صراع الإرادات وفلسفة “اتفاق الآراء”: كيف تدير طهران التوازن بين الدبلوماسية والميدان؟

كتب: الترجمان

في لحظة تاريخية فارقة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل أصوات المدافع مع ضجيج الغرف الدبلوماسية المغلقة، تبرز إيران كلاعب مركزي يواجه تحديات مزدوجة: تحدي الحفاظ على الردع العسكري في مواجهة خصوم إقليميين ودوليين، وتحدي الحفاظ على التماسك الداخلي أمام حرب نفسية واقتصادية ضروس. 

وبينما تضج وسائل الإعلام العبرية والغربية بتقارير تتحدث عن “صراعات في المخابئ” و”انقسامات في قمة الهرم”، تخرج الرواية الرسمية من طهران لتؤكد أن الدولة تعيش حالة من الانسجام غير المسبوق، مبنية على قاعدة “اتفاق الآراء” بين كافة أركان النظام.

الرواية الرسمية: ميثاق الوحدة في مواجهة العاصفة

لم يكن خروج محسن حاجي ميرزائي، مدير مكتب الرئيس الإيراني، للحديث عن طبيعة العلاقة بين الرئيس مسعود بزشكيان وقادة الحرس الثوري مجرد رد فعل بروتوكولي على شائعات عابرة، بل كان بمثابة إعلان لاستراتيجية الدولة في إدارة الأزمة. أكد ميرزائي بلهجة ملؤها الثقة أن القرارات الكبرى في إيران لا تُتخذ بالأغلبية البسيطة، بل بـ “اتفاق الآراء” في كافة الجلسات التي تجمع الرئيس بالقادة العسكريين.

هذا التصريح يعكس فلسفة الحكم في إيران خلال “الظروف الاستثنائية”، حيث يتم تذويب الخلافات الفرعية لصالح المصلحة القومية العليا. إن التأكيد على أن الرئيس بزشكيان، الذي جاء بخلفية إصلاحية ومنادية بالانفتاح، يعمل بتناغم كامل مع الحرس الثوري، يرسل رسالة للخارج مفادها أن الرهان على “تآكل النظام من الداخل” هو رهان خاسر، وأن الدولة الإيرانية تمتلك من المرونة ما يمكنها من دمج الرؤى السياسية المختلفة في قالب وطني واحد لمواجهة التهديدات الوجودية.

Image

الاقتصاد الحربي: معركة الخبز والسيادة

تدرك الحكومة الإيرانية أن جبهة “المطبخ” لا تقل أهمية عن جبهة “الميدان”. وفي هذا الإطار، جاءت اعترافات حاجي ميرزائي بصعوبة الأوضاع المعيشية والارتفاع المفاجئ في الأسعار كدليل على شفافية الدولة مع شعبها في ظل “وضعية الحرب”. فالغلاء الذي تشهده الأسواق ليس مجرد نتيجة لعوامل اقتصادية بحتة، بل هو نتاج ضغوط خارجية متعمدة وأعمال احتكارية داخلية يسعى أصحابها لاستغلال حاجة الناس.

لقد وضعت الحكومة الإيرانية “مكافحة الفساد والاحتکار” على رأس أولوياتها، معتبرة أن أي شخص يستغل ظروف الحرب للتلاعب بأقوات المواطنين هو “طابور خامس” يعمل لصالح العدو. 

ومن هنا، تم تفعيل دور منظمة التعزيرات ووزارات الصمت (الصناعة والمناجم والتجارة) والزراعة لمراقبة الأسواق بصرامة. الرؤية الإيرانية هنا واضحة: الاستقرار الاجتماعي هو الضمانة الأكيدة للاستمرار في المواجهة العسكرية، والعدالة في توزيع الموارد هي الرد العملي على محاولات التحريض الخارجي.

Image

تفنيد المزاعم الإعلامية: الحرب النفسية وسلاح “التسريبات”

عند تحليل ما نشرته “القناة 14 الإسرائيلية” ووسائل إعلام غربية حول وجود مشاجرات لفظية بين الرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من جهة، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي من جهة أخرى، نجد أننا أمام نمط كلاسيكي من “الحرب النفسية”. تهدف هذه التقارير إلى تصوير القيادة الإيرانية ككتلة متصارعة تبحث عن النجاة الفردية، وهو ما يتناقض مع الواقع السياسي الإيراني الذي أثبت قدرته على الصمود في أزمات أشد وطأة عبر العقود الماضية.

إن الادعاءات التي تتحدث عن رغبة بزشكيان في الاستقالة أو شعوره بأنه “رهينة” لا تجد لها صدى في التحركات الميدانية للرئيس، الذي يواصل حضور المراكز العسكرية وتفقد المشاريع التنموية والتنسيق المستمر مع المرشد الأعلى. 

تصوير الجناح المدني كـ “ضحية” والجناح العسكري كـ “متسلط” هو محاولة لشق الصف الوطني الإيراني، وتجاهل لحقيقة أن هؤلاء المسؤولين جميعاً تربوا في كنف مدرسة سياسية واحدة تضع “مصلحة النظام” فوق كل اعتبار شخصي.

