خبير اقتصادي إيراني: العقوبات قديمة والاقتصاد الإيراني أكثر صلابة

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة جوان أونلاين الإيرانية الأصولية، الأربعاء 24 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع مهدي خورسند، خبير الدبلوماسية الاقتصادية، تناول تداعيات تفعيل آلية الزناد على الاقتصاد الإيراني، مؤكدا أن العقوبات ليست جديدة على إيران وأن الأهم هو إدارة آثارها النفسية وتفعيل قدرات الترانزيت والتعاون الإقليمي لتحصين الاقتصاد.

وفي ما يلي نص الحوار:

إلى أي مدى يمكن أن يغير تنفيذ آلية الزناد الأوضاع الاقتصادية لإيران؟

بالنظر إلى القضايا التي واجهتها بلادنا طوال العقدين الماضيين، ومنذ أواخر التسعينيات حين أثير ملف البرنامج النووي وبدأت العقوبات النووية، تعرضت بلادنا لعقوبات متعددة في مجالات مختلفة بما في ذلك القيود المصرفية والتجارية وغيرها، وهو ما جعل الاقتصاد الوطني يتأثر. 

ومع ذلك، فقد وصل اقتصاد البلاد إلى مرحلة “الصلابة”، إذ إن إعادة فرض بعض العقوبات السابقة ليست مسألة جديدة على إيران، وعلى الرغم من أنه لا يمكن التغاضي بسهولة عن إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن وفق القرار 1929 ضد البلاد، إلا أن إيران ومنذ عام 2017، حين انسحب ترامب من الاتفاق النووي ومنعت العقوبات الأميركية بلادنا من الاستفادة الطبيعية من الاتفاق، مرت بظروف صعبة.

وعليه، فإن عقوبات أوروبا أيضا، وبسبب التجربة السابقة لإيران مع القيود التجارية، سيكون لها أثر نفسي أكثر من أي أثر عملي، وقد رأينا أنه في الأيام التي كان الحديث فيها يدور حول العقوبات، شهدت أسعار الذهب والدولار تقلبا وارتفعت بنسبة تقارب 10%، وهو ما خلق عبئا نفسيا ثقيلا على البلاد، إلا أن هذا الأثر يُكبح مع مرور الوقت.

أما فيما يتعلق بحجم مبيعات النفط بعد تفعيل آلية الزناد، وهي قضية مطروحة بقوة هذه الأيام، فيجب القول إن هذه الظروف تكاد تكون مشابهة لظروف البلاد في الأعوام ما بين 2010 إلى 2013، حيث أظهرت الإحصاءات أننا واصلنا بيع النفط، وحتى بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ورغم ما حدث من اضطراب أولي في مبيعات النفط، فإن الأوضاع عادت إلى طبيعتها واستمر تصدير النفط.

Image

هل لهذه العقوبات طاقات تنفيذية جديدة أم أنها ذات طابع رمزي ونفسي أكثر؟

أحد الأبعاد الاقتصادية للعقوبات هو جعل الأوضاع المالية والاقتصادية مشروطة، ولم ينجح المسؤولون الإيرانيون في تحييد الموجات النفسية وعدم ربط اقتصاد البلاد بالدولار، وهذا الفشل أضر بالبلاد، كما أننا لم نشهد خطة واضحة من الحكومات المتعاقبة في مثل هذه الظروف، هذه العقوبات أكثر مما تحمل من عبء واقعي وضغط مباشر على البلاد، حملت معها عبئا نفسيا ثقيلا.

أي قطاعات أو صناعات يمكنها أكثر من غيرها الاستفادة من القدرات الداخلية أو من الشركاء الإقليميين لتحييد آثار العقوبات الجديدة؟

العديد من الصناعات والمسارات في إيران غير قابلة للعقوبات المباشرة، الموقع الجيوسياسي الفريد للبلاد يتيح فرصا كبيرة، كان يمكن استثمار هذه الفرص عبر تفعيل الممرات الترانزيتية، وهي ممرات العبور التجارية واللوجستية، أو من خلال الاستفادة في سنوات الاتفاق النووي من آلية “سواب الطاقة”، أي مقايضة الطاقة مع دول الجوار، إضافة إلى جذب المستثمرين الأجانب الراغبين في الاستثمار في إيران، في هذه الحالة لكانت إيران أقل تأثرا اليوم بتفعيل آلية الزناد.

قطاع النقل والترانزيت من أبرز المجالات القادرة على مقاومة العقوبات، استكمال الممرات الداخلية سواء السككية أو البرية أو البحرية يمكن أن يربط الشرق بالغرب ويعزز الدور الجيوسياسي لإيران بما يخدم مصالحها.

