- زاد إيران - المحرر
- 70 Views
بعد مرور مئة يوم على اندلاع المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة منذ بدايتها في 28 فبراير/ شباط 2026، لا تزال المنطقة تعيش على وقع معادلة معقدة تجمع بين التصعيد العسكري ومحاولات التهدئة السياسية. فعلى الرغم من استمرار الاحتكاكات في الخليج ولبنان، وتصاعد التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، تتواصل في المقابل التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن إمكانية التوصل إلى تفاهم، دون أن ينعكس ذلك في أي تقدم حقيقي على مسار المفاوضات. وفي ظل تعثر القنوات الدبلوماسية المباشرة، عادت الوساطات الإقليمية إلى الواجهة، خصوصا عبر التحرك الباكستاني الأخير، في محاولة لمنع انزلاق الأزمة نحو مواجهة أوسع قد تمتد تداعياتها إلى أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي بأكمله.
الوساطة الباكستانية ورسائل التهدئة بين طهران وواشنطن
برزت باكستان خلال الأيام الأخيرة بوصفها أحد أبرز الوسطاء في المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، وذلك مع وصول وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران، الأحد 7 يونيو/ حزيران 2026، حاملا ما وصفته وسائل إعلام إيرانية وقطرية بالرسالة المهمة المتعلقة بوقف الحرب وفتح الباب أمام اتفاق جديد بين الطرفين. الزيارة التي جاءت في توقيت حساس، بعد مرور مئة يوم على اندلاع المواجهة العسكرية والسياسية بين واشنطن وطهران، عكست حجم القلق الإقليمي من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود الخليج والشرق الأوسط.

وخلال زيارته لطهران، التقى نقوي بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، كما عقد لقاءات مع وزير الداخلية الإيراني ومسؤولين آخرين، قبل أن يعلن بشكل صريح أنه جاء لتسليم رسالة خاصة إلى المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، تتعلق بالظروف الحالية ومساعي إنهاء الحرب. وأكد الوزير الباكستاني أن بلاده تسعى إلى إنهاء التصعيد عبر الحلول السياسية، مشددا على أن العلاقات الإيرانية الباكستانية علاقات أخوية، وأن أمن واستقرار المنطقة يفرضان على الجميع العمل لمنع توسع الصراع.
ولم تقتصر أهمية الرسالة الباكستانية على مضمونها السياسي فقط، بل على توقيتها أيضا، إذ تزامنت مع تقارير إعلامية تحدثت عن تقدم نسبي في المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، عبر عدة وسطاء إقليميين. ووفق تسريبات نقلتها قناة الجزيرة، فإن مسودة مذكرة تفاهم أولية وصلت إلى جهات معنية داخل إيران لدراستها، وسط حديث عن إمكانية حدوث تطورات استثنائية خلال الأيام القليلة المقبلة إذا لم تتراجع واشنطن في اللحظة الأخيرة عن مسار التفاهم، كما حدث في مرات سابقة.

هذا ويبدو أن الجانب الإيراني يحاول، حسب خبراء، استثمار الحراك الدبلوماسي الحالي لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية واضحة، إذ تركزت التصريحات الرسمية خلال الأيام الماضية على ضرورة رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، باعتبارهما شرطين أساسيين لأي اتفاق محتمل. كما حرصت طهران على تأكيد أن ملف لبنان أو الفصائل الحليفة لها في المنطقة لا يمكن التعامل معه باعتباره ورقة مساومة في التفاوض مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية الإيراني على أن بلاده لا تستخدم لبنان كورقة ضغط، في محاولة لنفي الاتهامات الغربية والإسرائيلية التي تربط بين التصعيد في الجبهة اللبنانية ومسار التفاوض الإيراني الأمريكي. إلا أن التطورات الميدانية في لبنان، خصوصا بعد الضربات الإسرائيلية الجديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، الأحد 7 يونيو/ حزيران، تعكس حجم الترابط بين المسارين السياسي والعسكري في المنطقة، حيث يبدو أن أي تقدم أو تعثر في المفاوضات ينعكس مباشرة على مستوى التوتر في الجبهات المختلفة.

هذا ومن الواضح أن الوساطة الباكستانية لا تأتي بمعزل عن محاولات إقليمية أوسع لاحتواء الأزمة، خصوصا مع تصاعد المخاوف الدولية من تأثير استمرار الحرب على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية، حيث أدى التوتر في مضيق هرمز إلى ازدحام غير مسبوق للسفن وناقلات النفط، فيما شهدت أسعار النفط والذهب ارتفاعات ملحوظة، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية عالمية إذا استمرت المواجهة لفترة أطول.

الأموال المجمدة والعقوبات… العقدة الأكبر في طريق الاتفاق
في مقابل الحراك الدبلوماسي المتسارع، يبرز ملف الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره القضية الأكثر حساسية وتعقيدا في المفاوضات الحالية. فخلال مقابلة مطولة مع شبكة CNN الأمريكية، أكد محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والمستشار العسكري للمرشد الأعلى، أن الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة يمثل اختبارا حقيقيا لجدية الولايات المتحدة في الوصول إلى اتفاق.

