- زاد إيران - المحرر
- 11 Views
ساعات صعبة عاشتها مياه مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة، بعدما تحولت المنطقة إلى بؤرة توتر مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل تصاعد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي والتحركات الميدانية المتسارعة. وبين مشاهد التصعيد ومحاولات احتواء الموقف، بدت المنطقة وكأنها تتحرك فوق خط دقيق يفصل بين التهدئة المؤقتة والانفجار الواسع. كما عكست التطورات الأخيرة حجم التعقيد الذي بات يحكم المشهد الإقليمي، وسط ترقب دولي حذر لما يمكن أن تؤول إليه الساعات المقبلة. وفي ظل هذا المناخ المضطرب، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل الأزمة وإمكانية منعها من الانزلاق نحو مواجهة أكبر يصعب احتواء تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
مضيق هرمز.. مناورات عسكرية ورسائل بالنار
بدأ التصعيد الأبرز مساء الخميس، 7 مايو/ آيار 2026، عندما أعلنت وسائل إعلام إيرانية وقوع هجمات أمريكية على سفن إيرانية ومدنية في محيط مضيق هرمز وبحر مكران، في وقت تحدثت فيه تقارير أمريكية عن استهداف ناقلات نفط إيرانية كانت تحاول كسر الحصار البحري، على حد وصفها، الذي فرضته واشنطن على الموانئ الإيرانية. ووفق الرواية الإيرانية، فإن القوات الأمريكية شنت هجوما على سفينة شحن مدنية قرب سواحل ميناب، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، وسقوط عدد من الضحايا بين قتيل ومفقود وجريح.

كما أفادت السلطات المحلية في محافظة هرمزكان بأن السفينة المستهدفة كانت تقل خمسة عشر بحارا، أصيب عشرة منهم، فيما فقد خمسة آخرون قبل أن يعلن لاحقا العثور على جثمان أحدهم، فيما أثارت الحادثة موجة غضب واسعة في الإعلام الإيراني، الذي وصف الهجوم بأنه اعتداء على سفينة مدنية وخرق واضح لوقف إطلاق النار الذي كانت واشنطن تؤكد تمسكها به.
لكن التصعيد لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد ساعات من الهجوم الأول، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن اشتباكات متقطعة بين زوارق الحرس الثوري الإيراني والسفن الأمريكية داخل نطاق مضيق هرمز، في واحدة من أخطر جولات الاحتكاك البحري منذ بداية الأزمة. وأكدت تقارير متطابقة أن القوات الإيرانية والأمريكية تبادلتا إطلاق النار طوال ساعات الليل، فيما حلقت مقاتلات أمريكية فوق منطقة الخليج وخليج عمان.

وفي المقابل، أعلنت الولايات المتحدة أنها ردت على تهديدات إيرانية استهدفت ثلاث سفن حربية أمريكية في المضيق، مؤكدة أن قواتها قامت بتدمير أهداف عسكرية إيرانية في جنوب البلاد، دون تسجيل إصابات في صفوف القوات الأمريكية. كما بث الجيش الأمريكي تسجيلات مصورة قال إنها تظهر استهداف ناقلتي نفط إيرانيتين حاولتا الوصول إلى الموانئ الإيرانية رغم الحصار البحري.
وتزامن ذلك مع تقارير متضاربة عن تعرض قوارب صيد وسفن مدنية إيرانية أخرى لهجمات قرب ميناء خصب العماني، ففي حين تحدثت وكالة مهر الإيرانية عن فقدان ستة أشخاص وإصابة ستة آخرين بعد استهداف ستة قوارب تعود لصيادين من بندر لنجة، عاد محافظ المدينة نفسه لينفي لاحقا صحة الأرقام التي تداولتها بعض وسائل الإعلام، مؤكدا عدم وجود معلومات رسمية موثقة عن تلك الحادثة، ما عكس حجم الارتباك الإعلامي والسياسي الذي رافق تطورات الميدان.
ورغم الإعلان لاحقا عن توقف الاشتباكات وعودة الهدوء الحذر إلى المضيق، فإن المؤشرات الميدانية أظهرت أن التهدئة لا تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة. فقد أكد مصدر عسكري إيراني أن الاشتباكات توقفت مؤقتا، محذرا من أن أي محاولة أمريكية لمضايقة السفن الإيرانية أو دخول الخليج العربي قد تؤدي إلى استئناف المواجهات فورا.

وفي موازاة الاشتباكات العسكرية، تصاعدت المخاوف الدولية من تداعيات الأزمة على حركة الطاقة العالمية. فقد تحدثت تقارير غربية عن تسرب نفطي ضخم قرب جزيرة خرج الإيرانية، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية بقعة نفطية امتدت لعشرات الكيلومترات المربعة في مياه الخليج. وأشارت تقارير بيئية إلى احتمال تعرض مناطق بحرية حساسة لخطر التلوث في حال استمرار التسرب.
كما شهدت الملاحة البحرية اضطرابات غير مسبوقة، بعدما بقيت مئات السفن التجارية عالقة داخل الخليج نتيجة التوترات الأمنية، في حين ارتفعت أسعار النفط عالميا مع تصاعد المخاوف من إغلاق كامل للمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية.
المقترح الأمريكي.. بين التهدئة والضغط العسكري
في خضم هذه المواجهات، برز الحديث بقوة عن مقترح أمريكي جديد تسعى واشنطن من خلاله إلى إنهاء الأزمة المتفاقمة مع إيران، وسط مؤشرات على وجود مفاوضات غير مباشرة تدور خلف الكواليس منذ أسابيع، فتحدثت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية عن تبادل وثائق ومقترحات بين الجانبين خلال الأيام الأخيرة، تضمنت تصورات لاتفاق محتمل يقوم على إعادة فتح مضيق هرمز ووقف تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لعب بنفسه دورا أساسيا في الترويج لفكرة قرب التوصل إلى تفاهم، حين أعلن أكثر من مرة أنه ينتظر ردا إيرانيا قريبا، مؤكدا أن واشنطن قد تتلقى رسالة من طهران في أي لحظة، كما شدد ترامب على أن الولايات المتحدة ما زالت تعتبر وقف إطلاق النار قائما، رغم الضربات العسكرية المتبادلة.

لكن ترامب لم يكتف بلغة التهدئة، بل حرص في الوقت نفسه على توجيه رسائل تهديد واضحة لإيران. فقد لوح بإمكانية العودة إلى ما سماه مشروع الحرية بلس في مضيق هرمز إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، في إشارة إلى احتمال استئناف العمليات العسكرية الأمريكية الواسعة في المنطقة.
من جهته، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن تأمل في تلقي مقترح جدي من إيران يسمح بالدخول في مرحلة مفاوضات حقيقية، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تقبل بسيطرة إيرانية منفردة على مضيق هرمز أو فرض رسوم على السفن العابرة فيه. كما شدد على أن أي تهديد إيراني للقوات الأمريكية سيقابل برد حاسم.
هذا وتكشف التصريحات الأمريكية المتتالية عن محاولة مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري والفتح الجزئي لباب التفاوض. فمن جهة، واصلت واشنطن عملياتها العسكرية واستهداف السفن الإيرانية، ومن جهة أخرى أبقت الباب مفتوحا أمام التوصل إلى تفاهم سياسي يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وبحسب التغطيات التي تداولتها وسائل إعلام فإن المقترح الأمريكي يتضمن عمليا ثلاثة عناصر رئيسية، إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، والحد من النشاط العسكري البحري الإيراني في الخليج، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية والسماح بعودة جزء من صادرات النفط الإيرانية إلى الأسواق العالمية.
إلا أن طهران بدت حذرة في التعامل مع هذا الطرح. فالمواقف الإيرانية الرسمية لم تتضمن رفضا مباشرا للمفاوضات، لكنها أكدت في المقابل أن إيران لن تقدم تنازلات أحادية تحت الضغط العسكري. وأوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن الرد الإيراني “قيد الدراسة”، وسيتم تقديمه “في الوقت المناسب”، فيما وصف وزير الخارجية عباس عراقجي الضربات الأمريكية الأخيرة بأنها “مغامرة عسكرية متهورة” كلما اقتربت فرص الحل الدبلوماسي.
كما أظهرت التصريحات الإيرانية حرصا واضحا على تحميل واشنطن مسؤولية استمرار التوتر. فطهران تحاول، وفق مراقبين، تقديم نفسها باعتبارها الطرف المستعد للحوار، ولكن ضمن شروط تحفظ “الخطوط الحمراء” المتعلقة بالسيادة والبرنامج النووي ودورها الإقليمي.
دبلوماسية حافة الهاوية.. لماذا يتجنب الطرفان الحرب الشاملة؟
رغم حدة التصعيد العسكري، فإن المعطيات السياسية والاستراتيجية تشير إلى أن كلا من واشنطن وطهران لا يزالان يسعيان إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة واسعة النطاق، فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران ستؤدي إلى انفجار إقليمي ستكون له انعكاسات اقتصادية وسياسية ضخمة، ليس فقط على الشرق الأوسط، بل على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

كما أن واشنطن تبدو منشغلة بترتيبات دولية أوسع، خصوصا في ظل التنافس المتصاعد مع الصين. وتشير تقارير سياسية إلى أن ترامب يسعى إلى تجنب فتح جبهة استنزاف طويلة في الخليج قبل الدخول في ملفات استراتيجية أكثر تعقيدا مع بكين.
وفي المقابل، تبدو إيران أيضا حريصة على تجنب الحرب المفتوحة، رغم استمرارها في إظهار قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وفرض كلفة عالية على أي تحرك عسكري أمريكي. فطهران تدرك أن استمرار المواجهة لفترة طويلة سيؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية، خاصة في ظل العقوبات وتراجع الصادرات النفطية.
ويرى محللون أن ما يجري حاليا يمثل نموذجا واضحا لما يسمى “دبلوماسية حافة الهاوية”، حيث يستخدم الطرفان التصعيد العسكري المحدود كوسيلة لتحسين شروط التفاوض وليس كتمهيد لحرب شاملة. فالولايات المتحدة تريد انتزاع تنازلات تتعلق بالملاحة والبرنامج النووي، بينما تحاول إيران فرض الاعتراف بدورها الإقليمي وحقها في الحفاظ على جزء من قدراتها النووية والعسكرية.
وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الأخيرة للمحلل الإيراني جلال ساداتيان لتعكس المزاج السياسي السائد داخل طهران، حين أكد أن الرد الإيراني المتوقع لن يكون نعم بلا شروط ولا رفضا كاملا، بل سيحمل قدرا من المرونة التكتيكية يسمح باستمرار الحوار من دون تقديم تنازلات استراتيجية.

وبحسب هذا التقدير، فإن إيران قد تحاول إعادة الكرة إلى الملعب الأمريكي عبر إظهار استعدادها لمواصلة التفاوض، مع تحميل واشنطن مسؤولية أي فشل محتمل بسبب استمرار الضغوط العسكرية والمطالب التي تعتبرها طهران “تتجاوز الأطر التقليدية”.
وفي النهاية، يبدو أن الساعات التي فصلت بين ليل الخميس وصباح السبت كشفت حجم التعقيد الذي بات يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمواجهات العسكرية في مضيق هرمز أظهرت أن المنطقة تقف على حافة انفجار دائم، بينما أوضحت التحركات السياسية أن الطرفين ما زالا يبحثان، رغم كل شيء، عن صيغة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
ومع استمرار الحشود العسكرية، وتبادل الرسائل السياسية، وبقاء الملاحة العالمية رهينة التوتر في المضيق، يبقى السؤال الأهم معلقا، هل ينجح المسار الدبلوماسي في احتواء الأزمة، أم أن أي خطأ ميداني جديد قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يمكن التحكم بنتائجها؟
