حرب الأجنحة: معركة “الانسجام الوطني” ومستقبل الاستقرار في إيران

كتب: الترجمان

تمر إيران بلحظة فارقة في تاريخها السياسي المعاصر، حيث يتقاطع غبار المعارك العسكرية مع أروقة الدبلوماسية المعقدة في إسلام آباد. وفيما تسعى الدولة بكافة أركانها، وتحت إشراف مباشر من القيادة العليا، لتثبيت مكتسبات الميدان عبر طاولة المفاوضات، تبرز على السطح تحركات داخلية لتيارات توصف بـ “المتشددة”، تعمل بشكل منهجي على إضعاف الفريق المفاوض وتفتيت الوحدة الوطنية. 

إن هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول توقيت هذه الهجمات ومن المستفيد الحقيقي من خلق حالة “الاستقطاب الثنائي” في وقت تحتاج فيه البلاد إلى صوت واحد يتحدث باسم الأمة أمام القوى الدولية.

تحركات التشدد: تقويض السيادة من داخل البيت الواحد

تشير القراءات التحليلية المعمقة للمشهد الداخلي إلى أن التيارات المتشددة في إيران لا تفرق في استراتيجيتها الهجومية بين ظرف عادي أو حالة حرب أو حتى فترات وقف إطلاق النار الشديدة الحساسية. إن هدف هذه الجماعات يظل متمحورا حول فرض رؤيتها الأحادية وتوسيع نفوذها السياسي، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية العليا وتماسك الجبهة الداخلية. 

هؤلاء، الذين يبدو أنهم لا يرتضون حالة الوئام والوحدة التي تفرضها الأزمات الكبرى، يجدون في مناخ الاضطراب بيئة خصبة لضرب استقرار السلطة التنفيذية والتشكيك في نزاهة المسؤولين الذين يقودون دفة البلاد في ظروف استثنائية.

إن الهجوم الحالي لا يستهدف فقط أسماء بعينها مثل “محمد باقر قاليباف” في البرلمان أو “عباس عراقجي” في الخارجية، بل يمتد ليشكل طعنا في قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما يمثل سابقة خطيرة في تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الدولة لإدارة الأزمات الكبرى. 

إن محاولات زرع بذور الفرقة والازدواجية في المجتمع، وتصوير المفاوضات الوطنية على أنها فعل معزول عن إرادة الحاكمية، تضعف الموقف الإيراني أمام الخارج وتظهر الدولة بمظهر المنقسم على نفسه، مما يقلل من قدرة المفاوض على انتزاع تنازلات حقيقية من الخصوم.

Image

مصادرة التضحيات وصناعة “الانتصارات الفئوية”

ذكرت صحف إيرانية أن من أبرز ملامح تحركات هذا التيار في الآونة الأخيرة هو السعي الدؤوب لمصادرة المكتسبات الوطنية التي تحققت بفضل صمود الشعب في مواجهات عسكرية قاسية، سواء في “حرب الـ 12 يوما” أو “حرب الـ 40 يوما” الأخيرة في رمضان. 

فبينما كان التلاحم بين الشارع والميدان هو الضمانة الأساسية لقوة الموقف الإيراني، تحاول هذه الفئات تحويل هذا الصمود إلى “أداة ضغط” بيدها لمواجهة الحكومة وتصفية الحسابات السياسية المحلية. هذا النهج الإقصائي يغفل حقيقة أن أركان الحكم تعمل بتنسيق كامل وتحت قيادة موحدة، وأن أي تحرك دبلماسي هو جزء من استراتيجية “الميدان والدبلوماسية” المتكاملة.

إن محاولة صبغ النصر بصبغة فئوية وادعاء أن دماء الشهداء وتضحيات المقاتلين هي ملك لتيار بعينه تهدف بالأساس إلى إقناع القاعدة الشعبية بأن الانتصارات هي ملك حصري للمتشددين، بينما يتم تصوير أي جهد ديبلوماسي على أنه “بيع” لتلك التضحيات. 

هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بتشويه الحقائق، بل يسعى لتحويل الإنجازات الوطنية الشاملة إلى محرك للاستقطاب السياسي، مما يجعل المجتمع في حالة استنفار دائم ضد بعضه البعض بدلاً من أن يكون مستنفرا ضد التهديدات الخارجية التي تتربص بكيان الدولة ومصالحها الاقتصادية والأمنية.

Image

فخ المطالب القصوى: انتحار دبلوماسي أم مزايدة سياسية؟

على الجانب الدبلوماسي، تشكل التصريحات المتطرفة التي تطلقها بعض الشخصيات المحسوبة على هذا التيار عبئا ثقيلا ومباشرا على كاهل المفاوض الإيراني في المحافل الدولية. فالمطالب التي ترفعها هذه الجهات، مثل “الإغلاق الأبدي لمضيق هرمز” أمام السفن الأمريكية أو “بناء وحيازة السلاح النووي” ردا على الضغوط، هي مطالب توصف من قبل الخبراء بأنها “لاواقعية” وتفتقر للغطاء القانوني الدولي أو حتى المبرر الاستراتيجي في اللحظة الراهنة. 

مثل هذه التصريحات لا تخدم الموقف الوطني، بل تقدم الذرائع الذهبية للطرف الآخر لتصوير إيران كلاعب “غير عقلاني” ويهدد السلم والأمن الدوليين، مما يشرعن استمرار العقوبات أو حتى التصعيد العسكري.

إن الإصرار على مبدأ “الكل أو لا شيء” في لغة السياسة الدولية يعد بمثابة انتحار ديبلوماسي في زمن التحولات الكبرى. فبينما تسعى الحكومة، ممثلة في الرئيس مسعود بزشكيان وفريقه، لتأمين معيشة المواطنين وضمان تدفق السلع الأساسية والطاقة وسط ظروف الحرب، تخرج أصوات تطالب بـ “توسيع رقعة الصراع” دون اكتراث بالتبعات الاقتصادية والاجتماعية. 

إن المزايدة على الفريق المفاوض بشروط تفوق القدرة على المناورة الدولية تغلق نوافذ الحل الممكنة وتكرس حالة العزلة الاقتصادي التي يدفع ثمنها المواطن البسيط، في حين يستمر هؤلاء المزايدون في استغلال منابرهم لتوجيه اتهامات “التنازل” لكل من يحاول سلوك طريق العقلانية السياسية.

Image

الإعلام الرسمي وإعادة إنتاج “الاستقطاب الزائف”

لا يمكن فهم جذور هذه الأزمة دون التطرق للدور المثير للجدل الذي تلعبه بعض المنصات في الإعلام الرسمي (صدا وسيما). فبدلا من أن يكون الإعلام الوطني مظلة جامعة لكل الإيرانيين في وقت الأزمات، تحولت بعض برامجه إلى منصات لاستضافة خبراء يتبنون لغة جامدة بعيدة كل البعد عن اللياقة الدبلوماسية أو الفهم العميق لموازين القوى. 

هؤلاء الخبراء يروجون لروايات خيالية حول “توسل الأعداء” و”استجداء أمريكا للصلح”، في حين يضعون شروطا تعجيزية للمفاوضات مثل “إعلان الولايات المتحدة هزيمتها الصريحة قبل الجلوس للطاولة”.

هذا الأسلوب الإعلامي لا يكتفي بخلق توقعات غير واقعية ومضللة لدى الجمهور، بل يساهم بشكل مباشر في تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة التنفيذية. وعندما يمارس بعض المذيعين دور “المحقق” أو “الجلاد” ضد الرموز الوطنية أو الشخصيات الفنية والرياضية لمجرد اختلافهم في وجهات النظر، فإنهم يزرعون بذور الكراهية والفرقة. 

