- زاد إيران - المحرر
- 59 Views
كتب: الترجمان
في رحلتنا بين السطور الفارسية، نكتشف يوما بعد يوم أن “القاموس” قد يكون أحيانا أكبر خدعة يقع فيها المترجم. فالكلمة في اللغة السياسية ليست مجرد رصف حروف، لكنها “خزانة أسرار” وتاريخ طويل من المواقف. والمترجم الذي يكتفي بفتح المعجم ليجد المقابل اللغوي، يشبه من يقرأ “نوح الناي” على أنه مجرد اهتزاز في الهواء، غافلا عن “أنين الاشتياق” الذي يسكن جوفه.
ذات “تدقيق” في دهاليز الأخبار الدولية في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، توقفتُ عند صياغة لخبر يتناول الموقف الصيني تجاه التجاوزات الدولية في المنطقة. كان المترجم قد كتب بزهو: “أشادت إيران بالموقف المبدئي للصين في إدانة الانتهاكات الصارخة…”.
توقفتُ مليا عند كلمة “المبدئي”. ناديتُ الزميل وسألتُه: “هل الصين بصدد مراجعة موقفها؟”. نظر إليّ بتعجب وقال: “بالعكس، المقال يتحدث عن إشادة وتثمين للموقف الصيني!”. قلتُ له: “إذن لماذا جعلتَ موقفها (مؤقتا) أو (أوليا) تحتمل الصواب والخطأ؟”.
فتح الزميل قاموسه (الذي يقدسه) وأشار بإصبعه: “انظر يا أستاذي، النص الفارسي يقول (موضع اصولی)، والقواميس كلها تجمع على أن (اصولي) ترجمتها (مبدئي)، وهي مشتقة من المبادئ (Principles)”.
وهنا، وضعتُ يدي على لغم جديد من ألغام “السيولة اللغوية”. المترجم هنا وقع في فخ “المشترك اللفظي” وضيق الدلالة العربية المعاصرة. في العرف السياسي الإيراني، كلمة “اصولى” ليست مجرد صفة للمبدأ، بل هي إحالة إلى “الأصل”؛ ذلك المنبع الثابت الذي لا يتغير ولا يتزحزح. إنها تعني “الموقف الاستراتيجي الراسخ” الذي يشكل عمودا فقريا لسياسة الدولة.
أما في الصحافة العربية، فإن كلمة “مبدئي” (Preliminary) قد تسللت إليها دلالة الوهن؛ فنحن نقول “موافقة مبدئية” أي أنها قابلة للنقض، و”اتفاق مبدئي” أي أنه مسودة أولية تنتظر التثبيت. حين تصف موقف دولة كبرى بأنه “مبدئي” في عنوان خبرك، فأنت -من حيث لا تدري- تُعطي إيحاءً للقارئ بأن هذا الموقف هو “مرحلة أولى” قد تتبعها تنازلات، بينما النص الأصلي يريد إيصال رسالة “الصلابة والجذر الراسخ”.
جلستُ أوضح للزميل أن كلمة “اصولى” في هذا السياق يجب أن تمر بفلتر “الثبات لا البداية”. إنها مشتقة من أصول الشجر التي تضرب في الأرض عمقا، لا من “البدايات” التي تطفو على السطح.
إن المترجم الذي لا يملك “حس الأصول”، يحوّل “الموقف الراسخ” إلى “مجرد احتمال”. فالقارئ العربي حين يقرأ عن “موقف مبدئي” قد يمر عليه كأنه إجراء بروتوكولي مرن، لكنه حين يقرأ: “الموقف الراسخ للصين” أو “ثوابت السياسة الصينية”، يدرك فورا أننا أمام حجر زاوية في الجيوسياسة الدولية لا يقبل المساومة.
هذا هو “التمويه الدلالي” الذي يمارسه القاموس ضد المترجم الغافل. المترجم “المحترف” هو من يدرك أن (اصولي) في الفارسية ليست (مبدئي) في العربية الصحفية المعاصرة. الأول هو “القرار القطعي”، والثاني هو “الوعد المتردد”.
نصيحتي لكل مرابط في “ثغور الترجمة”: لا تكن أسيرا للاشتقاق اللغوي الجاف، وتذكر دائما أن “الأصل” في لغة القوم يعني الجوهر والثبات. كن في ترجمتك كـ “الراسخين في العلم”، لا تجعل كلماتك “مبدئية” فتضيع الحقيقة، بل اجعلها “أصيلة” كأنين الناي الذي لا يخطئ طريق العودة إلى أصله.
وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.