إكمال مشروع رشت – آستارا في شمال إيران لربط السكك الحديدية مع أذربيجان وروسيا،  ومشروع زاهدان – جابهار في جنوب شرق البلاد لربط الموانئ الإيرانية بممرات التجارة الدولية، هذه المشاريع كان من شأنها أن تقدم دعما كبيرا للاقتصاد، التباطؤ في إنجازها يعد تقصيرا غير مغتفر ويستوجب المحاسبة.

فإنني أرى أن الترانزيت يلعب دورا أساسيا في تحصين الاقتصاد الإيراني ضد العقوبات، الترانزيت يجعل اقتصادات دول المنطقة أكثر ارتباطا بالجغرافيا الإيرانية وأكثر اعتمادا عليها.

خلال الأعوام الأخيرة، كانت الصين المشتري الرئيس للنفط الإيراني، فمع ازدياد القيود التجارية على إيران، ما السيناريوهات الممكنة لاستمرار هذا المسار؟

لقد أعلنت الصين معارضتها لتفعيل آلية الزناد وأكدت استعدادها للتعاون مع إيران، فالصينيون منذ سنوات مشترون رئيسيون للنفط الإيراني وحصلوا على تخفيضات أيضا، وبطبيعة الحال، هذه التخفيضات ليست حكرا على إيران، فالتخفيضات التي تحصل عليها الصين من روسيا أكبر بكثير، وحتى تلك التي تحصل عليها من السعودية وفنزويلا لا تقل عمّا تحصل عليه من إيران.

ومع تفعيل آلية الزناد، يجب رصد سلوكيات الصين، غير أن المواقف الاعتراضية التي أبدتها في الأيام الماضية تشير إلى رغبة الصين في إقامة علاقات أوثق مع إيران، وبالنظر إلى المكانة التي حددتها الصين لنفسها في النظام الدولي، وسعيها نحو نظام جديد على المستوى الإقليمي والعالمي، يبدو أنها لن تتبع العقوبات الأميركية، وأن مستوى التعاون بين إيران والصين لن يتغير، وإن كان من الممكن أن تتأثر علاقات إيران مع دول أخرى بآلية الزناد.

ما نوع العقود طويلة الأمد أو عقود المقايضة التي يمكن أن تضمن أمن صادرات النفط الإيراني؟

إن التعاون الإيراني ضمن الأطر الإقليمية مثل منظمة شنغهاي للتعاون، والبريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، يمكن أن يتيح لبلادنا فرصا كبيرة لاستعادة الأسواق التي قد نفقدها تحت تأثير تفعيل آلية الزناد، وهذا أمر مهم يستدعي التخطيط، لكن للأسف لم يكن لدينا أي خطة للاستفادة من هذه المنظمات الإقليمية، وغياب التخطيط جعلنا نفقد الكثير من الفرص.

على سبيل المثال، تم الاتفاق على آلية التعامل بالريال والروبل بين إيران وروسيا، بحيث يمكن عبر بطاقة الشبكة المصرفية الإيرانية “شتاب” الحصول على الروبل مقابل الريال والعكس، ومثل هذه الآليات يمكن عقدها مع الروبية الهندية وبقية دول منظمة شنغهاي للتعاون، مثل طاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان والصين وغيرها، وهذه الخطوات يمكن أن تساعد البلاد على تجاوز مستوى الضغوط.

ما الفرص التي تملكها إيران في التعاون الاقتصادي مع أوراسيا والدول المجاورة والتي يمكن أن تساهم في تحييد جزء من ضغوط العقوبات؟

نظرا لتكامل اقتصادات الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية، فإن ذلك يمكن أن يساعد إيران كثيرا في عدد من هذه الدول، معظمها مستورد للطاقة وتمثل أسواقا جيدة للمنتجات الإيرانية، كما يمكن لإيران أيضا تصدير الخدمات الفنية والهندسية إليها.

على سبيل المثال، هناك إمكانية لتصدير صناعة الشركات الناشئة إلى تلك البلدان، في فترة سابقة كان لإيران أكثر من 30 ألف مهندس في آسيا الوسطى، حيث شاركوا في بناء السدود والطرق والجسور، ولا تزال بصمات الخدمات الإيرانية حاضرة هناك.

وجود عدد كبير من الخانات التاريخية في إيران يعكس أن البلاد لعبت دائما دورا ترانزيتيا مهما في المنطقة عبر التاريخ، من هنا تبرز الحاجة إلى استكمال الحلقة المفقودة في الترانزيت بشرق وجنوب البلاد.