تفاهم على شرط إنهاء الزناد.. 7 نقاط حول الاتفاق الأخير بين إيران والطاقة الذرية بشأن التفتيش النووي

في مشهد دبلوماسي يشبه لعبة الشطرنج الدولية، حيث تتقاطع السياسة بالأمن النووي، أعلنت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) عن اتفاق تاريخي في القاهرة يوم 9 سبتمبر/أيلول 2025، هذا الاتفاق، الذي وقعه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمدير العام للوكالة رافائيل غروسي، يأتي كإشارة إيجابية نحو استئناف التعاون النووي، بعد أشهر من التوتر الناجم عن اختراقات للأمن القومي وهجمات عسكرية استهدفت منشآت إيرانية. 

في غضون ذلك، فعّلت الدول الأوروبية الثلاث “بريطانيا وفرنسا وألمانيا”، في خطوةٍ عكسية، آلية الزناد “العودة السريعة” (snapback) التابعة للاتفاق النووي، مُحددة مهلة مدتها 30 يوما لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، إلا أن هذه الخطوة أثارت رد فعلٍ حادا من إيران، مما جعل مواصلة المفاوضات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية أمرا حتميا وعاجلا.

لكن هل هو فجر جديد للدبلوماسية، أم مجرد ترقيع مؤقت يخفي تحت سطوره شروطا صارمة ومخاطر محتملة؟ 

خلال العام الماضي، نُشرت عدة مرات تقارير متحيزة وغير موضوعية لمدير عام الوكالة، غروسي، في خضم أوضاع حرجة على حساب البلاد، مما وفر الأرضية اللازمة لمزيد من الضغوط من قبل الأعداء.

خلال الحرب الأخيرة، عززت تقاريرهم الكاذبة والمتحيزة مواقع العدو إضافة إلى ذلك، ثمة أدلة على نقل معلومات غير مصرح بها إلى العدو.

ولهذا السبب قررت البلاد طرد المفتشين بشكل حاسم وقطع التعاون من خلال إقرار “قانون حظر التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، ولكن مع تزايد الضغوط الدولية وتهديدات بإعادة فرض عقوبات، يبدو هذا الاتفاق الجديد الذي تم في القاهرة بوساطة مصرية كخيط رفيع يربط بين الثقة والشك، حيث تحافظ إيران على سيادتها بينما تسعى الوكالة لضمان الشفافية العالمية.

هجمات يونيو/حزيران 2025

Image

بدأت الأزمة تتصاعد في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025، عندما تعرضت منشآت نووية إيرانية لهجمات عسكرية إسرائيلية مكثفة استمرت 12 يوما، واتهمت طهران الولايات المتحدة وإسرائيل بالمسؤولية عنها، ردت إيران بتعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، استنادا إلى قانون برلماني يحمي أمنها الوطني.

كان هذا التعليق منطقيا بالنسبة لإيران، التي انتقدت تقاعس الوكالة وسوء إدارتها للأزمة، مما أدى إلى فقدان الثقة، اليوم، يُعد الاتفاق الجديد إطارا لإعادة بناء هذه الثقة، لكنه يأتي مع تحذيرات من أن أي هجوم مستقبلي قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

أدت الهجمات العسكرية إلى أضرار في منشآت نووية مثل نطنز وفوردو وأصفهان، مما أثار مخاوف دولية بشأن مصير المواد النووية، والتي تقدر بحوالي 60 كيلوغراما من اليورانيوم المثرى أو المخصب  بنسبة 60%، قريبة من مستوى صنع الأسلحة النووية، وهو النظير القابل للانشطار الذي يُستخدم في التفاعلات النووية.

طبيعة الاتفاق الفني

أكد غروسي في بيانه، أن الاتفاق “وثيقة تنفيذية للضمانات”، غير قابلة للنشر العام بسبب طابعها الفني والتشغيلي، هذا يعني أن التفاصيل الكاملة تبقى سرية، مما يثير تساؤلات حول الشفافية، الاتفاق يندرج ضمن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، دون تجاوزها، ويهدف إلى تقديم تقارير عن المنشآت المتضررة والمواد النووية. 

ومع ذلك، شدد عراقجي على أن المفتشين لن يحصلوا على وصول جديد فوري، باستثناء محطة بوشهر للطاقة النووية، حيث يتم استبدال الوقود بشكل روتيني، هذا الاستثناء يعكس توازنا دقيقا بين الالتزامات الدولية والحفاظ على الأمن الإيراني، خاصة بعد الهجمات التي أدت إلى تعليق الوصول منذ 2 يوليو/ تموز 2025.

كما أفادت تقارير من منظمات مثل MEMRI بأن الاتفاق لا يسمح بدخول المفتشين إلى المواقع النووية الرئيسية حاليا، بل يركز على مناقشات مستقبلية للتفتيش، هذا يجعل الاتفاق “مرحليا”، حيث يبدأ بتقارير فنية قبل الانتقال إلى خطوات عملية، مما يمنح إيران السيطرة على الجدول الزمني.

الشروط الأمنية

Image

يبرز الاتفاق حساسية إيران الأمنية، حيث صُمم ليكون مصحوبا بشروط سياسية تحمي المنشآت من أي مخاطر، يقول مراقبون إن الهجمات السابقة، التي شملت ضربات جوية وإلكترونية، أجبرت طهران على تعزيز دفاعاتها، مما جعل أي وصول للمفتشين مشروطا بضمانات أمنية. 

الاتفاق يوفر إطارا للمفاوضات المستقبلية دون المساس بالسيادة، ويؤكد على أن أي تقدم يعتمد على الظروف السياسية، وأعربت دول الترويكا الأوروبية الثلاث (E3: بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) عن إحباطها من عدم الامتثال الإيراني الكامل، محذرة من أن الاتفاق قد لا يكفي لمنع تفعيل آلية “الزناد” (snapback) لإعادة العقوبات الدولية، هذا يضيف طبقة من التعقيد، حيث يمكن أن يؤدي أي تصعيد إلى انهيار الاتفاق.

التنفيذ التدريجي

من خلال تصريحات الطرفين، يتضح أن الاتفاق إطار عملي لعودة التعاون، لكنه تدريجي، سيتم تقديم تقارير عن حالة المنشآت والمواد النووية، مع التركيز على الشفافية دون وصول فوري، يهدف ذلك إلى الحفاظ على التزامات إيران بموجب NPT “في الوقت الحالي”، مع ضمان أمن المنشآت، تفاصيل جديدة تشير إلى أن الوكالة ستتلقى معلومات عن موقع اليورانيوم (المخصب)، مما يساعد في تهدئة المخاوف الدولية بشأن برنامج إيران النووي، الذي يقترب من إنتاج قنبلة نووية في أسابيع إذا قررت ذلك، ومع ذلك، يبقى التنفيذ مرتبطا بالسياق السياسي الأوسع، بما في ذلك محادثات فيينا حول الاتفاق النووي 2015.

الشرط الرئيسي

أعلن عراقجي بوضوح، أن تطبيق آلية الزناد بالكامل، التي تسمح بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، سيؤدي إلى إلغاء جميع الخطوات الإيرانية في الاتفاق، هذا الشرط الرئيسي يجعل التنفيذ الكامل مشروطا بعدم التصعيد الدولي، في سياق حديث، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن الاتفاق غير محتمل أن يقنع E3 بتأجيل Snapback، مما يعني أن التوترات قد تستمر، وهذا يعكس استراتيجية إيران في ربط التعاون النووي بالاستقرار السياسي، محذرة من أن أي عقوبات جديدة ستعيد الأمور إلى الوراء.

يأتي هذا الاتفاق كخطوة استراتيجية من طهران للحفاظ على سيادتها مع الالتزام الظاهري بالمعاهدات الدولية مع تحذيرات إيران من إلغاء الاتفاق إذا أعيد فرض العقوبات، ومخاوف أوروبية من عدم كفايته، يبدو المشهد كمسرحية نووية حيث تتقاطع الثقة بالشكوك.

انتهاكات المفتشين

كشفت إيران عن سلوك غير قانوني من بعض مفتشي الوكالة، الذين نقلوا وثائق سرية خارج البلاد، مما يعد انتهاكا للبروتوكولات الأمنية، يطالب الاتفاق الجديد الوكالة بدفع ثمن هذه “الخيانة”، التي اعترفت بها الوكالة جزئيا، تفاصيل جديدة من مصادر دولية تشير إلى أن هذه الحوادث أدت إلى طرد بعض المفتشين، مما عقد العلاقات بين الطرفين.

Image

في سياق الاتفاق، يؤكد غروسي أن الوثيقة “فنية” وغير عامة، كتبت الوكالة عن سبب قرار إيران إلغاء تعيين المفتشين: “جاء إجراء إيران عقب خطأ (المفتشين) في إعادة وثائق إلى فيينا كان من المفترض أن تبقى في مقر عمل الوكالة في موقع فوردو”، ودافعت الوكالة عن تصرفات المفتشين، وكتبت أنها تعتبر قرار إيران إلغاء تعيينهما “غير مبرر”.

وزعمت الوكالة، دون الخوض في تفاصيل محتوى الوثائق المنقولة إلى فيينا، أن “هذا الحادث لا يشكل خرقا للسرية”، وينص جزء آخر من ادعاءات الوكالة على أنه “يجب التأكيد على أنه على الرغم من أن هذه الصفحات تضمنت أوصافا للجزء الداخلي من المنشأة، إلا أنها لم تتضمن محتوى من شأنه المساس بأمنها”، لكن إيران تطالب بتصحيح هذه الأخطاء لضمان تعاون بناء.

حق الاعتراض

معترف به في معاهدة منع الانتشار النووي (NPT)، يحق لإيران رفض تعيين مفتشين معينين، يعزز الاتفاق الجديد هذا الحق، مما يمنح طهران سيطرة أكبر على عمليات التفتيش مع تزايد التوترات، أعربت إيران عن مخاوف من تجسس محتمل، خاصة بعد الهجمات، لكن تقارير حديثة صادرة من مجلس محافظي الوكالة الذرية تشير إلى أن إيران رفضت بعض المفتشين سابقا، مما أثار انتقادات أوروبية، هذا الشرط يضمن أن يكون التعاون متوازنا، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.

التزام إيران بالمعاهدات

أكدت إيران دائما التزامها الكامل بـ(NPT) واتفاقية الضمانات الشاملة، مقابل توقعها من الوكالة عدم الرضوخ للضغوط السياسية. الاتفاق الجديد يعيد التأكيد على هذا، مع مطالبة الوكالة بالحياد الفني، في تفصيل جديد، أفادت تقارير أن الوكالة ستتلقى تقارير عن 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المثرى بنسبة 60%، مما يقترب من مستوى صنع الأسلحة إذا تم تخصيبه إلى 90%، إيران تنفي أي نوايا عسكرية، مشددة على الاستخدام السلمي.

Image

غيرت الهجمات غير المبررة طبيعة العلاقة مع الوكالة، مما أثر على آليات الضمانات، يجب أن يراعي الاتفاق هذا التغيير صراحة، مع تدخل مصري مكثف، ساعدت القاهرة في التوسط، كما أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي دور الوكالة في دعم حظر الانتشار، هذا السياق يجعل الاتفاق مرحليا، مع خطوات تدريجية لاستعادة الثقة.

مخاوف غروسي غير المبررة

أعرب غروسي مرارا عن قلقه من مستويات التخصيب الإيرانية، رغم عدم وجود أساس قانوني، حيث لا تحدد (NPT) حدا أقصى للتخصيب السلمي، يهدد هذا بتقويض الاتفاق، تفاصيل جديدة تشير إلى أن إيران خططت لاستبدال أجهزة طرد مركزي قديمة بأحدثها، مما يزيد من الكفاءة، إيران تطالب الوكالة بالتركيز على الالتزامات الفنية دون سياسة.

رفض غروسي التعبير عن ندم بشأن الهجمات، التي عقدت عمليات التحقق، تطالب إيران الوكالة بالمسؤولية، عبر وزارة خارجيتها، في بوست حديث على منصة X، أكد عراقجي أن أي خطوات عدائية ستلغي الاتفاق، هذا يعكس استراتيجية إيران في ربط التعاون بالأمن.

يتوقع من الوكالة مواصلة المفاوضات بناءة، مع تصحيح سلوكها السابق. الاتفاق يشمل جميع المنشآت، لكن بدون وصول فوري إلا في بوشهر لاستبدال الوقود، وسط اعتراضات أوروبية، يبدو الاتفاق هشا، لكنه فرصة للسلام النووي.

هل أدى هذا الاتفاق إلى منع آلية الزناد؟

Image

وفقا لـ”فرارو” لا يمنع اتفاق القاهرة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بشكل مباشر ونهائي، تفعيل آلية “العودة التلقائية لعقوبات الأمم المتحدة”، لكنه قد يُسهم في تأخير تطبيقها، ويُعدّ الاتفاق أحد الشروط الثلاثة التي طرحتها دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) لتأجيل “العودة التلقائية”، والتي تشمل استئناف التعاون مع الوكالة، والإبلاغ عن مخزونات اليورانيوم المخصب، والتفاوض مع الولايات المتحدة.

في النهاية، يمثل هذا الاتفاق خطوة إبداعية نحو حل دبلوماسي، يجمع بين الفني والسياسي دون تعريض إيران للمخاطر مع ذلك، وسط ردود فعل متباينة- من ترحيب غروسي بـ”انفراجة” إلى تحذيرات عراقجي من الوصول المحدود- يبقى السؤال: 

هل سيؤدي إلى استئناف كامل للتفتيش، أم سيكون مجرد فاصل في أزمة مستمرة؟ مع اقتراب اجتماع مجلس محافظي الوكالة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قد تكشف الأيام المقبلة عن مصير هذا الاتفاق، الذي يحمل في طياته أملا هشا للسلام النووي العالمي.

كلمات مفتاحية: