من اليورانيوم الخام إلى الأدوية المشعة: إيران تستكمل دورة الوقود النووي رغم العقوبات


نشرت صحيفة “همشهري” الإيرانية، يوم السبت 12 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن إيران باتت من الدول القليلة في العالم التي نجحت في امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة رغم العقوبات والضغوط الدولية المكثفة، ويشمل هذا الإنجاز الاستراتيجي جميع مراحل الدورة النووية، بدءا من استخراج خام اليورانيوم، مرورا بتحويله وتخصيبه، ثم تصنيع مجمّعات الوقود النووي، وصولا إلى إنتاج النظائر المشعة الطبية، وإدارة النفايات.

ذكرت الصحيفة أن إيران تُعد من الدول القليلة في العالم التي نجحت، رغم الضغوط الشديدة من القوى الكبرى، في الوصول إلى دورة الوقود النووي الكاملة.

 وتشمل هذه الدورة: استخراج خام اليورانيوم، تحويله إلى غاز UF6، التخصيب، تصنيع مجمّعات الوقود، إنتاج الأدوية المشعة، وإدارة النفايات، وقد تم تطويرها اعتمادا على القدرات المحلية والبنية التحتية الوطنية.

وأضافت أن هذا التقرير يستعرض بالتفصيل مختلف مكونات هذه الدورة، والتقدم الذي أحرزته إيران في كل جزء منها.

1. استخراج اليورانيوم

أوضحت أن إيران تمتلك موارد طبيعية من اليورانيوم تم تحديد مواقعها واستغلالها في عدة مناطق من البلاد، ومن بين هذه المناجم:

  • منجم ساغند يزد: يقع هذا المنجم على عمق يزيد عن 350 مترًا تحت الأرض، ويُعد من أوائل مشاريع استخراج اليورانيوم في إيران، ويُنقل اليورانيوم المستخرج من هذا المنجم إلى مصنع أردكان، حيث يُحوّل إلى “الكعكة الصفراء” (U3O8).
  • منجم جَتشين بندرعباس: وهو منجم سطحي أكثر، وتتم فيه عمليات الاستخراج والمعالجة في الموقع نفسه، ونظرا لموقعه الجغرافي القريب من المياه الجنوبية، يحظى هذا المنجم بأهمية لوجستية كبيرة، إلا أن الاستخراج منه قد توقّف مؤخرا لأسباب لم تُوضّح، بحسب آخر الأخبار.

وبيّنت  أن بعض التقارير تشير إلى أن القدرة الاستخراجية لليورانيوم قد تجاوزت 70 طنا سنويا، ويُعد الاستثمار في الصناعات التعدينية الخاصة باليورانيوم مؤشرا على توجّه إيران الاستراتيجي نحو تأمين سلسلة إنتاج الوقود النووي بشكل مستقل وعلى المدى البعيد.

تحويل المواد الخام إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6)

بيّنت  أن خام اليورانيوم يُستخرج بدايةً من المناجم، ثم يُطحن ويُحوّل إلى مسحوق، ويُغسل هذا المسحوق بحمض الكبريتيك لفصل اليورانيوم عن باقي المواد، بعد ذلك يُجفف المحلول الناتج ويُصفّى ليُنتج “الكعكة الصفراء” (U3O8).

وأوضحت أن هذه المادة بعد استخراجها وإنتاج الكعكة الصفراء، يجب أن تُحوّل إلى شكل يمكن استخدامه في التخصيب، وتُجرى هذه العملية في منشأة تحويل اليورانيوم (UCF) في مدينة أصفهان، والتي تُعد من أكثر المراكز النووية تقدما في البلاد، حيث تمتلك القدرة على تحويل U3O8 إلى UF6 وUF4 وUO2.

وأضافت أن عملية التحويل تتضمن مراحل كيميائية معقدة، يُحوَّل خلالها الكعكة الصفراء أولا إلى ثاني أكسيد اليورانيوم (UO2)، ثم إلى رباعي فلوريد اليورانيوم (UF4)، وأخيرا إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6)، وهو الشكل الوحيد الذي يمكن استخدامه في أجهزة الطرد المركزي لعملية التخصيب.

كما لفتت إلى أن الطاقة الإنتاجية السنوية لهذا المركز تبلغ عدة مئات من الأطنان من غازي UF6 وUO2، وتمكنت إيران أيضا من توطين تصنيع معدات إنتاج معدن اليورانيوم، والتي تُستخدم في تصميمات الوقود المتطورة والأبحاث المتعلقة بمواد الطاقة النووية.

وأشارت إلى أن مركز UCF لا يقتصر دوره على التحويل فقط، بل يُعد أيضا القاعدة الرئيسية لتطوير المعرفة والتكنولوجيا الكيميائية النووية في البلاد، وأسفرت الأبحاث التي أُجريت فيه عن تحسين جودة العمليات، وتقليل الملوّثات، وزيادة الكفاءة.

3. تخصيب اليورانيوم: تكنولوجيا تم توطينها رغم العقوبات

وبيّنت “همشهري” أن عملية تخصيب اليورانيوم تعني رفع نسبة نظير U-235 في التركيبة الطبيعية لليورانيوم، وهو النظير القابل للانشطار النووي، ففي اليورانيوم الطبيعي، لا تتجاوز نسبة ذرات U-235 نسبة 0.7%، ولأغراض الاستخدام في المفاعلات، لا بد من زيادة هذه النسبة.

أجهزة الطرد المركزي

أوضحت أنه في هذه التقنية، يُضخ غاز UF6 (سداسي فلوريد اليورانيوم) داخل أجهزة طرد مركزي تدور بسرعات عالية جدا، وتؤدي قوة الطرد المركزي إلى دفع النظير الأثقل (U-238) نحو الأطراف، بينما يتجه النظير الأخف (U-235) نحو المركز، ومن خلال تكرار هذه العملية في سلسلة من أجهزة الطرد، يتم الوصول إلى تركيز مرغوب فيه من U-235.

التطوير المحلي لأجهزة الطرد المركزي: من IR-1 حتى IR-9

وتابعت “همشهري” أن إيران، رغم ظروف العقوبات القاسية، نجحت في تصميم وتصنيع أنواع متقدمة من أجهزة الطرد المركزي:

  • IR-1: الجيل الأول المحلي.
  • IR-2m وIR-4
  • IR-6: يتميز بقدرة تفوق عدة أضعاف قدرة IR-1، ويُستخدم حاليا في موقعي نطنز وفردو.
  • IR-8 وIR-9: أجيال قيد التطوير تتمتع بكفاءة عالية.

وأكدت أن هذه الإنجازات تمثّل دليلا واضحا على قدرة إيران في مجال الهندسة العكسية والابتكار في تكنولوجيا التخصيب.

مواقع التخصيب في إيران: من نطنز إلى فوردو

وبيّنت  أن موقع نطنز يُعتبر قلب عمليات التخصيب في البلاد، ويحتوي على آلاف من أجهزة الطرد المركزي النشطة، إضافة إلى قاعات تحت الأرض مقاومة للهجمات.

أما موقع فردو، فهو منشأة تقع في أعماق جبال مدينة قم، وقد صُمّم في البداية لتخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، ويُستخدم حاليًا لتشغيل أجهزة IR-6.

وأشارت كذلك إلى أن مدينتي أصفهان وكرج تمثلان مراكز لتطوير وتجميع وصيانة معدات الطرد المركزي.

تصنيع مجمّع الوقود النووي

وأوضحت  في تقريرها، أن تصنيع مجمّع الوقود النووي يُعد حلقة حيوية في سبيل تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، إذ إنه يُحوّل اليورانيوم المخصّب إلى هيئة أقراص (pellets)، وأعمدة (pins)، ومجمّعات وقود كبيرة (fuel assemblies).

تحويل غاز UF6 إلى UO2

أفادت بأنه قبل تصنيع الأقراص، يجب تحويل غاز UF6 إلى مسحوق ثاني أكسيد اليورانيوم (UO2)، وهي مرحلة تتم في منشآت UCF بمدينة أصفهان، وتتطلب دقة كيميائية عالية نظرا لأن غاز UF6 مادة شديدة التآكل والتفاعل.

تصنيع أقراص الوقود

وبيّنت أن مسحوق UO2 يُضغط بدرجات حرارة مرتفعة ويُشكّل في صورة أقراص سيراميكية متينة، يجب أن تستوفي معايير دقيقة من حيث الكثافة، والنقاء، والوزن، والقدرة على تحمل الحرارة، وقد أصبحت إيران تمتلك هذه التكنولوجيا بالكامل ضمن مصنع إنتاج الوقود في أصفهان (FMP).

تجميع القضبان ومجمّعات الوقود

أضافت أن الأقراص تُوضع داخل أنابيب من الزركونيوم لتشكيل قضبان طويلة، حيث تُرصّ عشرات القضبان إلى جانب بعضها لتُشكّل مجمّع وقود واحد، ثم تُرسل هذه المجمعات إلى محطات الطاقة مثل محطة بوشهر أو مفاعل طهران البحثي.

5. إنتاج الأدوية المشعة: الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية

وبيّنت “همشهري” أن إيران تُعد من الدول القليلة في آسيا التي تستخدم اليورانيوم المخصب لإنتاج النظائر المشعة الطبية، وهو استخدام إنساني وحيوي وجدير بالتقدير.

مفاعل طهران البحثي

أوضحت أن في هذا المفاعل، يتم تعريض أهداف معدنية معينة مثل الموليبدنوم أو اليود للنيترونات، مما يُنتج نظائر مشعة تُستخدم في تشخيص وعلاج أمراض مثل السرطان. ولأجل إنتاج هذه النظائر، تحتاج إيران إلى يورانيوم مخصب بنسبة 20%، وقد نجحت منذ عام 2010 في تصميم وقود محلي لهذا الغرض بمفاعل طهران.

إنتاج وتوزيع الأدوية المشعة

أفادت أن منشآت في إيران تنتج سنويا ملايين الجرعات من الأدوية المشعة، وتُرسلها إلى المستشفيات في جميع أنحاء البلاد، كما تشمل خططها تصدير هذه المنتجات إلى دول المنطقة.

النظائر المنتجة

وذكرت أن من أبرز النظائر الطبية التي تُنتجها إيران:

  • Tc-99m: يُستخدم في تصوير القلب والعظام والكلى.
  • I-131: لعلاج سرطان الغدة الدرقية.
  • Lu-177 وSm-153: لعلاج أنواع مختلفة من السرطان.

6- إعادة معالجة الوقود المستهلك

وتابعت أن إعادة معالجة الوقود المستهلك تُعد الخطوة النهائية لإغلاق دورة الوقود النووي، وتعني استخراج المواد القابلة لإعادة الاستخدام من الوقود الذي تم استهلاكه، وفي إيران، تُطوَّر هذه التكنولوجيا بشكل محدود حتى الآن.

استرجاع البلوتونيوم وU-235

وأوضحت أن الوقود المستهلك في محطات الطاقة لا يزال يحتوي على نسبة من اليورانيوم-235، إضافة إلى كمية صغيرة من البلوتونيوم-239، ويُمكن فصل هذه العناصر عبر عمليات كيميائية معقدة، لتُستخدم من جديد في الدورة النووية.

7. إدارة النفايات النووية: مسؤولية علمية وبيئية

وأضافت “همشهري” أن النفايات المشعة يجب أن تُدار بدقة ووفقا للمعايير الدولية.

تصنيف النفايات

  • منخفضة النشاط (LLW): مثل الفلاتر، والقفازات، والمعدات المستهلكة.
  • متوسطة النشاط (ILW): مثل الراتنجات وأجزاء من المفاعل.
  • مرتفعة النشاط (HLW): وهي الوقود المستهلك من المفاعلات.

الدفن الآمن والتخزين

وبيّنت أنه في إيران تُدفن النفايات، سواء مؤقتا أو دائما، في مواقع خاصة تراعي معايير  الدولية للطاقة الذرية، وذلك باستخدام خزانات فولاذية وخرسانية، ودفنها في طبقات جيولوجية مستقرة، مع عمليات تسجيل ومراقبة دائمة.

أهمية الوصول إلى دورة الوقود النووي الكاملة 

وأكدت أن الوصول إلى دورة وقود نووي كاملة، بدءا من استخراج خام اليورانيوم وحتى إنتاج الوقود المخصب، وصناعة الأدوية المشعة، بل وإعادة المعالجة، يُعد دليلا قاطعا على نضج التكنولوجيا النووية في أي دولة.

ولفتت إلى أن امتلاك هذه الدورة لا يُظهر فقط مستوى عاليا من الكفاءة العلمية والهندسية، بل يُعد عنصرا ضامنا للأمن الاستراتيجي واستقرار التكنولوجيا النووية.

وأوضحت أن بلوغ دولة ما، هذا المستوى من التطور يعني أنها لم تَعُد بحاجة إلى استيراد الوقود أو التقنيات الحساسة، وأصبحت قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع مراحل الإنتاج، مما يقلل بدرجة كبيرة من المخاطر والتبعات الناتجة عن العقوبات، أو الضغوط السياسية، أو حتى التهديدات العسكرية المحتملة.

وشددت صحيفة “همشهري” على أن التجارب الدولية أثبتت أن تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم لا يمكن القضاء عليها بسهولة، نظرا لأن تجهيزاتها ومعرفتها التقنية منتشرة في عدة مراكز وتم توطينها بمرور الزمن، وبالتالي، فإن الدولة التي تُثبّت هذه الدورة الكاملة تصبح قوة تكنولوجية مستقلة لا يمكن إيقاف مسارها العلمي أو استخدامها السلمي للطاقة النووية عبر أي ضغط خارجي أو تهديد.

واختتمت  تقريرها، بتأكيد أن إيران، من خلال تطويرها الناجح لجميع مراحل هذه الدورة، بدءا من استخراج اليورانيوم وحتى إنتاج الوقود والأدوية المشعة، قد استطاعت ترسيخ مكانتها كواحدة من الدول القليلة التي تمتلك تكنولوجيا نووية متكاملة، معتبرة هذا الإنجاز الكبير رمزا للقوة العلمية والاستقلال التكنولوجي، وبوابة نحو مستقبل واعد في مجال الطاقة المستدامة والطب النووي في إيران.