- زاد إيران - المحرر
- 750 Views
مثلت واقعة كربلاء، التي وقعت في عام 61هـ-680م، حدثا محوريا في التاريخ عامة والتاريخ الشيعي بوجه خاص، ليس فقط من الناحية الدينية، بل أيضا من الناحيتين السياسية والاجتماعية، فسقوط الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه في مواجهة جيش يزيد بن معاوية تحوّل إلى رمز للثورة ضد الظلم، واستخدم عبر القرون كأداة لتعبئة الجماهير ضد الأنظمة التي وصفوها بالمستبدة، وفي إيران، ومع قيام الثورة هناك في العام 1979، تحول هذا الرمز من كونه ذكرى دينية إلى أداة سياسية وعسكرية فاعلة، خاصة في الحروب والصراعات التي خاضتها طهران.
يتناول هذا التقرير الاستقصائي كيف حولت إيران خطاب عاشوراء رمزا إلى العاشر من شهر محرم وهو تاريخ مقتل الحسين، إلى جزء أساسي من استراتيجيتها العسكرية والسياسية، بدءا من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات وصولا إلى الصراعات الحديثة مع إسرائيل وحلفائها في المنطقة، كما يبحث في تأثير هذا الخطاب على المجتمع الإيراني، والتحديات التي تواجهه في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وما إذا كان لا يزال قادرا على الحفاظ على فاعليته كأداة تعبوية في المستقبل مع تعاقب الأجيال.
الجذور التاريخية للتوظيف السياسي لكربلاء
لم يكن توظيف واقعة كربلاء في الخطاب السياسي الإيراني وليد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، بل هو امتداد لتقاليد عريقة وضاربة في عمق التاريخ السياسي والديني لإيران، تعود إلى قرون عديدة قبل الثورة، فمنذ قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر، وتحديدا في الفترة من 1501 إلى 1736م والتي اتخذت من المذهب الشيعي الاثني عشري المذهب الرسمي للدولة لأول مرة في تاريخ إيران، برزت الطقوس العاشورائية بوصفها عنصرا محوريا في تشكيل الهوية الدينية والسياسية للبلاد.

فيذكر رسول جعفريان في كتابه “تاريخ التشيع في إيران” أن الصفويون قد عمدوا إلى ترسيخ هذه الطقوس وإضفاء طابع رسمي وشعائري عليها، ليس فقط من أجل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، بل لتأكيد شرعيتهم السياسية بصفتهم حماة التشيع في مواجهة القوى السنية المحيطة، وفي مقدمتها الدولة العثمانية، المنافس التاريخي الأكبر للصفويين، وقد ساعد هذا التوظيف على خلق ارتباط وجداني بين مقاومة الحسين للظلم، وموقف الدولة من الأعداء الخارجيين، مما أضفى بعدا جهاديا على الحكم الصفوي.

وخلال العصر الصفوي كذلك، ظهر محتشم الكاشاني، الذي يعد من أوائل الشعراء الذين نقلوا واقعة كربلاء من إطارها الوجداني الديني إلى أفق سياسي رمزي عميق، حيث شكلت مراثيه، القطع الشعرية التي يرثي بها الحسين وآل البيت، نقلة نوعية في توظيف حادثة عاشوراء لأغراض تتجاوز الحزن والتأثر، إلى ترسيخ خطاب مقاومة الطغيان.

ففي قصيدته الشهيرة، “ما هذا الاضطراب الذي عم الدنيا؟”، التي أصبحت لاحقا نشيدا سنويا لعزاء المحرم، استحضر الكاشاني المظلومية الحسينية باعتبارها صرخة ضد الظلم، وجعل من الحسين رمزا للمقاومة في وجه كل سلطان جائر. وقد ساد هذا التوجه في أجواء ثقافية كانت تشهد تصاعدا لدور العلماء ورجال الدين، ما أعطى بعدا جديدا للشعر الحسيني، كوسيلة تعبئة اجتماعية وسياسية.
وينظر إلى تجربة الكاشاني بوصفها البذرة الأولى لتسييس الطقوس العاشورائية، إذ لم يكتفِ برثاء الإمام الشهيد، بل صاغ من مأساة كربلاء مفردات خطاب جمعي يربط بين الماضي والحاضر، فغدا الشعر الحسيني وسيلة لتأكيد الهوية، وتبرير الصراع السياسي على خلفية دينية، وهو ما وجدت فيه السلطة الصفوية أداة فعالة لتكريس مشروعها السياسي المذهبي، فتحول شعر الرثاء إلى خطاب تعبوي يلهب المشاعر، ويرسخ الشرعية من خلال إعادة تمثيل مأساة كربلاء بوصفها مرآة للواقع السياسي
كذلك، فقد استمر هذا المنحى في العصر القاجاري، في الفترة من 1789 إلى 1925م، حيث أصبحت كربلاء أداة تعبئة جماهيرية قوية في مواجهة التدخلات الأجنبية، خصوصا الروسية والبريطانية، التي بدأت تتغلغل في الشأن الإيراني بشكل متزايد. وقد وظف رجال الدين والمثقفون الشيعة رمزية كربلاء لتصوير الصراع مع القوى الاستعمارية على أنه امتداد لصراع الخير والشر، بين الحسين ويزيد، وبهذا الشكل، تم استحضار الإمام الحسين بوصفه رمزا للمقاومة في مواجهة الطغيان، سواء أكان طغيانا داخليا من قِبل الحكام القاجاريين الذين تشبهوا بيزيد، أو خارجيا من قبل المحتلين والمستعمرين.



(مظاهر إحياء مراسم العزاء في العهد القاجاري المتأخر)
لكن الاستخدام السياسي الأشد وضوحا وفعالية لواقعة كربلاء ظهر في القرن العشرين، خلال فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، عندما تحولت الطقوس العاشورائية إلى وسيلة مركزية في التعبئة الثورية. ففي تلك الفترة، شهدت إيران صعودا ملحوظا في دور رجال الدين، وعلى رأسهم روح الله الخميني، قائد الثورة والذي أتقن استخدام هذه الرمزية العاشورائية، وجعلها قاعدة لتحريك الشارع الإيراني ضد النظام البهلوي، فقد صور الخميني الشاه على أنه يزيد العصر، وجعل من الإمام الحسين نموذجا للمجاهد الثوري الذي لا يرضى بالذل، حتى لو كلفه ذلك حياته، واستطاع من خلال هذه اللغة أن يربط بين المظلومية التاريخية والواقع السياسي المعاصر، ما أكسب الثورة بعدا أخلاقيا ودينيا عميقا.

ومن هنا تحولت عاشوراء في هذا السياق من مجرد مناسبة دينية إلى منصة سياسية كبرى، تستخدم في الخطاب الديني والسياسي الإيراني كرمز دائم للصراع بين الحق والباطل، والمظلومية والمقاومة، فلم يكن توظيف كربلاء لم يكن مجرد خيار دعوي، بل استراتيجية سياسية متكاملة استخدمت في مختلف العصور لتعزيز شرعية السلطة، أو لتقويضها، بحسب السياق والفاعلين.
الأيديولوجية وتأسيس الدولة وتجربة حرب العراق
لم تتوقف رمزية عاشوراء والحسين الظمآن المقتول في صحراء كربلاء بعد انتصار الثورة عام 1979، بل أصبحت هذه الرمزية أحد الأعمدة الأيديولوجية التي قامت عليها الدولة الجديدة، حيث لم تعد كربلاء مجرد ذكرى دينية تستحضر سنويا في طقوس العزاء، بل تحولت إلى بوصلة أخلاقية وسياسية، وإلى معجم رمزي تفسر من خلاله الدولة الإيرانية مفردات الصراع مع الداخل والخارج.
فمع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، أصبح الخطاب العاشورائي أكثر مركزية من أي وقت مضى في العقيدة التعبوية للنظام الإيراني، فلم تقدم الحرب في الإعلام الرسمي بوصفها نزاعا حدوديا أو صراعا جيوسياسيا، بل كمعركة بين معسكر الحق الذي تمثله الجمهورية بثوبها الإسلامي الجديد، ومعسكر الباطل الذي يمثله نظام صدام حسين، والذي أُلحق بدوره بخط يزيد بن معاوية، هذا التأطير الأخلاقي الديني كان جزءا من استراتيجية شاملة لتجييش المجتمع الإيراني خلف الحرب، وتبرير كلفتها البشرية والاقتصادية العالية.

هذا وقد تجلى ذلك الطرح العاشورائي في عدة أشياء، أهمها الأسماء التي أُطلقت على العمليات العسكرية الكبرى خلال الحرب لا سيما الحرب ذاتها التي سميت “الدفاع المقدس”، والتي حملت دلالات دينية واضحة، مثل كربلاء 1، كربلاء 5، والفجر 8، وعاشوراء، الفتح المبين، خيبر، وبدر، فلم تكن هذه الأسماء اختيارا عشوائيا، بل كانت تعكس تصورا عقائديا يرى في الجنود الإيرانيين امتدادا لأنصار الحسين، الذين يطلب منهم أن يقاتلوا حتى الشهادة في سبيل الدفاع عن الإسلام.
إذ عكست تصور الدولة الإيرانية للجنود كمجاهدين في صفّ الحسين، في مواجهة يزيد العصر، أيا كان اسمه في كل مرحلة صدام، أمريكا، أو إسرائيل، وقد عززت هذه التسمية شعور المقاتلين بأنهم لا يشاركون في حرب وطنية تقليدية فحسب، بل في ملحمة كونية أخلاقية ممتدة منذ القرن السابع الميلادي.

وقد تم بناء هذا التصور في عقول الجنود والمجتمع من خلال آلة إعلامية ودعائية ضخمة، تضم الخطب، والقصائد الحماسية، والملصقات الثورية، وحتى الأفلام الوثائقية والمسرحيات التي تنتجها المؤسسات الرسمية، مثل مؤسسة الدعوة الإسلامية ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإسلامية.
وكان للخطاب العاشورائي ثلاث وظائف متداخلة خلال الحرب، فأولا، تحفيز الجنود على التضحية من خلال تقديم الشهادة على أنها أسمى درجات الإيمان، لا مجرد موت في ساحة المعركة، وثانيا، كسب تأييد شعبي واسع في الداخل، عبر تقديم الحرب بوصفها معركة مقدسة، ما ساهم في تسكين التذمر الشعبي في فترات الخسائر الثقيلة وطول أمد النزاع. أما الوظيفة الثالثة، فكانت توجيه الرأي العام العالمي نحو تصوير إيران كضحية مظلومة ومعتدى عليها، تماما كما كان الحسين مظلوما أمام جيش يزيد، وهو خطاب تكرر كثيرا في رسائل القادة الإيرانيين إلى الخارج، وخصوصا في خطابات الخميني، الذي كثيرا ما تحدث عن واجب الأمة في نصرة المظلومين، مستشهدا بواقعة كربلاء.
استدعاء عاشوراء في الحرب مع إسرائيل
مع تصاعد التوتر الإيراني الإسرائيلي الأمريكي خلال العقد الأخير تحديدا، تحول الخطاب العاشورائي إلى أداة مركزية في التعبئة السياسية والإعلامية للجمهورية الإيرانية، ولا سيما مع كل حادثة اغتيال تستهدف شخصية إيرانية بارزة، سواء من العلماء النوويين أو قادة الحرس الثوري، كم حدث مع مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في العام 2020.
ففي كل مرة تستحضر رموز كربلاء بقوة ويعاد توظيف سردية المظلومية الحسينية ضمن السياق السياسي المعاصر، حيث تقدم إسرائيل أو أمريكا باعتبارهما الطاغوت المستكبر، المعتدي على المظلومين، والعائق أمام تحقق العدالة الإلهية كما تراها العقيدة الشيعية الثورية، هذا ولم يعد هذا التوظيف الرمزي مقتصرا على المنابر الدينية أو المناسبات الحزبية، بل أصبح جزءا مكونا للمشهد العام في إيران، وخصوصا في أوقات الأزمات الأمنية أو التصعيد العسكري.


(صور تخيلية تظهر قاسم سليماني في حضن الإمام الحسين، وعند استقباله من قبل الأئمة الآخرين في الجنة حسب المعتقد الشيعي)
فخلال حرب الأيام الـ12، التي اندلعت بعد استهداف القوات الإسرائيلية مواقع في العاصمة طهران ليلة الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025، والتي وصفت بأنها أول مواجهة عسكرية مباشرة وغير مسبوقة بين إيران وإسرائيل، برز الخطاب العاشورائي بشكل استثنائي، فلم تكن ردود الفعل الرسمية أو الشعبية بعيدة عن النمط الرمزي الذي ترسخ في الوعي الجمعي منذ الحرب الإيرانية العراقية، بل تم تكييفه بشكل مرن مع اللحظة الراهنة، حيث ازدحمت شوارع طهران والمدن الكبرى بلافتات ضخمة، تظهر القتلى من الحرس الثوري والجيش وقوات الشرطة، ومن المدنيين الذين سقطوا خلال القصف، في مشاهد تم إخراجها بصريا لتحاكي مواقف من واقعة كربلاء، في مشهد رسم فيه الإمام الحسن وأتباعه بصورة عصرية، بينما وضعت صور الأطفال الشهداء إلى جانب صورة عبد الله الرضيع، ابن الحسين، بما يحمل من شحنة وجدانية تستثير العاطفة الدينية وتحولها إلى غضب سياسي موجه.




على المستوى الإعلامي، أطلقت مؤسسات تابعة للحرس الثوري حملات رقمية مكثفة استهدفت جمهورا شابا وواسعا عبر منصات تلغرام، وإنستغرام، وأبارات، أحد أهم المواقع الإيرانية للمواد البصرية، وإكس، حيث أُنتجت مواد مرئية قصيرة، تمزج بين الرسوم المتحركة، والتقنيات ثلاثية الأبعاد، والمشاهد الدرامية، لتجسيد قادة الحرس وهم يؤدون أدوارا تشبه أدوار أنصار الحسين، كما استخدمت مقاطع من خطب الخميني وخامنئي التي تربط بين الثورة وكربلاء في خلفية هذه المواد، في مسعى لربط التاريخ بالعقيدة وبالصراع القائم.
أما الإعلام الرسمي، لا سيما هيئة الإذاعة والتلفزيون، فقد خصص تغطيات موسعة لحرب الأيام الـ12، ليس بوصفها فقط ردا دفاعيا على العدوان الإسرائيلي، بل باعتبارها فصلا جديدا في ملحمة كربلاء المستمرة. كانت التغطية تزخر بمصطلحات مثل الثأر المقدس ويزيد العصر، وتبث مشاهد إطلاق الصواريخ الإيرانية مصحوبة بعبارات مثل يا لثارات الحسين، في مشهدية تمزج بين القوة العسكرية والرمزية الدينية.
كذلك، فقد حرصت الصحف على استخدام تلك الرمزية في صفحتها الأولى، فنجد صحيفة كيهان الأصولية قد صدرت عددها بعبارة “عاشورا مستمرة، ولكن الحسين ليس وحيدا بعد اليوم”، كذلك فنجد صحيفة سياست روز تقول: “من لهيب الخيام إلى نار السماء، إيران اليوم تكرار لعاشوراء”.


التأثير الداخلي الاجتماعي والسياسي
ساهم الخطاب العاشورائي في تحقيق نوع من التعبئة الجماهيرية، خاصة في فترات الحروب الكبرى، فقد استطاع أن يربط بين الإيمان والتضحية، وبين الشهادة والانتصار، إلا أن هذا الخطاب لا يخلو من تبعات، أبرزها خنق النقاش السياسي العقلاني، وخلق بيئة تحتكم للعاطفة بدلا من المنطق.
ففي الداخل الإيراني، هناك انقسام بشأن مدى فعالية هذا الخطاب، فبينما تراه التيارات الأصولية ضرورة وجودية لمواجهة الأخطار الخارجية، ترى فيه الأصوات الإصلاحية نوعا من الاستغلال السياسي للدين، ووسيلة لإدامة حالة الطوارئ والتعبئة المستمرة.


أما على المستوى الاجتماعي، فإن الشحن العاطفي المفرط أوجد حالة من الإرهاق الرمزي لدى بعض فئات الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى الخطاب العاشورائي كمجرد أداة بروباغندا، منفصلة عن واقعهم المعيشي والاقتصادي. وتظهر الدراسات الاجتماعية تراجع نسبة المشاركة في طقوس محرم التقليدية في المدن الكبرى، مقابل صعود أشكال جديدة من التدين الفردي الأقل ارتباطا بالخطاب السياسي.
هذا التباين يتجلى أيضا في الفجوة بين الأجيال فبينما تحتفظ الأجيال التي عايشت الحرب العراقية الإيرانية بعاطفة خاصة نحو رموز كربلاء، يبدي الجيل الجديد اهتماما أقل بالشعارات العاطفية، ويركز أكثر على فرص العمل والحقوق المدنية، هذا التراجع التدريجي في فاعلية الخطاب يشكل تحديا كبيرا للنظام، الذي لا يزال يعتمد على عاشوراء كأحد أعمدة شرعيته.
يحاول النظام الإيراني من خلال هذا الخطاب تحقيق توازن بين الحاجة إلى الشرعية الدينية، ومتطلبات الحرب والصراع السياسي. فهو يعلم أن المعارك لا تُخاض بالسلاح فقط، بل تحتاج إلى سند رمزي يقنع الداخل بأن ما يجري هو امتداد لمعركة مقدسة.
لكن هذا التوازن يواجه تحديات جدية، لاسيما في ظل التغيرات الاجتماعية والديموغرافية، وتراجع تأثير الرموز الدينية التقليدية على الأجيال الجديدة. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتآكل الثقة بالمؤسسات، يُصبح الخطاب العاشورائي عرضة لفقدان فاعليته إن لم يتجدّد أو يُقرن بإنجاز ملموس.
ومع التراجع النسبي لنفوذ المؤسسات التقليدية، تبرز محاولات لصياغة خطاب عاشورائي جديد، أقل شعاراتية، وأكثر قربا من قضايا الناس اليومية. على سبيل المثال، أطلقت بعض الحوزات الدينية مبادرات تربط بين مفهوم “الثأر للحسين” ومكافحة الفساد أو العدالة الاجتماعية، في محاولة لتجديد الخطاب دون التخلي عن رمزيته.
تقييم فعالية الخطاب ومستقبله
إن استدعاء كربلاء في الخطاب الإيراني ليس مجرد ممارسة فولكلورية أو دينية، بل هو جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى خلق سردية موحّدة، تعبئ الداخل وتشرعن قرارات الخارج. وقد أثبت هذا الخطاب قدرته على التأثير في لحظات معينة، لكن فعالية الخطاب لا يمكن أن تبقى أبدية.
فمع تغيّر المزاج العام، وتزايد الوعي النقدي، وتصاعد التحديات الاقتصادية، بات من الضروري إعادة النظر في مدى جدوى استمرار الاعتماد على هذا الخطاب كأداة وحيدة للتعبئة. فإيران في 2025 ليست إيران في بداية الثورة وأيام الحرب، والناس الذين يحيون ذكرى عاشوراء اليوم، يفعلون ذلك بعيون مختلفة وأسئلة جديدة.
لقد نجح النظام في ترسيخ حضور كربلاء في السياسة والحرب، لكنه اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يُعيد صياغة رموزه بما يتماشى مع تطلعات المجتمع، وإما أن يُخاطر بفقدان أحد أعمدة شرعيته الرمزية والتاريخية. وربما يكون المستقبل رهينا بمدى قدرة هذا الخطاب على التجدّد، أو انكفائه إلى مجرد طقس بلا روح سياسية.

