- زاد إيران - المحرر
- 548 Views
لطالما حملت الحياة الفنية قصصا إنسانية عميقة، تتقاطع فيها الشهرة مع التحديات، وتترك بصمات لا تمحى في وجدان الشعوب، وعندما يرحل أحد أصحاب الأصوات المميزة، يتحول حضوره الفني إلى ذاكرة جماعية يتوارثها الجمهور جيلا بعد جيل، وفي إيران، وقد أصبح الفنان عملة نادرة بسبب ما يواجه من صعوبات في التعبير عن فنه، صارت وفاة أحد الأصوات المعروفة ناقوس خطر في مسامع الأوساط الفنية والناس على حد سواء، فبين الحزن على فراقه والاشتياق لفنه، وخسارة جندي آخر في المعركة وعملة ربما لن تسمح لها الأوضاع بأن تتكرر.
فقد توفي المطرب الإيراني أميد جهان، أحد أبرز وجوه موسيقى البوب والموسيقى البندرية، يوم السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025 عن عمر ناهز 44 عاما في مستشفى مدينة بم بمحافظة كرمان.
وكان اميد جهان قد وصل إلى بم للمشاركة في مهرجان التمور حيث كان من المقرر أن يحيي حفلا غنائيا ضمن فعالياته، غير أنه تعرض بشكل مفاجئ إلى أزمة قلبية استدعت نقله إلى قسم العناية المركزة، ورغم الجهود المكثفة التي بذلها الطاقم الطبي، ونجاحهم مرتين في إنعاشه، فإن حالته الصحية تدهورت سريعا، ليموت في النهاية متأثرا بالعارض القلبي.
جدير بالذكر أن والد أميد جهان كان قد مات في ظروف مشابهة، ففي العام 2017، توفي محمود جهان، والده، الذي كان موجودا في مدينة بندر ماهشهر لإحياء حفل غنائي، في مستشفى الصناعات البتروكيماوية بالمدينة إثر إصابته بعارض قلبي.
هذا وقد شكل رحيل اميد جهان صدمة لمحبيه وجمهوره، إذ كان يحظى بشعبية واسعة خاصة في مجال الموسيقى البندرية، والتي تعد جزءا من التراث الموسيقي الجنوبي في إيران.
وعن مراسم الدفن، قال جواد هاشمي، فنان السينما والتلفزيون، في مقطع فيديو على حسابه، معلنا تفاصيل مراسم تشييع جثمانه: “ببالغ الحزن والأسى، رحل اميد جهان، هنا، في بم، مدينة وداع اميد، أتقدم بالتعازي إلى جميع أصدقائه، وإلى كل الفنانين الذين عرفوه عن قرب أو من بعيد، والذين يحملون ذكريات معه. ستكون الجنازة يوم الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول، في مقبرة الفنانين بحديقة الزهراء الساعة العاشرة والنصف صباحا، ننتظركم”.
يذكر أن المنشور الأخير الذي نشره اميد جهان على حسابه عبر إنستغرام كان صورة تجمعه بصديقه المغني الراحل، مرتضى باشايي، وكتب تحتها: “مرحبا، لقد أرسلوا لي هذه الصورة، اشتد بي الحنين إلى مرتضى، رحمه الله. معي في هذه الصورة مهدي كرد ومهدي أحمد وند وعلي عبد الملكي ومهرزاد أمير خاني ومعين طبيعي. أحبكم”.
ردود الفعل على وفاته
منذ اللحظة الأولى لإعلان خبر وفاته، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي حزنا على فقدان هذا الفنان، وكان في بداية من قدم العزاء بابك رضايي، المدير العام لمكتب الموسيقى في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الذي كتب: “إن خبر الرحيل المحزن للفنان العزيز السيد أميد جهان سبب ألما عميقا للفنانين وعشاق الموسيقى في إيران، أسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد برحمته الواسعة ويمنح ذويه الصبر والسلوان”.
كذلك، تفاعل الممثل بوريا بورسرخ مع خبر وفاة اميد جهان، حيث نشر صورة له على صفحته بـ”إنستغرام”، وكتب: “سأحتفظ بصورتك دائما في ذاكرتي بابتسامتك الدائمة وقلبك الطيب، ماذا فعلت بروحنا ونفوسنا أيها الفتى الجميل، أنت الذي لم تؤذ أحدا قط… أي نوع من الرحيل كان هذا؟”.
كذلك، قدم مهاجم الإيراني لكرة القدم، مهدي طارمي، تعازيه في وفاته، عبر نشر قصة على صفحته الشخصية على إنستغرام، كتب فيها: “الأسبوع الماضي التقينا في معسكر كافا بطاجيكستان، واسترجعنا ذكريات الماضي، إنسان نبيل وطيب، لا أملك سوى أن أقول رحمه الله”.
كذلك، نشرت بهنوش بختیاري، الممثلة في السينما والتلفزيون، عبر حسابها في إنستغرام: ” أميد جهان… لن ينساك الناس أبدا، آه، كم هو قريب الموت ونحن كم نحن مغرورون، تعازي لكل الشعب الإيراني، ولأهالي الجنوب وللمظلومين”.
نعيمة نظام دوست، الفنانة الإيرانية، كتبت في منشور على حسابها في إنستغرام: “أميد العزيز، الطيب وصاحب القلب النقي، رحيلك كان مبكرا جدا يا أخي. سنشتاق إليك، بأغانيك أسعدت قلوبنا دائما وصنعت لنا كثيرا من الذكريات الجميلة، كنت تزرع الابتسامة على شفاهنا دائما، لكن اليوم لم يكن من المفترض أن تُذرف دموعنا بهذا الشكل فداك روحي”.
وتتابع: “كم من مرة لن نكون وسيبقى العالم، لا اسم لنا ولا أثر سيُذكر، قبل أن نوجد لم يكن في الكون خلل، وبعد رحيلنا سيبقى كما هو الحال”.
أما الفنان شهرام شكوهي، فكتب في منشور عبر إنستغرام: “لا أصدق… أميد، يا صديقي الطيب وصاحب الخلق الحسن، رحلت بهذه السهولة، يا ابن الجنوب البسيط بلا تكلف… أنا في حداد عليك يا رفيق، اللعنة على هذا الزمن الغادر”.
ولم تقتصر كلمات الرثاء على الوسط الفني فقط، بل قدم معجبيه تعازيهم، حيث كتب أحد المعجبين: “لم يعد هناك أمل في العالم، نحن في هذه الحياة متنا شبابا، مثل أميد جهان”.
وكتب معجب آخر: “تخيل أن اميد جهان كان قد نشر قبل فترة قصيرة وكان لديه حفل موسيقي، ولكن في غضون بضع ساعات أصيب بجلطة وتوفي، هذا يعني أن الحياة قد تكون بهذا القدر من السخرية”.
فيما استرجع آخَر، الذكريات بقوله: “أتتذكرون أميد جهان؟ في وقت كانت أغانيه تحيي كل الأفراح، لقد مات اليوم عن عمر 43 عاما”.
اميد جهان.. سيرة ذاتية
ولد أميد جهان في مدينة أبادان بجنوب إيران في فبراير/شباط من العام 1982، وسط عائلة فنية عرفت بحبها للموسيقى الشعبية، وينحدر من أصول ترجع إلى مدينة بوشهر، حيث كان والده الفنان الراحل محمود جهان، الموظف المتقاعد من شركة النفط، من أبرز الأصوات في الغناء الشعبي الجنوبي، وقدم أكثر من 28 ألبوما رسميا خلال مسيرته، والذي تركت وفاته أثرا عميقا في حياة أميد الفنية، إذ كان يعتبره الملهم الأول في مسيرته.
تعلم أميد الغناء منذ طفولته على يد والده، ونما شغفه بالموسيقى إلى جانب اهتمامه بكرة القدم حيث لعب في فريق الفنانين، وقد عاشت عائلته فترة في بوشهر ثم في طهران بعد الحرب العراقية الإيرانية، وهناك بدأ يكون شخصيته الفنية المستقلة.
دخل أميد جهان عالم الموسيقى عام 2004 بإصدار ألبوم أول غير رسمي بعنوان الفتى الجنوبي، ثم طرح عام 2006 ألبوم بابتي الذي لفت الأنظار بفضل مزجه بين الموسيقى الشعبية الجنوبية والإيقاعات البوب الحديثة، لكن أغنيته الشهيرة هله دان كانت علامة فارقة في مسيرته وجعلت اسمه حاضرا بقوة في الأفراح والمناسبات.
في بداياته عمل مطربا في حفلات خاصة، ولم يحصل على تصاريح رسمية بسهولة، إلا أن إصراره على شق طريقه دون التعاون مع نجوم آخرين منحه مكانة مستقلة في المشهد الموسيقي.
وبسبب عقبات تتعلق بالتصاريح، غادر إيران لفترة قصيرة إلى أرمينيا ثم إلى طاجيكستان، حيث واصل إنتاج أغانيه وبحث عن أسلوبه الخاص، وفي العام 2015 عاد إلى إيران وأصدر ألبومه المرخّص الأول بعنوان أنتظر، لا تذهب بسرعة قبل أن يحيي أول حفل رسمي له في برج ميلاد بطهران. ومنذ ذلك الحين، قدّم حفلات عديدة في مختلف المدن الإيرانية وطرح أعمالا بارزة مثل ألبوم مئة بالمئة.
تميز أميد جهان باختياره كلمات أغانيه من التراث الشعبي الجنوبي، تمثيلا لمدن مثل بوشهر، بندرعباس، آبادان، شيراز، وكان يحرص على أن تكون جميع أغنياته مرحة واحتفالية، إذ كان يرى أن رسالته الأساسية هي إدخال الفرح إلى قلوب الناس. حتى جملته الافتتاحية الشهيرة “أميد جهان” في بداية الأغاني أصبحت علامة مميزة له، وهي فكرة استلهمها من صديقه المقرب الفنان علي عبد المالكي.
استلهم أميد الكثير من المطرب محسن جاوشي، واعتبره الفنان الذي يحلم بالعمل معه يوما ما، إلى جانب إعجابه بفنانين مثل بهنام باني، محسن إبراهيم زاده، الفنان الراحل مرتضى باشايي، الذي جمعته به صداقة شخصية، وفريدون آسرائي، ظل أميد جهان عازبا طوال حياته، وفضل أن يحافظ على خصوصية حياته بعيدا عن الإعلام، مركزا بشكل أساسي على مسيرته الفنية.

