصوم. وتساءل بلهجة حادة عن المبرر الذي يدفع المسؤولين إلى التخلي عن هذه الورقة مقابل ما وصفه بمجرد رسوم خدمات تفرض على السفن العابرة، معتبرا أن ذلك لا يتناسب مع حجم التضحيات والخسائر التي تكبدتها إيران خلال المواجهة.

Image

ولم يقتصر هجوم شريعتمداري على ملف المضيق، بل امتد إلى مجمل فلسفة الاتفاق وآلية التعاطي مع الولايات المتحدة. فقد أبدى تشكيكا عميقا في أي ضمانات أمريكية محتملة، مستحضرا تجربة الاتفاق النووي السابق وانسحاب واشنطن منه رغم وجود قرار من مجلس الأمن يؤيده. كما تساءل عن الكيفية التي تعتزم بها الحكومة الإيرانية الحصول على تعويضات من الولايات المتحدة وحلفائها، مشيرا إلى أن القيادة الإيرانية أكدت في مناسبات سابقة ضرورة تحصيل تعويضات عن الخسائر البشرية والمادية التي تعرضت لها البلاد.

ووفقا لرؤيته، فإن فتح مضيق هرمز بالشكل المطروح لا يعني فقط التخلي عن ورقة ضغط استراتيجية، بل يحرم إيران أيضا من أهم وسيلة يمكن استخدامها لإجبار الولايات المتحدة على دفع التعويضات أو الالتزام بأي تعهدات مستقبلية. كما تساءل عما إذا كان الاتفاق يتضمن حظرا على مرور السفن الأمريكية أو الإسرائيلية أو سفن الدول التي شاركت في الحرب ضد إيران، معتبرا أن غياب مثل هذه البنود يثير تساؤلات جدية حول المكاسب الفعلية التي ستحققها طهران من الاتفاق المرتقب.

الرد على الأصوليين والاتهامات الموجهة إليهم

في مقابل هذه الحملة، ظهرت موجة واسعة من الردود السياسية والإعلامية التي اتهمت التيار الأصولي المتشدد بمحاولة عرقلة أي فرصة لإنهاء الحرب أو تخفيف التوتر مع الولايات المتحدة، وكان الكاتب الإصلاحي أحمد زيد آبادي من أبرز المنتقدين لهذه التحركات، ففي أكثر من مقال ومنشور، وصف المعارضين للاتفاق بأنهم أسرى الكراهية، معتبرا أن الحقد الأيديولوجي يمنعهم من رؤية الواقع السياسي والاستراتيجي كما هو. وقال إن الاتفاق المتوازن يمكن أن ينقذ إيران والمنطقة من الانزلاق إلى أوضاع كارثية، وإن بعض الأطراف مستعدة لإفشال أي تسوية مهما كانت فوائدها.

Image

وفي مقال آخر، اتهم زيد آبادي المتشددين بأنهم بلغوا مرحلة خطيرة من التصعيد، وأنهم مستعدون لدفع البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار من أجل إسقاط الاتفاق، مضيفا أن هؤلاء لا يريدون خدمة النظام، بل يريدون أن يكون النظام في خدمتهم، حتى لو كان الثمن الإضرار بمصالح الدولة نفسها.

Image

أما صحيفة اطلاعات، فقد نشرت مقالا للكاتب مسعود رضوي هاجم فيه بشكل مباشر معارضي الاتفاق. وأكد رضوي أن أي اتفاق أو تفاهم لا يمكن أن يوقع من دون موافقة رئيس الجمهورية والمجلس الأعلى للأمن القومي، ولا يصبح نافذا إلا بعد مصادقة القيادة العليا. كما تساءل رضوي كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يتصرفوا وكأنهم أوصياء على الدولة، أو أن يشككوا في شرعية المفاوضات بينما يعلمون أن جميع المؤسسات الرسمية تشرف عليها. كما انتقد الشعارات التي رفعت ضد عراقجي وقاليباف، معتبرا أنها تضر بالوحدة الوطنية في مرحلة حساسة.

Image

موقع عصر إيران ذهب أبعد من ذلك، إذ اتهم جبهة الصمود بمحاولة احتكار الحديث باسم القيادة الإيرانية، طارحا سؤالا مباشرا مفاده أنه إذا كانت المفاوضات تجري تحت إشراف المؤسسات العليا للدولة، فكيف يدعي هؤلاء أن الاتفاق يخالف إرادة القيادة؟، كما دع الموقع إلى منح مؤيدي الاتفاق الحق نفسه في التظاهر إذا كان معارضو الاتفاق يحصلون على حرية النزول إلى الشارع، معتبرا أن العدالة تقتضي السماح للطرفين بالتعبير أو منع الطرفين معا.

Image

وفي السياق ذاته، انتقدت صحيفة جوان المقربة من الحرس الثوري بعض خطباء التجمعات الاحتجاجية، معتبرة أنهم يزرعون الانقسام داخل المجتمع ويتجاهلون الدعوات الرسمية للحفاظ على الوحدة الوطنية، أما وزير الثقافة عباس صالحي فقد استشهد برسالة منسوبة إلى المرشد الإيراني تدعو إلى تجنب الخلافات السياسية والانقسامات الاجتماعية، متسائلا عما إذا كانت بعض المواقف الحالية تنسجم مع هذه التوجيهات. كما نشر عراقجي نفسه مقطعا مصورا لتجمعات مؤيدة للاتفاق، مؤكدا أن هناك دعما شعبيا للمسار الذي يجمع بين جبهة ساحة القتال والدبلوماسية، في إشارة إلى أن التفاوض لا يتناقض مع المقاومة بل يمكن أن يكون جزءا منها.

Image

هل يعارض الأصوليون الاتفاق أم يعارضون المرشد نفسه؟

يعد هذا السؤال الأكثر حساسية في الجدل الدائر حاليا داخل إيران، فمنتقدو جبهة الصمود يرون أن المشكلة لم تعد مرتبطة بمضمون الاتفاق نفسه، بل بطبيعة الخطاب المستخدم ضده.

فبحسب التقارير والتحليلات المنشورة في وسائل إعلام مختلفة، فإن المفاوضات لا تدار خارج مؤسسات الدولة، بل تتم بإشراف المجلس الأعلى للأمن القومي وموافقة أعلى مستويات النظام، ولذلك يرى المنتقدون أن وصف الاتفاق بأنه استسلام أو خيانة أو انقلاب لا يمكن فصله عن التشكيك في الجهة التي سمحت باستمرار هذه المفاوضات.

وقد ركز تقرير مطول نشره موقع خبر فوري، الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026، على عبارة ميثم نيلي “أيا يكن صاحب القرار”، معتبرا أنها تكشف عن انتقال الاعتراض من مستوى نقد الحكومة إلى مستوى أعمق يتعلق برفض القرار السياسي نفسه، حتى لو صدر عن مؤسسات النظام العليا.

Image

ويرى أصحاب هذا الرأي أن جبهة الصمود تمارس ما يسمونه الولاء المشروط، أي أنها تؤيد قرارات النظام ما دامت منسجمة مع رؤيتها الأيديولوجية، لكنها تتحول إلى معارضة حادة عندما تتخذ الدولة مسارا لا يتوافق مع تصوراتها.

ويستند هؤلاء أيضا إلى المنشور المنسوب للمرشد الإيراني الذي شدد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنب الخلافات السياسية والانقسامات الاجتماعية. ويعتبرون أن استمرار الهجوم على المفاوضين رغم هذه الرسائل يمثل تجاوزا ضمنيا للتوجه الرسمي للدولة.

في المقابل، يرفض الأصوليون هذا الاتهام، ويؤكدون أنهم لا يعارضون القيادة، بل يدافعون عن الخطوط الحمراء التي يعتقدون أنها يجب أن تحكم أي اتفاق مع الولايات المتحدة. ومن وجهة نظرهم فإن انتقاد المفاوضين لا يعني بالضرورة الاعتراض على القيادة، بل يمثل محاولة لمنع تقديم تنازلات تمس المصالح الوطنية.

ومع ذلك، فإن حدة الخطاب المستخدم ضد عراقجي وقاليباف، ووصف الاتفاق بالخيانة والاستسلام، دفعت عددا متزايدا من الكتاب والمحللين إلى التساؤل عما إذا كان الصراع الحالي قد تجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي ليصبح صراعا داخل المعسكر المحافظ نفسه حول هوية النظام ومساره المستقبلي.

في المحصلة، تكشف الأزمة الحالية عن انقسام غير مسبوق داخل التيار المحافظ الإيراني، فبينما ترى جبهة الصمود والمتشددون أن الاتفاق يمثل خطرا على مكتسبات إيران الاستراتيجية، يرى خصومهم أن رفض أي تسوية سياسية مهما كانت ظروفها يهدد بإطالة أمد الصراع وإضعاف الدولة نفسها، وبين هذين الموقفين، يبقى السؤال الأهم مطروحا داخل إيران، هل يدور الجدل حول تفاصيل الاتفاق فقط، أم حول من يملك حق تحديد المصلحة الوطنية وتفسير إرادة النظام في هذه المرحلة الحساسة؟

كلمات مفتاحية: