- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 219 Views
كتب: الترجمان
لم تكن الجلسة الدبلوماسية العاصفة التي استضافها منتجع “بورجنشتوك” الجبلي الفاخر المطل على بحيرة لوسيرن في سويسرا مجرد جولة تفاوضية اعتيادية ضمن مسارات العمل الدبلوماسي التقليدي؛ بل تحولت على مدار 18 ساعة متواصلة من حبس الأنفاس والترقب الدولي إلى ساحة صراع إرادات حاد وعنيف بين طهران وواشنطن.
بدأت الرسائل السياسية الإيرانية الحازمة شديدة اللهجة بالظهور علنا منذ اللحظة الأولى التي حطت فيها طائرة الوفد الإيراني برئاسة رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في مطار زيوريخ الدولي. فقد تعمدت طهران، في خطوة بالغة الدلالة الرمزية والسياسية، وضع شعار “ميناب 168” بشكل بارز ومكثف على هيكل الطائرة الرسمية الناقلة للوفد. هذا الشعار جاء ليمثل تذكيرا صارخا وفجا للإدارة الأمريكية بالجريمة التاريخية المتمثلة في قصم واستهداف مدرسة “ميناب” الإيرانية، والتي أسفرت آنذاك عن استشهاد 168 طالبا وطالبة من الأطفال الأبرياء.
هذا الحضور الإيراني لم يكن بروتوكوليا؛ إذ ضم الوفد النواة الصلبة لصناعة القرار الإستراتيجي والاقتصادي في البلاد، وعلى رأسهم وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، إلى جانب كبار مسؤولي قطاع النفط، وممثلين بارزين عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وقد جاء هذا الوفد إلى الأراضي السويسرية مثقلا بملفات إقليمية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد، وكان الهدف الأساسي والمباشر من هذه الرحلة هو وضع الإدارة الأمريكية الجديدة أمام اختبار حقيقي لتقييم مدى التزامها العملي والميداني بالخطوط العريضة لـ “تفاهم إسلام آباد” الإطاري المؤقت. هذا التفاهم، المكون من 14 مادة جوهرية، والذي جرى التوصل إليه الأسبوع الماضي عبر جهود وسيطة، كان بمثابة حجر الأساس الذي استندت إليه مناورات بورجنشتوك، حيث أرادت طهران فحص النوايا الأمريكية قبل الانتقال إلى أي خطوة أعمق.

كواليس البداية: معركة الـ 80 دقيقة الأولى وسياسة “البرود الإيراني”
انطلقت اللقاءات في أروقة المنتجع السويسري الهادئ وسط تدابير أمنية مشددة وأجواء وصفتها مصادر دبلوماسية مطلعة مقربة من الرئاسة السويسرية بأنها كانت “صريحة، حادة، وصادقة إلى أبعد حد ممكن”. بدأت الأجندة بسلسلة من اللقاءات الثنائية والتمهيدية التي عقدها الوفد الإيراني مع وزير الخارجية السويسري إيغنازيو كاسيس، باعتبار سويسرا الدولة الراعية والمستضيفة، تلتها مشاورات مكثفة مع الوسطاء الإقليميين والدوليين الذين لعبوا دورا محوريا في صياغة المرحلة الانتقالية، وعلى رأسهم رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يرافقه قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، الذين بذلوا جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر وتفادي أي انهيار مبكر للمحادثات.
عقب هذه اللقاءات التمهيدية، التأمت الجلسة الرباعية الرسمية الكبرى التي عُرفت في الأوساط الدبلوماسية بـ “اجتماع بحيرة لوسيرن“. وخلال الدقائق الثمانين الأولى من عمر هذه الجلسة، حاول الوفد الأمريكي، الذي ترأسه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وضم في عضويته كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب المقربين، ستيف ويتكوف وجيرد كوشنر، الدفع بملف البرنامج النووي الإيراني وتخفيض نسب تخصيب اليورانيوم إلى واجهة وطاولة النقاش كأولوية أمريكية مطلقة. وادعى الوفد الأمريكي في طروحاته الأولية أن هناك تفاهمات ضمنية سابقة قد تحققت بالفعل بشأن هذا الملف، وأنه يجب البناء عليها فوراً لإحراز تقدم سياسي تستفيد منه إدارة ترامب لإثبات نجاح مقاربتها.