إن تحويل المنبر الإعلامي الرسمي إلى أداة لتصفية الحسابات الجناحية هو نقيض صريح لشعار “الوفاق الوطني”، ويؤدي في النهاية إلى فقدان الوسيلة الإعلامية لمصداقيتها لصالح الروايات الأجنبية التي تتربص بالرأي العام الداخلي.

Image

مأزق الرواية والبحث عن مرجعية وطنية صلبة

تعاني الساحة الإعلامية والسياسية الإيرانية في هذه المرحلة من “أزمة مرجعية” في سرد الوقائع. لقد لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض التيارات المتشددة، رغم ادعائها العداء للغرب، باتت تنجرف خلف الروايات التي تصدر من عواصم معادية، بل وتتأثر بشكل ملحوظ بتغريدات وتصريحات قادة دول معادين مثل “ترامب”، مستخدمة إياها كأداة للضغط على الحكومة المحلية. 

هذا يعكس فشلا ذريعا في المنظومة الإعلامية الداخلية التي عجزت عن بناء ثقة مستدامة مع الجمهور، مما دفع حتى القواعد “المتشددة” للبحث عن الخبر والتحليل لدى الخصوم.

علاوة على ذلك، فإن استدعاء الجماهير للشارع وتعبئتهم بشعارات مثالية متطرفة، ثم الصدمة التي تحدث عند مواجهة الحقائق الميدانية التي تقتضي التفاوض وتقديم تنازلات متبادلة، يخلق حالة من “السراب السياسي” واليأس لدى القواعد الشعبية. إن المطلوب اليوم هو تحويل الدعم الشعبي من حالة “التأييد العاطفي” المتقلب إلى “دعم مؤسسي” مبني على فهم المصالح القومية

يجب أن يعي الجميع أن الحكومة، في إدارتها لملفات السياسة الخارجية، هي الوكيل الوحيد والمفوض من قبل النظام والشعب، وأن محاولات خلق “حكومات موازية” أو فرض أجندات الشارع على طاولة القرار الاستراتيجي لن تؤدي إلا إلى إضعاف الدولة وتحويلها إلى “ساحة” بدلا من أن تكون “لاعبا” قويا.

Image

شجاعة السلام وحماية كينونة الدولة الإيرانية

في نهاية المطاف، يجب أن يدرك الجميع أن الدخول في مسار الدبلوماسية وتثبيت وقف إطلاق النار ليس تراجعا أو هزيمة، بل هو فعل شجاع وحكيم يهدف لصيانة كينونة الدولة وحماية مكتسبات الميدان التي عُمّدت بالدماء. إن المرحلة الحالية تفرض على النخبة السياسية الإيرانية التحول نحو واقعية سياسية تعلي من شأن العقلانية القومية فوق الشعارات الحزبية الضيقة. إن استمرار بعض التيارات في محاولة اختطاف القرار السيادي وفرض أجندات التصادم الدائم يمثل تهديداً مباشراً لسيادة الدولة وسلامة أراضيها.

حماية “الانسجام الوطني” ليست مجرد شعار، بل هي ضرورة أمنية قصوى. وتطهير المنابر الرسمية والبرلمانية من أصوات الفتنة والمزايدة هو الخطوة الأولى لضمان أن تظل إيران قوية في مواجهة التحديات الخارجية. إن الزمن لا يعمل دائما لصالح من يرفضون الحلول، وضياع الفرص الدبلوماسية المتاحة الآن قد يكلف البلاد أثمانا باهظة في المستقبل. 

لذا، فإن التفاف الجميع خلف القيادة الموحدة، والقبول بقواعد اللعبة السياسية التي توازن بين القوة والحكمة، هو السبيل الوحيد لكي تخرج إيران من نفق الأزمات نحو أفق الاستقرار والتنمية والرفاه لجميع أبنائها، بعيدا عن صخب المزايدات وهدير التشدد غير المحسوب.

كلمات مفتاحية: