صراع الأجنحة وتهديدات “خرازي”: قراءة في زلزال التصريحات ضد عراقجي

تشهد الساحة السياسية الإيرانية حالة من الغليان عقب التصريحات النارية التي أطلقها محمد باقر خرازي، أمين حزب الله الإيراني، والتي تجاوزت حدود النقد الدبلوماسي المألوف لتصل إلى حد التهديد الوجودي لمؤسسات الدولة. إن اتهام وزير الخارجية بـ “الوهن” أو “التبعية” في المفاوضات ليس أمرا جديدا في أدبيات التيار المتشدد، لكن الجديد والخطير هو ربط اسم عراقجي بمؤامرة داخلية استهدفت مقر إقامة القيادة العليا، وهو اتهام يخرج من سياق التباين السياسي ليدخل في سياق التخوين الأمني والمباشر. 

هذه اللهجة التصعيدية لا تستهدف شخص الوزير فحسب، بل تسعى إلى محاصرة حكومة بزشكيان برمتها، ووضع الخطوط الحمراء أمام أي محاولة لترميم العلاقات مع الغرب أو العودة إلى طاولة المفاوضات النووية، مما يشير إلى أن التيار الذي يمثله خرازي يرى في الدبلوماسية تهديداً لمصالحه العقائدية والاقتصادية.

التناقض الأيديولوجي: من تجريم “الاغتشاش” إلى التهديد بـ “التدمير”

تضع تصريحات خرازي النظام السياسي والقضائي في إيران أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير، حيث تسلط الضوء على فجوة واسعة في تطبيق معايير الأمن القومي. ففي السنوات الماضية، واجه المحتجون في الشوارع الإيرانية أقسى العقوبات تحت مسمى “مكافحة الشغب” و”الإخلال بالأمن”، بينما نجد اليوم شخصية سياسية محسوبة على التيار المتشدد تهدد علانية بـ “تدمير وزارة الخارجية” والنزول إلى الشارع لإسقاط خيارات الدولة الرسمية دون رادع فوري. 

هذا التناقض يثير تساؤلات مشروعة حول مفهوم “القانون” ومن هم المستثنون من تطبيقه؛ فإذا كان التظاهر ضد السياسات الاقتصادية يُعد جريمة أمنية، فكيف يُصنف التهديد بهدم أركان الدولة وتخوين كبار مسؤوليها؟ إن صمت المؤسسات الرقابية والقضائية تجاه هذا الخطاب يعزز الشعور بوجود “حصانة سياسية” لبعض التيارات، مما يضعف هيبة الدولة ومفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون.

Image

الجذور والظلال: تاريخ حزب الله قم وصناعة النفوذ

لا يمكن فهم شخصية محمد باقر خرازي دون العودة إلى جذوره التاريخية والاجتماعية، فهو ينتمي إلى “آل خرازي” ذوي النفوذ الواسع في هيكل السلطة، لكنه اختار مسارا يمزج بين العمل الحزبي الشعبي والبروباغندا الدينية المتشددة. تعيدنا الذاكرة السياسية إلى تسعينيات القرن الماضي، وتحديدا إلى مكتب “حزب الله في قم”، حيث كانت تلك التشكيلات تعمل في مناطق رمادية بين العمل الثقافي والتنظيم العقائدي، مستقطبة الشباب عبر أدوات بسيطة ومستفيدة من الأجواء المشحونة آنذاك. هذا التاريخ يفسر اليوم لماذا يمتلك خرازي الجرأة على مخاطبة الحكومة بهذه اللغة؛ فهو لا يتحدث بلسانه فقط، بل بلسان إرث طويل من الجماعات الضاغطة التي ترى نفسها حارسة للثورة، حتى وإن كان ذلك يعني التمرد على قرارات مؤسسات الثورة الرسمية ذاتها حينما تتعارض مع رؤيتها المتصلبة.

اقتصاد الحصار وظلال “نوبيتکس”: البعد المالي للأزمة

خلف الستار السياسي والمناورات الكلامية، تبرز تقارير اقتصادية تضفي بعدا أكثر تعقيداً على مشهد عائلة خرازي، وخاصة ما نشرته وكالة “رويترز” حول شركة أموال “نوبیتکس”. إن الربط بين أسماء من الجيل الثالث لهذه العائلة وبين كبرى منصات العملات الرقمية في إيران يفتح باب التأويلات حول صراع المصالح. ففي اقتصاد يعاني من وطأة العقوبات، تصبح مسارات نقل الأموال عبر العملات الرقمية شريان حياة ومنطقة نفوذ هائلة. 

وهنا يطرح المحللون تساؤلا: هل الهجوم على وزارة الخارجية وعرقلة المفاوضات ينبع فقط من منطلقات أيديولوجية، أم أنه دفاع استباقي عن “اقتصاد التحريم” الذي يزدهر في ظل غياب الشفافية والتعاملات البنكية الدولية؟ إن بقاء إيران في القائمة السوداء والمناطق الرمادية اقتصادياً قد يكون مفيدا لجهات معينة، مما يجعل من الدبلوماسية عدوا ليس فقط للعقيدة، بل للمكاسب المالية المرتبطة بالالتفاف على العقوبات.

