- زاد إيران - المحرر
- 766 Views
أجرى موقع “تجارت نيوز“، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، حوارا مع حميد أمين إسماعيلي، رئيس اللجنة الاقتصادية في حزب “اتحاد ملت إيران”، تناول سبل الخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إيران، وسبل الاستفادة من حالة الانسجام الوطني التي تبلورت بعد الحرب مع “إسرائيل”.
وفي ما يلي نص الحوار:
كيف يمكن الاستفادة من حالة الوحدة بعد الحرب لإعادة تعريف موقع إيران في سلسلة التوريد الإقليمية؟
إنّ الظروف الراهنة، وحالة الوحدة والانسجام النسبي التي تحقّقت في أعقاب العدوان الخارجي على البلاد، يجب أن تُستثمر في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، والتكنولوجيا العالمية، والتعاون الإقليمي والدولي، وذلك من خلال تغيير السياسات والمقاربات القائمة.
ويجدر التنبيه إلى أنه إذا تصرّفت الحكومات والمسؤولون لدينا بذكاء ويقظة، فإنّ استقطاب الاستثمارات الأجنبية – سواء كانت إقليمية أم عالمية – سيؤدي إلى دخول التكنولوجيا والإدارة المناسبة والحديثة إلى البلاد، وبالتالي، يمكن من خلال توظيف الحلقة المفقودة في مسار التنمية الاقتصادية، أي رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا والإدارة، حلّ جزء من المشكلات القائمة في البلاد.
وتُظهر تجارب الدول المتقدّمة أو النامية الناجحة في القرنين العشرين والحادي والعشرين، أنّ تحقيق التنمية غير ممكن من دون الالتفات إلى هذه العوامل الثلاثة – إلى جانب بعض العوامل الأخرى.
وعليه، تبرز الحاجة إلى تشكيل غرف تفكير على المستوى الوطني، وكذلك على المستويين القطاعي والإقليمي، بمشاركة مختصين محبّين لإيران، والمؤسسات الفنية والاستشارية في البلاد، من أجل إعادة النظر في السياسات، والبرامج، والسلوكيات الحكومية القائمة.

ما الجوانب التي ترى أنها بحاجة إلى إصلاح؟
إنّ إصلاح التوجّهات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد يجب أن يكون في خدمة التنمية والتقدّم، وإذا كنّا نرغب في أن نحظى بالكرامة والمكانة اللائقة في العالم، وأن تستمر حياتنا بعزّة وتتعمّق، فلا بد أن تكون التنمية والتقدّم هي القضية الأساسية في البلاد.
ينبغي أن نركّز على المصالح الوطنية والتنموية لإيران، علينا أولا أن نفكّر في إيران، وعندما تستقر وتنهض وتتقدّم، يمكن آنذاك – بوصفه واجبا أخلاقيا – الالتفات إلى الآخرين.
كما يجب أن يكون إصلاح السياسات الإقليمية من الأولويات، ومنذ عام أو عامين بدأت هذه العملية، ولحسن الحظ، بالتدرّج، ويجب مواصلة هذا المسار وتعميقه، وصولا إلى مراحل جديدة من التعاون الإقليمي.
كذلك، ينبغي أن يكون إصلاح السياسة الخارجية في اتجاه خفض التوتّر مع النظام العالمي أولوية أخرى للبلاد، إنّ التجربة العالمية وتجارب الدول المتقدّمة خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين تُظهر أن أيّ دولة لم تستطع تحقيق التنمية والتحوّل والتقدّم الحقيقي وهي في حالة توتّر مع النظام العالمي، لذلك، يجب الاستفادة من هذه التجربة البشرية والعمل على تنظيم علاقاتنا مع النظام العالمي.
كما أن من الضروري تغيير السياسات والمقاربات في مواجهة قضايا كبرى مثل الفساد، والتمييز، وانعدام الشفافية، والفقر، وسوء الإدارة، ومشاركة الناس في شؤونهم، وهناك إحصاءات دقيقة نسبيا حول كلّ واحدة من هذه القضايا، وهي تشير إلى وضع غير ملائم للغاية لدينا.
فعلى سبيل المثال، تُفيد الإحصاءات الرسمية أن أكثر من 30% من سكان البلاد يعيشون في فقرٍ مطلق، أي أن نحو ثلث السكان يعانون من فقرٍ مدقع لا يتيح لهم تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، وهذا الواقع يُعدّ مأساة حقيقية لبلدٍ يمتلك خلفية حضارية وثروات باطنية ورأسمال بشري هائل كما هو حال إيران.
هل يمكن لإيران أن تستفيد من طاقات الإيرانيين في الخارج لتحقيق أهدافها التنموية التي أشرتم إلى بعضها؟
ينبغي بلا شك الاستفادة من الرأسمال الهائل المتمثّل في الإيرانيين المقيمين في الخارج، ولا سيما في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، من أجل تشكيل جماعات ضغط مؤيّدة لإيران في الدول المتقدّمة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 4 إلى 5 ملايين إيراني يعيشون في الولايات المتحدة والدول الصناعية، وهم في الغالب من المتعلمين، ويُعدّون من الرأسمال البشري، كما أن الكثير منهم لا يزالون يحملون مشاعر الانتماء لوطنهم، ويجب الاستفادة من طاقاتهم لتحسين أوضاع البلاد، وتشكيل جماعات ضغط تدافع عن إيران، تماما كما قامت بعض الدول الأخرى بإنشاء مثل هذه اللوبيات واستفادت منها على نطاق واسع.
إلى جانب ذلك، لا بدّ من تأسيس روابط، وتحالفات، وتعاون إقليمي، وبالنظر إلى أن علاقاتنا مع دول المنطقة شهدت بعض التحسّن خلال العام أو العامين الماضيين، يجب أن نُوجّه هذا التحسّن نحو تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية، والتكنولوجية، والاجتماعية، والإقليمية.
ومن النقاط الأخرى التي تستوجب اهتماما خاصا، مسألة احترام مبدأ حقوق الملكية وضمان أمنها داخل البلاد، إذ من شأن ذلك أن يُعزّز الثقة ويوفّر بيئة آمنة لاستقطاب الاستثمارات، سواء المحلية منها أو الأجنبية.

كيف يمكن خلق الثقة والاطمئنان اللازمين لجذب الاستثمارات إلى البلاد، خاصة في ظل وجود مشكلات كبيرة حتى أمام المستثمرين المحليين؟
إن تحسين بيئة الأعمال بشكل جاد، واحترام حقوق الملكية، ودعم كامل من قِبل جميع مؤسسات الحكم، وخاصة السلطة القضائية، سيهيّئ بيئة مناسبة للمستثمرين المحليين، فطالما لم نُهيّئ الظروف للمستثمر المحلي، فلن يأتي المستثمر الأجنبي أيضا إلى البلاد.
عندما يرى المستثمر الأجنبي أن المستثمرين المحليين يفرّون من البلاد وينقلون رؤوس أموالهم إلى أماكن أخرى لأسباب مختلفة، فمن الطبيعي أنهم لن يثقوا بالبيئة الاستثمارية في إيران، ولن يدخلوا السوق الإيرانية.
رغم كلّ هذه الظروف، هل يمكن للنظام أن يتغلّب على معضلة التضخّم المزمنة في البلاد؟
على أي حال، لا بدّ من التفكير الجاد لإيجاد حلّ يساهم في خفض التضخّم المرتفع والمستمر بشكل ملموس، والسعي لجعله أحادي الرقم، هذا الهدف يبدو أنه موجود ضمن الأهداف والبرامج المعلنة، لكننا للأسف لم نتمكّن من تحقيقه خلال السنوات الست أو السبع الماضية.
فقد بلغ معدّل التضخّم خلال هذه السنوات أكثر من 30%، وهذا يُعدّ، في الأدبيات الاقتصادية العالمية، كارثة حقيقية، ومن البديهي أن بلدا يعاني من تضخّم بمعدّلات 40 أو 50% لن تكون لديه إمكانية جادّة لتحقيق التنمية.
كما يجب، من خلال التدابير الاقتصادية والسياسية، العمل على الحدّ من تقلّبات سعر الصرف.
ما مدى مساهمة النخب والمتخصصين في تمهيد الطريق لتحسين الأوضاع الاقتصادية وتحقيق التنمية؟
إذا كنّا نرغب فعلا في إصلاح الأوضاع، فلا بدّ أن يتمّ ذلك من خلال توظيف ومشاركة الرأسمال البشري والمؤسّسي الإيراني، يجب الاستفادة من النخب، والمتخصصين، والمؤسسات العلمية والتخصصية والاستشارية في البلاد.
ولا يعني هذا الاستغناء عن الطاقات والخبرات الفنية الدولية، لكن من الطبيعي أنه إذا كنّا عاجزين عن توظيف رأسمالنا البشري والمؤسّسي، فلن نكون قادرين أيضا على الاستفادة من الرأسمال المالي، أو التنظيمي، أو المؤسّسي الدولي.
ويجب أن نُحسن الاستفادة الواعية من التجربة البشرية خلال القرن الأخير في مجال التغيير والتحوّل التنموي، فقد انخرطت العديد من الدول في مسار تحوّلات اقتصادية واجتماعية جادّة على مستوى العالم، وينبغي أن ندرس ما فعلته تلك الدول، وأن نستلهم من تجاربها بما يتناسب مع ظروفنا الداخلية.
ما مدى إسهام النقابات المهنية في تحسين أوضاع البلاد؟
القضية المهمّة لتحقيق التنمية والتحوّل في البلاد هي أن يكون كلٌّ من الدولة والمجتمع، وفقا لتعبير بعض كبار منظّري التنمية، قويَّين ومتمكّنين، أما الآن فنحن نواجه دولة ومجتمعا ضعيفين؛ فالدولة ضعيفة وعاجزة، والمجتمع كذلك ضعيف ومفتقر إلى التنظيم.
ينبغي على الحكومات أن تنظر إلى تنظيم المجتمع باعتباره فرصة، غير أن الحكومات تعتبر تنظيم المجتمع تهديدا لها، وتوجّه كامل طاقاتها الأمنية والاستخبارية نحو الحيلولة دون تنظيم المجتمع وتشكّله، وهذا من بين أكبر الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها الحكومات على مدى العقود الخمسة أو الستة الأخيرة.
وإذا كنّا نرغب في بناء مجتمع قوي، فلا بد من تهيئة الأرضية له كي ينظّم نفسه في إطار النقابات المهنية، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الاجتماعية.
تواجه البلاد، إلى جانب الحرب، عقبات كبيرة كالعقوبات، وعدم العضوية في FATF، والجمود في التبادلات المصرفية الدولية، مما عطّل عمليات الاستيراد والتصدير، فهل من السهل تجاوز هذه المعضلات؟
إذا كنّا نرغب فعلا في تنظيم مسار التحوّل في البلاد، وتوسيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، فلا بدّ من معالجة قضايا العقوبات، وانسداد علاقات النظام المصرفي الإيراني مع النظام المالي العالمي، ووجود إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF).
فمن غير الممكن، في ظل العقوبات – سواء المفروضة من الولايات المتحدة أو من الأمم المتحدة – وفي ظلّ الجمود في منظومة التبادلات المالية الدولية، جذب استثمارات داخلية وخارجية، لا سيما الأجنبية، إلى البلاد.
إلى جانب ذلك، يجب أن تنعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالاستقرار، كما ينبغي أن تتّسم البرامج والإدارات بالثبات، فبلدٌ لا يتمتع بالاستقرار السياسي، ولا ببرامج مستقرة، ولا بإدارة مستقرة، لن يكون قادرا على تحقيق تنمية وتحوّل وتقدّم جاد، وللأسف، فإننا نحمل في هذا المجال تقييما سيئا للغاية.
كيف يمكن الاستفادة من حالة الانسجام الوطني في إيران بعد حرب إيران وإسرائيل لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟
يبدو أنه ما لم يتم الالتفات إلى مجموعة القضايا الأساسية، فلن يكون بالإمكان الاستفادة من هذا الانسجام الداخلي، ولا من هذه الوحدة النسبية التي تشكّلت داخل البلاد، لإعادة تعريف موقع إيران في سلسلة التوريد الإقليمية، بل وحتى العالمية.
إن تحوّل إيران وتنميتها مرهونان بمراجعة جذرية للقضايا الرئيسية التي تواجه البلاد، والتفكير الجاد في حلول لها، والآن، بعد هذه الحرب القصيرة التي خضناها مع إسرائيل (ونأمل أن تكون قد انتهت وألا تتكرّر)، يُعدّ هذا التوقيت فرصة مناسبة لتشكيل غرف تفكير بالتعاون مع خبراء ومتخصصين محبّين لإيران، تُفضي إلى سياسات وبرامج وخطط عمل تُمكّن من إعادة النظر في السياسات المتّبعة داخل البلاد.
نأمل أن يسود التعقّل والتدبير داخل منظومة الحكم لدينا، وأن يتمّ تعزيز بعض الإشارات والمؤشرات الإيجابية التي نتلقّاها بين الحين والآخر، حتى تتحوّل حالة الوحدة الوطنية والانسجام الداخلي القصيرة التي نشأت، من خلال الإجراءات الجادة للدولة والحكم، إلى حالة مستدامة، ويُمهّد الطريق لظهور إيران قوية، متطوّرة، ومتقدّمة.