Image

قاليباف: “الواقعية الثورية” وليس الانشقاق

تناولت التقارير الإعلامية الدولية شخصية محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بكثير من التأويل، محاولة تصويره كقائد “متمرد” يطالب بالتفاوض مع واشنطن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن نظرة أعمق لموقف قاليباف تكشف عما يمكن تسميته بـ “الواقعية الثورية”. قاليباف، كقائد عسكري سابق ورجل دولة حالي، يدرك أهمية التوازن بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية.

مطالبته بحسن إدارة الموارد أو الاهتمام بالحقوق المالية للقوات المسلحة ليست علامة ضعف، بل هي دعوة لتقوية البنية التحتية للأمن القومي. إن محاولة تصوير مطالبته بالشفافية المالية على أنها “خلاف جذري” مع الحرس الثوري هي قراءة سطحية؛ فالرجل يطالب بتعزيز القوة من الداخل لضمان صمود أطول في وجه الضغوط الخارجية، وليس للتفريط في مبادئ الدولة السيادية.

دبلوماسية الميدان: التكامل بين بزشكيان وعراقجي

في ظل الحديث عن الرغبة في التفاوض، يبرز دور وزير الخارجية عباس عراقجي كذراع دبلوماسية قوية للرئيس بزشكيان. إن الرغبة الإيرانية في رفع العقوبات ليست سرا، بل هي سياسة معلنة تهدف إلى تحسين معيشة المواطنين. ومع ذلك، فإن هذه الدبلوماسية تتحرك بتنسيق كامل مع “الميدان”.

لا يوجد انقسام بين من يريد التفاوض ومن يريد المواجهة، بل هناك “توزيع أدوار” ذكي؛ حيث يوفر الحرس الثوري أوراق القوة على الأرض، بينما يحاول الجهاز الدبلوماسي استثمار هذه الأوراق على طاولة المفاوضات. 

التقارير التي تزعم أن الحرس الثوري يمنع بزشكيان من التقارب مع الغرب تتجاهل أن السياسات الخارجية الكبرى في إيران تُقر في المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يجلس الجميع على طاولة واحدة ويخرجون بقرار موحد يلتزم به الجميع، وهو ما أكده حاجي ميرزائي بقوله إن القرارات تتخذ بـ “إجماع الآراء”.

Image

الثبات المؤسسي: مؤسسة القيادة والعلماء

من النقاط الجدلية التي أثارتها التقارير الخارجية هي قضية تهميش رجال الدين أو وجود غموض حول القيادة العليا. إن النظام الإيراني، بطبيعته المؤسسية القائمة على “ولاية الفقيه”، يمتلك مرجعية عليا تحسم أي خلافات مفترضة. إن الحديث عن تهميش رجال الدين لصالح العسكريين هو قراءة مغلوطة للتحولات الاجتماعية والسياسية في إيران، حيث أن المؤسسة العسكرية نفسها ترى في الولاية الشرعية مصدر شرعيتها وقوتها.

إن الشائعات التي تروج حول صحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أو غيابه هي جزء من محاولة خلق فراغ معنوي في نفوس الشعب الإيراني. لكن الحقيقة الميدانية تؤكد أن المؤسسات الإيرانية تعمل بانتظام، وأن هناك جيلاً جديداً من الكوادر السياسية والأمنية، مثل محمد باقر ذو القدر، يتسلمون المسؤوليات لضمان استمرارية الدولة وبقائها في وجه العواصف العاتية.

إيران وصناعة المستقبل في زمن الحرب

التقرير الشامل للمشهد الإيراني يظهر دولة تواجه “حربا شاملة” بوسائل عسكرية واقتصادية وإعلامية. ومع ذلك، فإن القوة الحقيقية لإيران تكمن في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للتماسك. إن تكذيب رئاسة الجمهورية لوجود أي خلافات مع الحرس الثوري، والاعتراف الصريح بالصعوبات الاقتصادية، والتحرك الميداني لمواجهة الفساد، كلها مؤشرات على دولة حية وواعية لمكامن قوتها وضعفها.

الرهان على انكسار إيران من الداخل بسبب ضغوط المعيشة أو تباين وجهات النظر السياسية هو رهان يتجاهل “العصبية الوطنية” التي تظهر دائما لدى الإيرانيين في لحظات الخطر الداهم.. 

إن إيران لا تدار بعقلية “الانتحاريين” كما تروج بعض المنصات، بل بعقلية استراتيجية باردة تحسب خطواتها بدقة، وتؤمن بأن وحدة القيادة هي الصخرة التي ستتحطم عليها كافة المؤامرات الخارجية، مهما بلغت شدة العواصف الاقتصادية أو العسكرية. وفي نهاية المطاف، يبقى “اتفاق الآراء” هو الشعار الحقيقي الذي يحرك سفينة الدولة الإيرانية نحو شاطئ الأمان، وسط محيط متلاطم من الأزمات.

كلمات مفتاحية: