- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 295 Views
كتب: الترجمان
تتسارع دقات الساعة في الملف النووي الإيراني، لتعيد رسم ملامح صراع دولي لا يتوقف عند حدود التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، بل يمتد ليشمل أروقة السياسة الدولية وميادين المواجهة العسكرية المفتوحة. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كلاعب يثير الكثير من الجدل بتصريحاته الأخيرة التي اعتبرتها الدوائر السياسية في طهران انحيازا صريحا للميدان الأمريكي.
فبينما تتعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجمات جوية مباشرة، يختار غروسي التركيز على “مصير اليورانيوم” المفقود في الحسابات الغربية بدلا من إدانة استهداف منشآت تخضع قانونيا لرقابة وكالته، مما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات مشروعة حول حيادية المنظمة الدولية ومستقبل الاتفاقيات القادمة في ظل مناخ يغلب عليه التصعيد العسكري والسياسي.
لغز أنفاق أصفهان: ادعاءات تحت وطأة الأقمار الصناعية والغموض الفني
تتمحور أحدث فصول “البروباغندا” النووية حول مجمع أصفهان للتكنولوجيا النووية، حيث يزعم غروسي، بناء على صور الأقمار الصناعية وتحليلات استخباراتية غربية، أن الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية لا يزال مدفونا في أعماق أنفاق هذا المجمع. وتأتي هذه الادعاءات في وقت حساس للغاية، حيث تعرضت منشآت أصفهان ونطنز وفوردو لهجمات مدمرة باستخدام القنابل الخارقة للحصون خلال “حرب الـ 12 يوما” في يونيو/حزيران 2025.
ومن المفارقات الصارخة أن غروسي، الذي يطالب بالدخول الفوري لهذه المواقع، لم يصدر عنه أي موقف حازم يدين تلك الهجمات التي هددت سلامة المواد النووية والأمن الإقليمي، بل اكتفى بالإشارة إلى أن الوكالة تراقب “آثار الضربات” وتجمع المعلومات، وكأن المنظمة الدولية تحولت من جهة رقابية فنية إلى مراقب تقني لنتائج العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يغذي الرواية الإيرانية حول تسييس عمل الوكالة.
وتشير التقارير التقنية المتداولة إلى أن إيران تمتلك حاليا كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب، تتجاوز في مجموعها 440.9 كيلوجرام بنسبة تخصيب تصل إلى 60%، وهي العتبة التي تثير قلق الغرب بشكل دائم لقربها من المستويات العسكرية. ويدعي غروسي أن حوالي 200 كيلوجرام من هذه المواد مخزنة تحديداً في أنفاق أصفهان التي رصدت الأقمار الصناعية شاحنات “إيرباص” تدخلها حاملة 18 حاوية زرقاء قبيل اندلاع المواجهات الأخيرة.
ومع تعليق إيران لجزء من تعاونها مع الوكالة ردا على الهجمات وتعليق “اتفاق قاهرة”، يجد غروسي نفسه في مواجهة “تعتيم فني” يحاول تجاوزه عبر إطلاق تخمينات إعلامية تهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على صانع القرار في طهران لإعادة فتح المنشآت المستثناة من التفتيش، وهي المواقع التي تعتبرها إيران اليوم مناطق أمنية وعسكرية بامتياز نتيجة الاستهداف المتكرر الذي نزع عنها صفة المنشآت المدنية البحتة.

الميدان الأمريكي وإعادة تدوير الضغوط في سياق الطموح الشخصي
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل تحركات رافائيل غروسي عن الطموحات السياسية الشخصية له، حيث يُعرف في الأوساط الدبلوماسية بأنه أحد المرشحين الطامحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما يفسر في نظر الكثيرين ميله نحو إرضاء القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لضمان دعمها في المستقبل.
ففي تصريحاته الأخيرة من نيويورك، ركز غروسي على ضرورة “إخراج المواد النووية من إيران” أو “تخفيفها”، وهو المطلب الذي يتقاطع تماما مع الأجندة التي يروج لها دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو.
هذا التناغم بين الخطاب الفني للوكالة والخطاب السياسي لواشنطن يعزز القناعة الإيرانية بأن الوكالة لم تعد تعمل كطرف محايد يحرس معاهدة منع الانتشار، بل كأداة ضغط في استراتيجية “الضغوط القصوى” التي تهدف إلى تجريد إيران من أوراق قوتها التفاوضية قبل الجلوس على طاولة الحوار.
علاوة على ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب تستخدم تصريحات غروسي كغطاء لتمرير رسائل جيوسياسية أوسع تشمل أطرافا دولية أخرى مثل روسيا. فقد كشف ترامب بوضوح عن مقترحات تقدم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمساعدة في إدارة ملف اليورانيوم الإيراني ونقله إلى الخارج، لكن الرد الأمريكي جاء حازما بربط الملفات ببعضها البعض، ومطالبة موسكو بالتركيز على إنهاء حرب أوكرانيا كشرط مسبق لأي تعاون في الملف النووي.
هذا التشابك المتعمد يضع البرنامج النووي الإيراني في قلب “سوق” سياسي دولي ومقايضات كبرى، حيث يحاول غروسي تسويق فكرة نقل اليورانيوم إلى الخارج كحل فني وحيد، بينما تدرك طهران أن هذه العملية معقدة وتتطلب ضمانات أمنية وسياسية شاملة لا توفرها واشنطن حاليا، مما يجعل دعوات غروسي تبدو كدعوة للاستسلام التقني وليس للحل الدبلوماسي العادل.

تآكل الثقة ومعضلة “الخطوة الأولى” في زقاق التفاوض المسدود
تكمن العقدة الحقيقية التي تمنع أي اختراق في هذا الملف في التباين الحاد والعميق بين طهران وواشنطن حول “تتابع الخطوات” وأولويات التنفيذ. فبينما يحاول غروسي رسم صورة تفاؤلية بوجود “إرادة سياسية” لدى الطرفين للوصول إلى اتفاق، إلا أنه يعترف في الوقت ذاته بوجود حالة من “الإحباط واليأس” ناتجة عن الخلاف التقليدي حول من يبدأ بالخطوة الأولى.
إيران، التي تعرضت لما تصفه بـ “الخيانة الدبلوماسية” الكبرى بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018 ثم تعرضت لهجمات عسكرية واغتيالات لعلمائها خلال جولات التفاوض، تصر اليوم على أن رفع الحصار البحري غير القانوني ووقف العدوان العسكري يجب أن يسبق أي نقاش حول تقليص البرنامج النووي أو منح وصول إضافي للمفتشين.
في المقابل، يتبنى الجانب الأمريكي خطابا يتسم بالريبة الشديدة، حيث صرح ماركو روبيو بوضوح أن الإيرانيين “مفاوضون مهرة” يسعون فقط لكسب الوقت لتعزيز قدراتهم تحت الأرض، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون “نهائيا وقاطعا” لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي في أي مقطع زمني.
هذا الانسداد الدبلوماسي أدى إلى بروز مقترحات إيرانية تكتيكية، تضمنت تأجيل النقاش حول التفاصيل التقنية للبرنامج النووي إلى ما بعد التوصل لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار وإنهاء المحاصرة البحرية، مقابل ضمانات إيرانية بعدم إغلاق مضيق هرمز.
لكن هذا الطرح قوبل برفض ضمني من غروسي والولايات المتحدة، اللذين يصران على أن الملف النووي هو “القنبلة الموقوتة” التي يجب نزع فتيلها أولا، متجاهلين أن الأمن القومي الإيراني لا يمكن تجزئته بين ما هو نووي وما هو اقتصادي أو عسكري.

تغير قواعد اللعبة: النووي الإيراني بين إرث 2015 وواقع 2026
يشدد غروسي في مقارناته المستمرة على أن برنامج إيران النووي اليوم “مختلف تماما” عما كان عليه عند توقيع اتفاق عام 2015. ففي ذلك الوقت، كان البرنامج محدودا بآلاف قليلة من أجهزة الطرد المركزي البدائية وبكميات محدودة من التخصيب المنخفض.
أما اليوم، فقد حققت إيران “قفزة نوعية ومذهلة” في تكنولوجيا التخصيب، حيث تستخدم أجيالا متطورة من أجهزة الطرد المركزي IR-6 و IR-9 التي تعمل بكفاءة مضاعفة، بالإضافة إلى مراكمتها لخبرات تقنية لا يمكن محوها بأي اتفاق سياسي.
هذا الواقع التقني الجديد يجعل من مطالب الوكالة بالعودة إلى نظام الرقابة القديم أمراً غير واقعي من وجهة نظر طهران، التي ترى أن تضحياتها التقنية يجب أن تُقابل بتنازلات سياسية واقتصادية موازية من الطرف الآخر.
إن إصرار غروسي على “الارادة السياسية” من جانب طهران فقط يتجاهل حقيقة أن واشنطن هي من عطلت مسار الدبلوماسية عبر استئناف الهجمات والانسحاب من التعهدات. وتعتبر الدوائر المقربة من مراكز القرار في إيران أن غروسي يتناسى عمداً أن البرنامج النووي الإيراني، رغم تقدمه، يظل تحت سقف الفتاوى الدينية والعقيدة الدفاعية التي تحرم أسلحة الدمار الشامل.
إلا أن استمرار التهديدات العسكرية بضرب المنشآت “المحمية بموجب معاهدة الضمانات” يدفع طهران بالضرورة نحو مزيد من التحصين والدفاع، مما يخلق حلقة مفرغة من التصعيد الذي يغذيه خطاب غروسي المنحاز، والذي يصور الحق الإيراني في التكنولوجيا النووية السلمية كأنه تهديد وجودي للأمن العالمي، بينما يصمت عن الترسانات النووية غير المراقبة في المنطقة.

الدبلوماسية المختطفة وسيناريوهات المواجهة الحتمية
في نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام رافائيل غروسي والوكالة الدولية للطاقة الذرية هو استعادة دور “الوسيط النزيه” الذي ضاع في زحمة الولاءات للقوى الكبرى. إن الدعوة المستمرة لإيران بـ “ضرورة الاقتناع بأهمية التفاوض” تبدو جوفاء ما لم يقابلها ضغط دولي حقيقي لوقف العمليات العسكرية التخريبية التي تستهدف السيادة الإيرانية.
استمرار غروسي في ممارسة دور “المتحدث باسم المصالح الأمريكية” قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار كامل لما تبقى من جسور الثقة الهشة، مما يدفع المنطقة نحو سيناريوهات كارثية.
إن اليورانيوم الإيراني المخبأ في أنفاق أصفهان ليس مجرد مادة كيميائية مخصبة، بل هو رمز لسيادة دولة ترفض الإملاءات الخارجية تحت التهديد. وإذا لم تدرك الوكالة الدولية أن الحل يكمن في “الاحترام المتبادل” والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بدلاً من ممارسة الابتزاز التقني، فإن العالم قد يصحو قريباً على واقع جديد تصبح فيه الدبلوماسية مجرد ذكرى بعيدة، ويتحول فيه الملف النووي من طاولة المفاوضات إلى ساحات المواجهة الشاملة التي لن يسلم منها أحد، بما في ذلك هيبة المنظمات الدولية التي اختارت الانحياز بدلاً من النزاهة.