تصريحات رضائي جاءت بلهجة حادة، إذ اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه هو من أوصل المفاوضات إلى طريق مسدود، معتبرا أن على واشنطن اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة، وعلى رأسها الإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج. وأوضح رضائي أن هذه الأموال ليست مجرد قضية مالية، بل تمثل مؤشرا سياسيا على استعداد الولايات المتحدة لتغيير نهجها تجاه إيران.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن إيران تمتلك نحو مئة مليار دولار من الأموال المجمدة في الخارج بسبب العقوبات الأمريكية، من بينها ست مليارات دولار في قطر، ونحو مليار دولار في سلطنة عمان، إضافة إلى ما يقارب 15 مليار دولار في العراق ناتجة عن صادرات النفط والغاز. ورغم بعض التفاهمات السابقة المتعلقة باستخدام جزء من هذه الأموال لأغراض إنسانية، فإن الجزء الأكبر منها ما يزال خارج متناول الحكومة الإيرانية.
في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية مترددة في تقديم أي تنازل اقتصادي كبير لطهران، خصوصا في ظل الضغوط السياسية الداخلية التي يتعرض لها ترامب من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. فالإفراج عن الأموال الإيرانية قد ينظر إليه داخل الولايات المتحدة بوصفه تكرارا لسياسات إدارة باراك أوباما خلال الاتفاق النووي السابق، وهو ما يحاول ترامب تجنبه سياسيا.

ورغم ذلك، فإن المؤشرات الاقتصادية داخل إيران تكشف حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الإيرانية نتيجة استمرار العقوبات والحصار البحري، فقد شهدت الأسواق الإيرانية خلال الأيام الأخيرة ارتفاعا كبيرا في أسعار الدولار والذهب والإيجارات، بالتزامن مع تحذيرات من موجة تضخم جديدة قد تكون أكثر خطورة من التداعيات العسكرية نفسها.
كما أظهرت التقارير الاقتصادية أن الاقتصاد الإيراني يعاني من اختلالات حادة في قطاعات الطاقة والتجارة والقطاع المصرفي، فيما تحتاج الحكومة إلى تدفقات مالية عاجلة للحفاظ على الاستقرار الداخلي. ولهذا السبب، تصر طهران على أن يتضمن أي اتفاق رفعا جزئيا للعقوبات وتحرير جزء معتبر من الأموال المجمدة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز شهرين.

وفي موازاة ذلك، تتهم الولايات المتحدة إيران بمحاولة استخدام التهديد بإغلاق الممرات البحرية كورقة ضغط اقتصادية وسياسية. وكانت واشنطن قد أعلنت سابقا فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ردا على تهديدات مرتبطة بمضيق هرمز، في خطوة هدفت إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على عائداته المالية.
لكن استمرار الضغوط الاقتصادية لا ينعكس على إيران وحدها، إذ بدأت آثار الأزمة تظهر أيضا على أسواق الطاقة العالمية. فقد تحدثت تقارير غربية عن تراجع المخزونات النفطية الأمريكية إلى مستويات حرجة بسبب اضطراب حركة الملاحة في الخليج، فيما يحذر خبراء الطاقة من أن أي تصعيد إضافي قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة… بين الردع والانفجار
رغم استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة، فإن لغة التصعيد العسكري لا تزال حاضرة بقوة في الخطاب الإيراني والأمريكي، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الحالي وإمكانية انهيار أي تفاهم في أي لحظة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الإعلام عن قرب التوصل إلى اتفاق مؤقت، يواصل المسؤولون الإيرانيون إطلاق تصريحات تؤكد الجاهزية الكاملة للحرب.
وفي هذا السياق، قال نائب رئيس البرلمان الإيراني، علي نيكزاد، إن إيران “أكثر استعدادا للحرب من أي وقت مضى”، وإن “الأيدي على الزناد” للرد على أي تحرك عسكري ضدها على حد تعبيره، كما أكد أن العقيدة الإيرانية تقوم على الحفاظ على العزة والاقتدار ودعم محور المقاومة، مشيرا إلى أن طهران لن تسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل باستغلال ما وصفه بالصبر الاستراتيجي الإيراني.

كما حملت تصريحات محسن رضائي لهجة تهديد مباشرة، عندما قال إن استمرار الحرب والحصار البحري سيدفع إيران إلى نقل المواجهة إلى المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وحتى البحر المتوسط، معتبرا أن تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة ستكون أكبر بكثير مما تتوقعه واشنطن.
في المقابل، تواصل إسرائيل تصعيد عملياتها العسكرية، خصوصا في لبنان، حيث أعلنت تل أبيب تنفيذ ضربات على مواقع لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، ردا على عمليات إطلاق نار باتجاه الأراضي الإسرائيلية، على الجانب الأخر، تحدثت تقارير أمريكية عن تجاوز إسرائيل الخطوط الحمراء عبر تكثيف عمليات التجسس المتعلقة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية.

أما داخليا، فتبدو الساحة الإيرانية منقسمة بين تيار يدفع نحو استمرار التصعيد ورفض أي تنازل، وآخر يرى أن استمرار الحرب والعقوبات يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الانتقادات التي وجهها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لبعض وسائل الإعلام الرسمية، متهما إياها بتضليل الرأي العام وتقديم تحليلات غير واقعية بشأن الوضع الحالي.
وفي ظل هذه الأجواء، يبقى مستقبل المفاوضات الإيرانية الأمريكية مرتبطا بعدة عوامل متشابكة، أبرزها قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر، واستعداد واشنطن لتقديم تنازلات اقتصادية محدودة، وكذلك قدرة إيران على ضبط التصعيد الإقليمي وعدم توسيع دائرة المواجهة.
ومع استمرار الحرب في يومها المئة، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في فرض هدنة سياسية واقتصادية مؤقتة تفتح الباب أمام اتفاق أوسع، أو أن تنهار التفاهمات الهشة تحت ضغط الحسابات العسكرية والسياسية، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد قد تمتد آثارها من الخليج إلى البحر المتوسط.