Image

الدبلوماسية في الميزان: تفكيك المواقف الدولية والسيادة المتخيلة

انتقد خرازي محاولات الوزير عراقجي للتمييز بين سياسات دونالد ترامب والاحتلال الإسرائيلي، واصفا إياها بالتضليل الذي يتجاهل الدور الأمريكي المباشر. هذا النقد يعكس ضيق أفق سياسي يرفض “البراغماتية” التي تحاول الحكومة الحالية ممارستها للمناورة في فضاء دولي معقد. وبالنظر إلى سجل خرازي الانتخابي وتصريحاته السابقة حول إعادة الأراضي المنفصلة عن إيران مثل تاجيكستان وأرمينيا، نجد أننا أمام خطاب “شعبوي عابر للحدود” لا يعترف بقواعد القانون الدولي أو التوازنات الإقليمية. 

إن وعوده السابقة بجعل الدولار بألف تومان أو استعادة الأراضي دون قطرة دم تكشف عن نمط من التفكير السياسي الذي يعتمد على دغدغة العواطف القومية والدينية بعيدا عن الواقعية، وهو ذات النمط الذي يستخدمه اليوم لتهديد حكومة “بزشكيان” وعرقلة أي مسار عقلاني للخروج من الأزمات الراهنة.

مستقبل الدولة والقانون تحت وطأة التهديد الداخلي

القضية اليوم ليست مجرد خلاف بين “خرازي” و”عراقجي”، بل هي معركة حول “هوية الدولة” ومستقبل المؤسسات في إيران. فإذا سُمح للخطاب الداعي للدمار والخراب بأن يمر مرور الكرام، فإن ذلك سيعني شرعنة “الفوضى المنظمة” وفتح الباب أمام كل تيار سياسي لتهديد الحكومة إذا لم تتوافق قراراتها مع رغباته.

استقرار إيران في هذه المرحلة الحساسة يتطلب وحدة في تطبيق المعايير القانونية، حيث لا ينبغي أن يكون الانتماء لأسرة نافذة أو تيار ديني متشدد صك غفران يتيح لصاحبه تهديد السلم الأهلي وتدمير المقار الحكومية. 

إن الرأي العام الإيراني يراقب بدقة كيف ستتعامل السلطات مع هذا التحدي، وما إذا كان القانون سيبقى “سيفا مسلطا” على الضعفاء فقط، أم أنه سيكون المرجعية النهائية التي تحمي الجميع وتخضع الجميع للمساءلة دون استثناء.

Image

صراع الوجود بين “دولة المؤسسات” و”مراكز النفوذ الموازية”

الهجوم العنيف الذي شنه محمد باقر خرازي على وزير الخارجية عباس عراقجي ليس مجرد “شغب سياسي” أو اختلاف في وجهات النظر حول السياسة الخارجية، بل هو تجلٍ صارخ لأزمة بنيوية عميقة تعيشها إيران، تضعها أمام مفترق طرق تاريخي. ويمكن تلخيص المآلات التحليلية لهذا الصراع في النقاط التالية:

  • تآكل هيبة الدولة: إن تهديد شخصية سياسية بهدم مقر وزارة سيادية واتهام كبار مسؤوليها بالخيانة العظمى دون رادع فوري، يضرب في صميم مفهوم “الدولة” ويحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والأيديولوجية. هذا الصمت المؤسسي قد يفسره البعض بأنه عجز عن لجم التيارات المتطرفة، مما يشجع على ظهور “إقطاعيات سياسية” ترى نفسها فوق القانون.
  • اقتصاد التحريم كعقبة جيوسياسية: تبرز قضية “نوبيتكس” والظلال المالية لعائلة خرازي لتكشف أن الأيديولوجيا المتشددة قد تكون في كثير من الأحيان غطاء لمصالح اقتصادية مرتبطة بـ “اقتصاد الظل”. فالانفتاح الدبلوماسي ورفع العقوبات يعني عودة الشفافية المالية والرقابة الدولية، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً للشبكات التي اغتنت من الالتفاف على العقوبات والتعامل بالعملات الرقمية بعيداً عن الأنظمة البنكية الرسمية.
  • اختبار “السيادة الداخلية” لبزشكيان: تمثل هذه التصريحات محاولة مبكرة لـ “تقليم أظافر” حكومة مسعود بزشكيان، ووضعها في حالة دفاع دائم عن النفس. الهدف هو شل حركة الدبلوماسية الإيرانية ومنعها من استغلال الثغرات في المشهد الدولي (مثل التمييز بين ترامب والاحتلال الإسرائيلي)، وإبقاء إيران في حالة مواجهة مستمرة تخدم الراديكاليين داخليا.
  • ازدواجية المعايير الأمنية: تضع هذه الأزمة القضاء الإيراني تحت مجهر الرأي العام؛ فالمقارنة الحتمية بين التعامل الأمني الخشن مع الاحتجاجات الشعبية، وبين “الحصانة” التي يتمتع بها المحرضون من داخل التيار المتشدد، تعمق الفجوة بين السلطة والشارع، وتنزع الشرعية عن شعارات “الأمن القومي” حين يتم توظيفها بشكل انتقائي.

إيران اليوم لا تواجه تهديدات خارجية فحسب، بل تواجه “زلزالا داخليا” يسعى فيه التيار المتشدد لإثبات أن “الشارع العقائدي” أقوى من “صندوق الاقتراع” ومن “المؤسسة الرسمية”. إن مستقبل الدولة الإيرانية يعتمد على قدرتها على فرض سيادة القانون على الجميع، وتفكيك الارتباط العضوي بين الخطاب المتطرف والمصالح المالية العابرة للحدود، وإلا فإن البديل سيكون الانزلاق نحو “فوضى منظمة” يقودها من يعتقدون أن حماية الثورة تمر عبر تدمير مؤسساتها.