من منابر العزاء إلى أروقة السياسة: تهديد بزشكيان يُشعل الجدل حول تسييس الهيئات الدينية في إيران

كتب: الترجمان

شهدت الساحة السياسية والدينية في إيران مؤخرا موجة عارمة من الجدل عقب انتشار مقطع فيديو لمداح ديني يُدعى محمد علي بخشي، وهو يوجه تهديداً علنياً ومباشراً بصيغة عنيفة لرئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، مسعود پزشکیان، وذلك من فوق منبر أحد المجالس الحسينية في مدينة “شهرري”. هذا الحادث أعاد إلى الواجهة من جديد النقاش المحتدم حول حدود التدخل السياسي لرجال المنبر والمداحين، ومدى تأثير تسييس الشعائر الدينية على التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي في البلاد، لا سيما في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تفاصيل الواقعة: عبارات صادمة تخرق أعراف المنبر الديني

تعود تفاصيل الواقعة إلى مجلس عزاء أقيم في مدينة الري، حيث ارتقى المداح محمد علي بخشی المنبر، وألقى خطبة تجاوزت حدود الرثاء والمواعظ الدينية المعتادة لتتحول إلى هجوم سياسي حاد ضد رئيس الجمهورية مسعود بزشکیان. ولم يكتفِ الخطيب بانتقاد السياسات الحكومية أو التوجهات الدبلوماسية، بل وجّه تهديدا صريحا بالقتل والتصفية الجسدية مستخدما عبارات قاسية ومستفزة، حيث قال علانية: “أيها الرئيس، إن لم تتحقق شروط القيادة، فبيننا وبين حنجرتك السيف. سوف نذيقك الويل”.  (في إشارة إلى التنكيل به وتدميره سياسيا أو جسديا).

هذه الكلمات الصادمة التي بُثت عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي سرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام، نظرا لخطورة المضامين التي تحملها، والتي تمثل تهديدا مباشرا لثاني أعلى سلطة تنفيذية ورسمية في البلاد. وقد أثارت هذه العبارات استياء كبيرا لدى النخب السياسية والمجتمعية التي رأت في هذا الأسلوب خروجا سافرا عن أدبيات المنبر الحسيني الذي يُفترض أن يكون جامعا وموجها للأخلاق والوحدة، وليس منصة لتوجيه التهديدات بالقتل وتصفية الحسابات السياسية الضيقة.

Image

الغضب الحكومي: ردود فعل رسمية حازمة تطالب بالمحاسبة

لم تتأخر الردود الرسمية الصادرة من مؤسسة الرئاسة الإيرانية وأعضاء الحكومة، حيث سادت حالة من الغضب والاستنكار الشديدين إزاء هذا التجرؤ غير المسبوق. وفي هذا السياق، أصدر مهدي طباطبائي، نائب الاتصالات والإعلام بمكتب رئيس الجمهورية، بيانا شديد اللهجة عبر منصة “إكس”، وصف فيه المداح بالـ”الوقح والعنصر المشبوه والمنفلت”. 

وأكد طباطبائي أن هذا الشخص قام في ظاهره الديني بعمل يخدم الأعداء ويسعدهم، مشيراً إلى أن توجيه تهديد بالقتل لرئيس شجاع يمثل اعتداء صارخا على هيبة الدولة، ومطالبا الجهات القضائية والأمنية بالتعامل القاطع والقانوني مع هذه التصرفات المتهورة لحفظ مكانة منتخب الشعب.

Image

وفي السياق ذاته، عبّر حبيب عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في ديوان رئاسة الجمهورية، عن استنكاره الشديد عبر منصات التواصل، مؤكدا أن تهديد رئيس الجمهورية من فوق منبر العزاء لا يمثل مجرد تهديد لشخص واحد، بل هو إساءة مباشرة لأصوات ملايين الإيرانيين الذين شاركوا في الانتخابات وصوتوا لصالح هذا النهج. 

وأضاف عباسي أن منبر أهل البيت يجب أن يظل مساحة لبث الأخلاق والوحدة، مشدداً على أنه لا يمكن لأي خلاف سياسي أن يبرر إهانة القانون أو استغلال اسم الإمام الحسين لتمرير لغة العنف والترهيب.

Image

مفارقات المواقف: تسامح بزشکیان وتبريرات المداح خلف كواليس الأزمة

في مقابل الغضب العارم الذي أبدته الدوائر المحيطة برئاسة الجمهورية، جاء رد فعل الرئيس مسعود بزشکیان نفسه مغايرا تماما ومتسما بالهدوء والتسامح الشخصي؛ حيث علق على التهديدات الموجهة إليه بقطع حلقومه قائلا بأسلوب بسيط: «حسنا، ليوجهوا الشتائم؛ فكلما شتموا أكثر، خفف الله من ذنوبي وسيئاتي أكثر». 

هذا الموقف قوبل بإشادات من مؤيديه الذين رأوا فيه سلوكا أخلاقيا يترفع عن الصغائر، بينما انتقدته بعض الأطراف المحافظة التي اعتبرت أن هذا التسامح ينطوي على نوع من المداهنة، مقارنة بمواقف سابقة للحكومة وتصريحات لوزير الخارجية عباس عراقجی بشأن قضايا تهديد أخرى، متهمين الحكومة باللين مع الخارج والشدة في التعامل الداخلي في ملفات أخرى.

ومع تصاعد الضغوط القانونية والشعبية، سارع المداح محمد علي بخشی إلى نشر مقطع فيديو توضيحي حاول فيه التراجع عن خطورة تصريحاته السابقة وتبريرها. واعتبر بخشی أن كلماته لم تكن تهديدا حقيقيا بالقتل، بل كانت مجرد “تعبير عن المشاعر وإيضاح للحقائق” في إطار جلسة داخلية خاصة بالهيئة. 

وحرص المداح في تبريره على توجيه سهام النقد نحو القنوات الإخبارية المعارضة في الخارج مثل “بي بي سي” و”إيران إنترناشيونال”، متهما إياها بمحاولة استغلال مقطع الفيديو لشق الصف الداخلي وإحداث تفرقة بين القوى الثورية في البلاد.

Image

التداعيات الاقتصادية والسياسية: انسجام السلطة كركيزة للاستقرار والتنمية

لم تقتصر أبعاد هذه الأزمة على الجانب الأمني والسياسي فحسب، بل امتدت لتشمل التحذيرات من تداعياتها الاقتصادية على البلاد. وفي هذا الإطار، صرحت معصومة آقا بور، المستشارة الاقتصادية لرئيس الجمهورية، بأن ثقة المرشد الأعلى تمثل الورقة الرابحة الأساسية للرئيس بزشکیان في الميدان الاقتصادي. 

وأوضحت أن أي محاولة لخدش هذه الثقة أو إثارة الحواشي السياسية المفتعلة تمثل ضربة قاسية لـ”الانسجام الوطني” الذي تحتاجه إيران بشدة في الوقت الراهن لتجاوز الأزمات المعيشية والمالية.

وشددت آقا بور على أن التفاهم والتنسيق التام في رأس الهرم الحاكم يرسلان رسائل إيجابية ومؤشرات ثبات واستقرار للسوق والاقتصاد الإيراني. وأشارت إلى أن الركائز الأربع للتنمية الوطنية في الوقت الحالي تتمثل في مهار التضخم، وجذب الاستثمارات، ودعم الإنتاج المحلي، والارتقاء بالوضع المعيشي للمواطنين، مؤكدة أن هذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق في ظل أجواء مشحونة بالفرقة والصراعات الفصائلية، ومعتبرة أن الأشخاص الذين يثيرون التفرقة من على المنابر يشكلون سدودا عائقة أمام دوران عجلة الاقتصاد الوطني.

Image

الجذور الهيكلية للأزمة: من “بسط الشعور” إلى تسييس الهيئات الدينية

تفتح هذه الحادثة الباب على تحليل أعمق للجذور الهيكلية لطبيعة عمل الهيئات الدينية والمنابر في إيران خلال العقدين الأخيرين. فبحسب قراءات تحليلية نشرتها صحيفة “سازندكي”، فإن هذه الظاهرة تعيد إلى الأذهان المناظرات الانتخابية الشهيرة لعام 2017 عندما خاطب الرئيس الأسبق حسن روحاني منافسه الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي قائلا: «اتركوا الإمام الرضا للمطلب الشعبي ولا تحولوه إلى قضية حزبية وجناحية». هذا الطرح يوضح وجود رؤيتين متمايزتين داخل المجتمع والمؤسسة الدينية حول كيفية التعامل مع الرموز المقدسة واستغلالها في المعارك السياسية الضيقة.

إن تحول مجالس العزاء التقليدية والروضات الحسينية من مؤسسات أهلية مستقلة تهدف إلى تعزيز “الشعور الديني” والوعي الأخلاقي، إلى هيئات ذات طابع سياسي حاد مدعومة من جهات معينة، قد أدى إلى انحرافات وظيفية. وبدلاً من أن تكون هذه المنابر عاملا للوحدة الوطنية والاجتماعية، تحولت في بعض الأحيان إلى منصات لبث الكراهية وتصفية الحسابات السياسية، مما تسبب في نفور قطاعات واسعة من الشباب والأجيال الجديدة التي تبحث عن المنطق والعقلانية والعمق المعرفي، بدلا من الاقتصار على شحن العواطف وتوجيه الإهانات السياسية المبتذلة.

Image

أفق المستقبل: دعوات لإنقاذ الشعائر من التجاذبات الفصائلية

في نهاية المطاف، تُجمع النخب الفكرية والسياسية في إيران على أن استمرار هذا النهج من قِبل بعض الخطباء والمداحين الذين يفتقرون إلى العمق السياسي والمعرفي الكافي سيؤدي إلى عواقب وخيمة على المستويين الديني والسياسي. فالإصرار على إقحام المنبر الحسيني في النزاعات الانتخابية والحكومية يفقد هذه المؤسسات استقلاليتها التاريخية والمالية، ويجعلها تابعة لتقلبات المواقف السياسية، وهو ما يضر بجوهر الدين ومكانة أهل البيت في نفوس عامة الناس.

إن إرساء قواعد التنمية والاتحاد في المجتمع الإيراني يتطلب بالضرورة احترام شعور وحقوق المواطنين، والابتعاد الكامل عن استغلال العقائد والمقدسات كمستمسك للجاهلية الحزبية أو الرغبات الجناحية. والخلاصة المرجوة من هذه السجالات هي ضرورة العودة إلى النموذج الأصيل للهيئات الحسينية باعتبارها منظمات مجتمع مدني مستقلة تجمع كل أطياف الشعب الإيراني، تاركة العمل السياسي والبرامج الحكومية لآليات القانون والدستور وصندوق الاقتراع.