إلا أن الوفد الإيراني، وبحسب ما كشفه لاحقا عضو الوفد حسين قربان زادة في تصريحات صحفية تلقت وسائل الإعلام الإقليمية تفاصيلها، جابه هذه الطروحات الأمريكية بسياسة “البرود التام” والتجاهل المطلق للمطالب والمحاولات الأمريكية الرامية لتغيير أجندة الاجتماع. ورفض الوفد الإيراني رفضا قاطعا الخوض في أي حديث أو تفصيل يتعلق بالملف النووي في تلك اللحظة الحرجة، مصرا على أن الأولوية المطلقة، والوحيدة، وغير القابلة للنقاش هي التنفيذ الحرفي والكامل لبنود التفاهم الإجرائية المؤقتة.
وأبلغ المفاوضون الإيرانيون الجانب الأمريكي والوسطاء بشكل حاسم بأن الدخول في مفاوضات الاتفاق النهائي الشامل، والمقرر لها أن تمتد على مدار 60 يوما، مشروط جملة وتفصيلا وبشكل غير قابل للتجزئة بالتنفيذ العملي والملموس على الأرض لكافة البنود الواردة في المادة 13 من تفاهم إسلام آباد، وهي البنود التي تشكل الخطوات الإجرائية الإلزامية لبناء الثقة.

جبهة الداخل الإيراني: ضغوط “المعارضين” وظلال حرب الـ 40 يوما
لم تكن الضغوط التي واجهها الوفد الإيراني في منتجع بورجنشتوك الجبلي قادمة من الجانب الأمريكي أو الأطلسي فحسب، بل كانت كواليس التفاوض المعقدة وتصرفات المفاوضين تتأثر وتتحرك تحت وطأة احتقان سياسي وشعبي هائل يغلي داخل العاصمة طهران. فبالتزامن مع انطلاق الجلسات في سويسرا، شن التيار المتشدد في إيران هجوما عنيفا، منسقا، وموازيا على الوفد المفاوض وعلى توجهات الحكومة برمتها. وفجّر النائب البارز عن مدينة مشهد، علي أصغر نخعي راد، قنبلة سياسية عبر تدوينة لاذعة حظيت بمتابعة واسعة في الداخل، هاجم فيها بشدة رحلة قاليباف وعراقجي إلى سويسرا.
واعتبر نخعي راد أن الجلوس مع الأمريكيين في ظل استمرار الاعتداءات والقصف الإسرائيلي العنيف والدموي على مناطق جنوب لبنان والبقاع يمثل نوعا من “الدبلوماسية الالتماسية” متسائلا بكثير من التشكيك عن الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن، ومتسائلا عن الجدوى من تقديم تنازلات مجانية لصالح إدارة أمريكية مجربة وموثوقة الغدر.
وتكشف الخلفيات السياسية العميقة في طهران أن هذا الهجوم النيابي والإعلامي الحاد لم يكن وليد اللحظة، بل يمثل امتدادا جليا لرفض هذا التيار العقائدي الواسع لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي أنهى ما بات يُعرف بـ “حرب الـ 40 يوما”. هذه الحرب الشرسة والمدمرة، كانت قد أسفرت عن استشهاد قادة عسكريين كبار ومسؤولين إيرانيين بارزين، مما ترك جرحا عميقا في الوجدان الاستراتيجي للتيار الأصولي.
ومع تسرب أخبار مفاوضات سويسرا، فتحت منابر “المتشددين” نيرانها السياسية الثقيلة على تحركات قاليباف وعراقجي وبزشكيان. وتطور الأمر ميدانيا في طهران إلى خروج تجمعات غاضبة لمتظاهرين مرتدين أكفانا بيضاء أمام المقر الرئيسي لوزارة الخارجية في بطهران، حيث رددوا شعارات تتهم الفريق الدبلوماسي بالتهاون، والنفوذ، والتفريط في دماء الشهداء وصيانة إنجازات المقاومة.
هذا الضغط الداخلي الخانق والهائل فرض على الوفد الإيراني في سويسرا أن يتحرك بيقظة وحذر مضاعفين، متبنيا مواقف استراتيجية متصلبة للغاية لقطع الطريق أمام أي ثغرة تفاوضية أو سياسية يمكن أن تُستغل ضده من قبل خصومه في الداخل لإسقاط التفاهمات أو إضعاف الموقف السياسي للحكومة.

لحظة الانفجار الكبير: قنبلة ترامب التويترية والانسحاب الإيراني الحاسم
في الوقت الذي كانت فيه الأجواء الدبلوماسية في سويسرا تسير نحو التهدئة النسبية، وكان مراسل قناة الجزيرة الإخبارية المتواجد في بهو المنتجع يستعد لتقديم رسالته المباشرة على الهواء لنقل تفاصيل مراسم بروتوكولية نمطية تهدف لتبادل وثائق المرحلة الأولى عبر الوسطاء، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأجواء السياسية من العاصمة واشنطن. فقد أطلق ترامب تغريدات نارية عبر منصته الرسمية “إكس” تزامنا مع إدلائه بتصريحات هاتفية عاجلة ومباشرة لشبكة “فوكس نيوز”، وجّه فيها تهديدات عسكرية وأمنية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية، وخارجة تماماً عن الحد الأدنى من الأعراف الدبلوماسية المتبعة بين الدول.
هدد ترامب علنا وبشكل صريح بـ “تدمير إيران ومحو قدراتها” في حال أقدمت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري على اتخاذ أي خطوة لإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة الدولية. ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل وجّه تهديدا مباشرا وشخصيا لأعضاء الوفد الإيراني المفاوض المتواجدين في سويسرا، متوعدا بـ “منعهم من العودة إلى بلادهم واحتجازهم في الخارج وتوقيف طائرتهم”، زاعماً بلهجة استعلائية أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة العسكرية الكاملة للسيطرة المطلقة على المضيق، والاستحواذ المباشر على 20% من إجمالي إمدادات النفط العالمية المتدفقة عبر هذا الممر المائي الحرج. وترافقت هذه الهجمة الترامبية الشرسة مع خطاب تدميري مواز أطلقه السناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام، الذي دعا بوضوح إلى ضرب المنشآت الحيوية في عمق إيران إذا لم يتوقف حزب الله في لبنان عن مواصلة ضرباته الصاروخية.
هذه التهديدات الأمريكية الفجة والعلنية باحتجاز الدبلوماسيين الإيرانيين في سويسرا ومنعهم من حرية الحركة أثارت موجة عارمة من الغضب العارم والرفض القاطع داخل أروقة الوفد الإيراني المفاوض. ولم يتأخر الرد الإيراني؛ إذ سارع رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، إلى نشر رد صاعق وحاسم عبر منصته الشخصية في “إكس”، تداولته وكالات الأنباء العالمية على نطاق واسع، قال فيه: “نحن في إيران لا نقيم وزناً أو قيمة لتهديدات الأمريكيين الجوفاء.. وقواتنا المسلحة الباسلة مستعدة تماماً وبأعلى درجات الجاهزية للرد بطريقة أخرى تختلف عن لغة الكلام، فنحن أهل الفعل لا القول، والتاريخ يشهد على ذلك”.

وفي خطوة كواليسية دراماتيكية شلت الحركة تماما في ردهات وممرات المنتجع السويسري، أعلن الوفد الإيراني انسحابه الفوري والكامل من قاعة الاجتماعات الرباعية وتجميد الجلسة المباشرة مع الجانب الأمريكي والوسطاء بشكل كامل. ونقلت شبكة “الميادين” الإخبارية عن مصادر دقيقة من داخل الوفد، أن طهران وضعت شرطين صارمين، متصلبين، وغير قابلين للمساومة للتراجع عن قرار التعليق والعودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات:
- صدور اعتذار رسمي وواضح ومكتوب من الرئيس دونالد ترامب أو إدارته ينهي مفاعيل التهديد باحتجاز الدبلوماسيين.
- الالتزام بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري وغير مشروط من كافة الأراضي المأهولة والقرى التي جرى التوغل فيها في جنوب لبنان، متجاوزةً بذلك المطالب الدولية التقليدية الاكتفاء بوقف العمليات الهجومية، إلى المطالبة بإنهاء مفاعيل الاحتلال الميداني.

دبلوماسية الغرف المغلقة: 18 ساعة من حبس الأنفاس والتنقل المكوكي
عقب الانسحاب الإيراني المفاجئ والمدوي من طاولة الاجتماعات، خيّم شبح الفشل الشامل على أجواء منتجع بورجنشتوك، وعاشت الأروقة الدبلوماسية السويسرية ساعات طويلة وعصيبة من الاضطراب والترقب الشديدين. وسارعت وسائل الإعلام الغربية والأمريكية، مثل “نيويورك تايمز” وشبكة “سي إن إن”، إلى نشر تقارير عاجلة تتحدث عن الانهيار الوشيك للمفاوضات وعودة خيارات المواجهة العسكرية المباشرة إلى الواجهة في منطقة الشرق الأوسط.
أمام هذا المنعطف الخطير، تدخلت الدبلوماسية القطرية والباكستانية بكامل ثقلها السياسي والأمني وعبر تشغيل مكثف لـ “القنوات الخلفية” السرية لإنقاذ الموقف ومنع خروج الأوضاع عن السيطرة. تحولت الصيغة التفاوضية فوراً من الاجتماعات المباشرة وجهاً لوجه إلى نمط “الدبلوماسية المكوكية الموزعة” عبر الغرف المغلقة. وتنقل رئيس الوزراء القطري والمسؤولون الباكستانيون لساعات طوال، امتدت في عمق الليل، بين الأجنحة الخاصة بالوفد الإيراني والأجنحة الخاصة بالوفد الأمريكي، حاملين الصياغات ومقترحات التعديل اللغوي والسياسي لتقريب وجهات النظر المتباعدة.
واستغل الوسطاء في حوارهم مع الجانب الأمريكي رغبة إدارة ترامب الحقيقية والملحة في السعي نحو “فتح صفحة جديدة دائمة وثابتة” في ملفات الشرق الأوسط، وتجنب توريط الولايات المتحدة في انزلاق شامل ومدمر نحو حرب إقليمية واسعة النطاق، لما لها من عواقب كارثية ومباشرة على أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الأمريكي الداخلي الذي وعد ترامب بإصلاحه. قاد هذا الماراتون التفاوضي المعقد والمضني، بعد 18 ساعة كاملة من الشد والجذب وإعادة صياغة الجمل خلف الأبواب المغلقة، إلى صياغة بيان ختامي مشترك حظي برعاية وضمانة قطرية-باكستانية مباشرة، وجاء ليلبي الشروط الإيرانية الجوهرية ويحفظ ماء وجه كافة الأطراف.

النتائج الاستراتيجية: انتزاع السيادة الفوقية في لبنان وإدارة مضيق هرمز
أسفرت المحصلة النهائية لهذه الجولة الماراثونية العنيفة، وبناء على البيانات والتقارير الصادرة عن لجنة الإعلام الخاصة بوفد “ميناب 168” الإيراني، عن انتزاع طهران لمجموعة من المكاسب الاستراتيجية والأمنية البالغة الأهمية، والتي اعتبرها المراقبون بمثابة إعادة رسم لقواعد الاشتباك والموازين الإقليمية في المنطقة:
أولا: تثبيت معادلة لبنان الأمنية وشرعنة النفوذ: نجح الضغط الإيراني المتصلب في فرض استمرار وقف إطلاق النار الهش في الجبهة اللبنانية وحمايته من الاختراقات الإسرائيلية المتكررة. والأهم من الناحية الإستراتيجية والسياسية هو إقرار تأسيس آلية مراقبة دولية وميدانية متخصصة تُدعى “وحدة ضبط الصراع”.
وجاء الامتياز الإيراني الأكبر في فرض مشاركة رسمية، مباشرة، وعلنية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذه الوحدة الدولية، بالتزامن مع فرض إقصاء كامل، مطلق، ونهائي للكيان الصهيوني من عضوية أو إدارة هذه الآلية. ويمثل هذا البند نجاحاً هائلاً للدبلوماسية الإيرانية في شرعنة وتثبيت دورها الأمني والعسكري الإقليمي في الملف اللبناني برضا دولي وأمريكي، مجهضةً بذلك كافة المحاولات والمشاريع الأمريكية والغربية السابقة التي كانت تسعى بشكل حثيث لعزل طهران وتجريد حلفائها من الغطاء السياسي.
ثانيا: فرض السيادة المطلقة على مضيق هرمز: ردّا على تهديدات ترامب، فرض الوفد الإيراني إدراج بند أمني ملزم ينص على إنشاء “خط اتصال مباشر وآمن وسريع” يربط بين غرف العمليات البحرية المعنية. وتلتزم بموجب هذا البند القوات البحرية التابعة للأطراف الدولية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، بالاتصال الفوري والمباشر بالسلطات البحرية الإيرانية (الحرس الثوري والجيش) وإبلاغها رسميا بأي إشكالات فنية، أو لوجستية، أو طارئة تحدث للسفن والناقلات في المضيق.
ويمثل هذا الإجراء اعترافا دوليا وأمريكيا صريحا وضمنيا بالسيادة الإيرانية الكاملة، والإشراف والسيطرة الحصرية لطهران على هذا الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية. كما جرى الاتفاق، برعاية ودعم صيني غير مباشر في الكواليس، على إعفاء كافة السفن التجارية وناقلات النفط من دفع أي رسوم عبور إضافية أو استثنائية طيلة فترة الـ 60 يوما القادمة، لضمان استقرار الأسواق وتدفق الإمدادات دون عوائق.

النتائج الاقتصادية: رضوخ “أوفاك” وتدفق أموال النفط عبر القنوات الرسمية
على الصعيد الاقتصادي والمالي، الذي يمثل الشريان الحيوي لفك الحصار عن الاقتصاد الإيراني المنهك تحت وطأة سنوات العقوبات، حقق وفد طهران نتائج تاريخية وملموسة تفعيلا وتطبيقاً للبند رقم 10 من تفاهمات إسلام آباد الإطارية:
إسقاط العقوبات النفطية الصارم: رضوخا واستجابةً للشرط الإيراني الحازم الذي رهن استمرار أي مسار تفاوضي بتقديم تنازلات اقتصادية فورية، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) وثائق رسمية وإعفاءات قانونية ملزمة تقضي بالتعليق الفوري، والرفع، والإسقاط التام لكافة العقوبات الثانوية والأولية المفروضة على قطاع النفط الإيراني، وصادرات البتروكيماويات، والغاز الطبيعي، والمشتقات النفطية المختلفة، على أن يسري هذا الإعفاء القانوني الشامل لمدة 60 يوماً متواصلة وقابلة للمراجعة بناءً على التقدم الفني.
فتح مسارات التبادل المالي المصرفي الرسمي: إن الأهمية القصوى لهذه التسهيلات والإعفاءات الصادرة عن واشنطن لا تكمن فقط في السماح لإيران ببيع نفطها بشكل رسمي وعلني للعملاء الدوليين والشركات العالمية دون خوف من المطاردة القانونية أو الحجز، بل تكمن في البند المالي الذي انتزعته طهران، والذي يمنحها الحق القانوني الكامل في استقبال وتلقي العوائد المالية المتأتية من مبيعات النفط والغاز مباشرة، ودون أي مواربة، عبر الآليات الحسابية والمنظومات المصرفية الرسمية التابعة للبنك المركزي الإيراني والبنوك التجارية المعتمدة لديه.
الرهان الإيراني وقواعد “التحقق الميداني الصارم”
رغم هذه النتائج الإيجابية الباهرة والمكاسب الاستراتيجية الكبيرة التي تمكن الوفد الإيراني من انتزاعها في منتجع بورجنشتوك، محولا البداية الصعبة التي كادت تعصف بالمنطقة إلى نهاية وصفها الوسطاء القطريون والباكستانيون بأنها “واعدة، مثمرة، ومؤسسة لمرحلة جديدة”، فإن طهران آثرت إنهاء هذه الجولة العاصفة بجرعة مكثفة من الحذر والواقعية السياسية.
ويبدو جليا أن القاعدة الاستراتيجية الذهبية والصارمة التي حكمت كواليس الـ 18 ساعة العصيبة في سويسرا، والتي ستتحكم في مستقبل الصراع والدبلوماسية بين الطرفين، هي القاعدة الإيرانية الراسخة: “لا دخول في أي اتفاق نهائي أو تقديم تنازلات فنية دون تحقق كامل، شامل، ورؤية النتائج ملموسة بالعين المجردة على أرض الواقع الميداني والاقتصادي”.

