صواريخ موجهة.. أم أمطار خريفية؟ كيف تبرّئ الترجمة الحرفية المعتدين! 

كتب: الترجمان

في عالم الصحافة السياسية، المترجم ليس مجرد ناقل بريد يسلّم الرسالة كما هي، بل هو “مهندس متفجرات” يتعامل مع كلمات قد تفجر أزمة دبلوماسية أو تخمدها. والجاهل بأبعاد اللفظ السياسي يشبه من يحمل مشعلاً داخل مستودع للذخيرة؛ يظن أنه ينير المكان، بينما هو يحرق الحقيقة.

ذات ليلة ساخنة في غرفة الأخبار، وبينما كانت المنطقة تغلي على صفيح ساخن، استوقفني خبر عاجل نقله أحد الزملاء عن وكالة أنباء إيرانية يترجم فيه بيانا عسكريا حول قصف صاروخي استهدف قاعدة استراتيجية. قرأت شريط الأخبار الذي صاغه بزهو: “سقوط عدة صواريخ على القاعدة…”.

أمسكت برأسي، وناديت الزميل على عجلة: “يا صديقي، من الذي أسقطها؟ هل سقطت بفعل الجاذبية؟ أم تاهت في الطريق وسقطت وحدها كأمطار الخريف؟”.

نظر إليّ المترجم وفي عينيه لوم خفي، وفتح شاشته مشيرا بإصبعه إلى الكلمة الفارسية المكتوبة في النص الأصلي: “اصابت”. قال بيقين تلميذ يحفظ لتوّه قاعـدة: “انظر يا أستاذي، الفعل (اصابت) مشتق من الإصابة، وفي المعاجم العربية والفارسية، حين تصيب الصواريخ هدفها نقول سقطت عليه!”.

وهنا، وجدنا أنفسنا أمام لغم دلالي آخر من ألغام الترجمة الإعلامية، حيث تتحول الجريمة العسكرية بفعل غفلة لغوية إلى قضاء وقدر.

في العرف السياسي والعسكري، هناك فرق شاسع بين “السقوط” و”الإصابة والاستهداف المحكم”.

حين تترجم الفعل الفارسية (اصابت كردن) بكلمة “سقوط”، فأنت تمنح المعتدي صك براءة مجاني من حيث لا تدري. القارئ العربي حين يمر على عبارة “سقوط صاروخ”، ينصرف ذهنه فورا إلى فعل عشوائي، أو خطأ تقني، أو صاروخ ضلّ طريقه فسقط في العراء، أو ربما تم إسقاطه واعتراضه من قِبل الدفاعات الجوية قبل أن يحقق غايته. “السقوط” في دلالة الصحافة العربية المعاصرة يحمل معنى الوهن، والفشل في الوصول، أو العشوائية (مثل سقوط قذيفة طائشة).

أما النص الأصلي فكان ينبض بكلمة “اصابت”؛ أي دقة التوجيه، وتحقيق الهدف، وإلحاق الضرر المباشر. النص يريد أن يقول إن الصاروخ نفذ مهمته بنجاح وضرب قلب الهدف ولم يسقط على هامشه متثاقلا!

جلست أوضح للزميل أن كلمة “اصابت” الفارسية يجب أن تمر بفلتر “الفعل العمدي النافذ” لا “الحدث العارض”. إنها تعني “استهدفت بدقة”، أو “طالت”، أو “ضربت”. حين نقول: “صواريخ تطال القاعدة” أو “تقصف بدقة”، نحن ننقل رسالة القوة والتهديد الجيوسياسي الكامنة في النص الأصلي. أما تحويلها إلى “سقوط”، فهو تمويه لغوي بارد يفرغ الخبر من خطورته العسكرية، ويجعل الضربة الصاروخية تبدو وكأنها حادث سير بريء على طريق سريع!

هذا هو الفخ الذي ينصبه “المشترك اللفظي” للمترجم المستعجل. المترجم المحترف هو من يملك حسّ “الأثر الجيوسياسي للكلمة”، ويعلم أن اختيار الفعل الصحفي قد يغير توصيف القانون الدولي للحدث بأكمله.

نصيحتي لكل مرابط في هذه الثغور: لا تترك صواريخ المعنى “تسقط” في وادي الحرفية الجافة، واجعل كلماتك دائما “تصيب” كبد الحقيقة، صلبة، دقيقة، وموجهة بعناية، كأنين الناي الذي يعرف تماماً أين يستقر في القلوب.

وإلى اللقاء في لغم جديد نُفككه معا من نوادر المترجمين.