قمة إسلام‌ آباد: أبعاد الشراكة الاستراتيجية وصياغة التوازنات بين إيران وباكستان

كتب: الترجمان

وسط أجواء دبلوماسية مشحونة بالرسائل السياسية والعسكرية، احتضنت العاصمة الباكستانية إسلام‌آباد قمة رفيعة المستوى جمعت الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالقيادة الباكستانية، في زيارة رسمية تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية والدقة؛ إذ تعد هذه الخطوة الرسمية الأولى عقب التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب عبر وساطات ومفاوضات إقليمية معقدة. 

وحملت لحظة وصول الوفد الإيراني دلالات رمزية واضحة، حيث رافقت الطائرة الرئاسية ست مقاتلات تابعة لسلاح الجو الباكستاني فور دخولها الأجواء الوطنية، تلاها إطلاق ست عشرة طلقة مدفعية ترحيبية في المطار، وكان في استقباله على أرض المؤتمر رئيس الوزراء شهباز شريف والرئيس آصف علي زرداري، إلى جانب حشود شبابية رفعت لافتات ترحيبية تؤكد عمق الروابط بين الجارين.

Image

الردع الصاروخي على طاولة المحادثات.. لاءات إيرانية وتفهم باكستاني

شكل ملف القدرات الدفاعية الإيرانية محورا جوهريا في المباحثات المغلقة والمؤتمرات الصحفية المشتركة، حيث قطع الرئيس الإيراني الطريق أمام أي تكهنات دولية بإعلانه حسم مسألة المنظومة الصاروخية. وأكد بزشكيان بلهجة حازمة أن طهران لم ولن تخوض أي مفاوضات مع أي طرف كان بشأن صواريخها البالستية وقدراتها الدفاعية، معتبرا أن هذه القوة الردعية هي الجدار الأخير الذي منع واشنطن وتل أبيب من تدمير إيران وتحويل مدنها إلى نسخة مكررة مما حدث في قطاع غزة من إبادة شاملة. 

وأوضح الرئيس الإيراني أن تجارب الماضي القريب رسخت انعدام الثقة بالجانب الأمريكي الذي غدر بالاتفاقيات مرتين وتورط في اعتداءات عسكرية بينما كانت مسارات الدبلوماسية جارية، مشددا في الوقت ذاته على التزام بلاده بأي عهد توقعه ما دام الطرف الآخر ملتزماً بالحدود والأطر القانونية المتفق عليها.

من جانبه، سارع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى تبديد أي ضغوط خارجية قد تحاول اللعب على وتر الملف الدفاعي لجارتها، مؤكدا في تصريحات علنية أن مذكرات التفاهم المبرمة حديثا تخلو تماما من أي إشارة إلى برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، وأن هذا الموضوع لم يكن مدرجا بالأساس على جدول الأعمال. 

وأثنى شريف على حكمة القيادة في طهران التي نجحت في قيادة البلاد وسط الأمواج المتلاطمة، مؤكدا أن باكستان تدعم بقوة أمن إيران واستقرارها، وترى في قدراتها الذاتية وصناعاتها العسكرية المعتمدة على سواعد شبابها صمام أمان للمنطقة بأسرها، محذرا من وجود أطراف دولية تسعى جاهدة لإفشال مساعي التهدئة وإغراق سفينة السلام الإقليمي.

Image

كواليس المربع الأمني.. لقاء بزشكيان والجنرال عاصم منير

في شق لا يقل أهمية عن السلك الدبلوماسي، فرض التنسيق العسكري نفسه على جدول الأعمال عبر اجتماع استراتيجي جمع الرئيس الإيراني بـ عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني. واكتسب هذا اللقاء أهمية استثنائية نظرا للدور التاريخي الذي تلعبه القوات المسلحة الباكستانية في ضبط التوازنات الإقليمية وحماية الحدود المشتركة التي تمتد لمئات الكيلومترات، والتي طالما كانت هدفاً لمحاولات الاختراق من جماعات تنظيمية مسلحة تسعى لضرب الاستقرار بين العاصمتين.

وتمحورت النقاشات حول سبل الارتقاء بآليات التعاون الأمني والدفاعي المشترك، ووضع خطط تنفيذية متطورة لتأمين المنافذ الحدودية، فضلاً عن تفعيل قنوات تبادل المعلومات الاستخباراتية الفورية لمكافحة الإرهاب وتأمين مسارات التجارة الحيوية.

وحظي عاصم منير بإشادة واسعة من الجانبين، حيث ثمن رئيس الوزراء الباكستاني والوفد الإيراني الجهود الحثيثة والاتصالات الدؤوبة التي قادها قائد الجيش شخصيا خلف الكواليس، والتي أسهمت بشكل فعال ومباشر في بلورة صيغة وقف إطلاق النار وتسهيل التوقيع على اتفاق التهدئة الأخير، مما يعكس الرؤية المشتركة للدولتين في تحييد المخاطر وحفظ الأمن القومي الإقليمي.

Image

طموحات الـ30 مليار دولار.. خريطة طريق لكسر الحصار الاقتصادي

انعكست تفاهمات السياسة بشكل مباشر على لغة الأرقام والمشاريع؛ إذ شهدت الغرف الاقتصادية المغلقة نقاشات مكثفة قادها الوزراء المعنيون من الجانبين لرفع مستويات التبادل السلعي والاستثماري. وفي خطوة وصفت بالأكثر طموحا في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن السقف السابق الذي وضعه البلدان للوصول بالتجارة السنوية إلى عشرة مليارات دولار بات حدا متواضعا لا يلبي إمكانيات الجارتين، معلنا عن تبني هدف استراتيجي جديد يقضي برفع التبادل التجاري إلى ثلاثين مليار دولار سنوياً عبر مشاريع وتفاهمات بنيوية وجذرية.

ولتحقيق هذه القفزة، ركزت اللجان الوزارية المشتركة على وضع حلول عملية للعقبات التقنية والمالية التي عطلت تفاهمات العام الماضي، حيث جرى الاتفاق على تدشين مسارات ترانزيت برية وبحرية جديدة لربط المدن الصناعية، وتطوير منظومات ترخيص وتخليص جمركي حديثة وسريعة لإنهاء تكدس البضائع عند المعابر الحدودية. 

كما ركزت المباحثات على إرساء آليات مالية ومصرفية مبتكرة تتيح للشركات ورجال الأعمال في البلدين إجراء المعاملات التجارية بعيدا عن قيود وشبكات الضغط الدولية، مما يضمن تدفقا آمنا ومستداماً للسلع الأساسية والمشتقات النفطية والزراعية بما يخدم مصالح الشعبين.

Image

خفايا الوساطة الإقليمية وإعادة هيكلة الدبلوماسية الإقليمية

كشفت اللقاءات الرسمية في إسلام ‌آباد عن خفايا الحراك الدبلوماسي الذي قاد إلى إنهاء الحرب غير المتكافئة، حيث حرص الرئيس بزشكيان على تقديم الشكر والتقدير للحكومة الباكستانية على جهودها المستمرة ليل نهار في رعاية المفاوضات وتثبيت دعائم الاستقرار، مؤكدا أن تنفيذ بنود الاتفاق الأخير سيسهم في قطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية التدميرية. 

وفي لفتة دبلوماسية بارزة، سمى رئيس الوزراء الباكستاني القوى الإقليمية التي أسهمت في إنجاح هذا المسار التوافقي، مثمنا الدور المحوري الذي لعبته دولة قطر في تسيير وبناء هذا الاتفاق، إلى جانب الدعم والتأييد الصريح الذي حظيت به التهدئة من قبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مما يمنح الاتفاق مظلة إقليمية متينة تضمن صموده بوجه أي محاولات لزعزعته.

وعلى الصعيد السياسي، وجّه بزشكيان رسائل لا تخلو من التهكم السياسي تجاه التهديدات الغربية، مستغربا كيف لبلدان لم يتجاوز تاريخها بضعة قرون أن تدعي القدرة على إعادة دولة تملك إرثا حضاريا يمتد لآلاف السنين إلى العصر الحجري.

وأوضح أن طهران خاضت المفاوضات الأخيرة من مركز قوة واعتزاز ودون أن تتنازل عن أي من ثوابتها الوطنية أو كرامة شعبها، مشيراً إلى أن الخطوط العريضة للاتفاق حظيت بمباركة وتأييد كامل من الشعب الإيراني والقيادة العليا للجمهورية الإسلامية، مما يمنح الوفد التفاوضي غطاء شعبيا وسياسيا مطلقا في خطواته المقبلة.

اقبال لاهوري يفتتح المسار الثقافي.. والدكتوراه الفخرية تتوج الزيارة

ولم تبتعد الثقافة والروابط الروحية عن أجواء السياسة؛ حيث استهل الرئيس الإيراني كلمته في المؤتمر الصحفي بإلقاء أبيات شعرية شهيرة للشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال لاهوري، معتبراً أن قصائده لا تزال تمثل البوصلة التي توجّه الشعوب الإسلامية نحو اليقظة والوحدة والتضامن. 

ودعا بزشكيان إلى استغلال القواسم المشتركة بين المسلمين، مثل وحدة الكتاب والنبي والقبلة، لتجاوز الخلافات المصطنعة وبناء جبهة واحدة متماسكة تقف سدا منيعا أمام المحاولات الصهيونية الرامية إلى بث الفرقة والنزاع بين الدول الشقيقة للاستفراد بمقدراتها وتمرير مشاريعها التوسعية في المنطقة.

وفي ختام الزيارة التي شهدت زخما واسعا، تداخلت الأبعاد المهنية بالإنسانية، حيث احتضن قصر رئاسة الوزراء مراسم أكاديمية خاصة جرى خلالها منح الرئيس مسعود بزشكيان شهادة الدكتوراه الفخرية في جراحة القلب من قِبل كلية الجراحين التخصصية في باكستان، تذكيرا وتقديرا لمسيرته العلمية والطبية المرموقة وإسهاماته في هذا الحقل الإنساني قبل دخوله المعترك السياسي. 

واختتمت القمة بتوجيه الرئيس الإيراني دعوة رسمية لنظيره الباكستاني لزيارة طهران التي وصفها بأنها بيته الثاني، في حين أكد شهباز شريف عزمه المشاركة شخصيا على رأس وفد بلاده في مراسم التشييع الوطنية الكبرى التي ستقام في طهران للمرشد الأعلى الراحل، لتظل هذه المشاركة شاهدا حيا على أن الفرح والحزن يظلان رابطا يجمع بين الدولتين والشعبين في كل المنعطفات التاريخية.

Image

آفاق جديدة في فضاء العلاقات الاستراتيجية

ختاماً، يمكن القول إن قمة إسلام ‌آباد لم تكن مجرد زيارة دبلوماسية عابرة تفرضها بروتوكولات الجوار، بل مثّلت نقطة تحول إستراتيجية ودشّنت فصلا جديدا في كتاب العلاقات الإيرانية الباكستانية لمرحلة ما بعد الحرب. إن الحفاوة العسكرية والسياسية التي استُقبل بها الوفد الإيراني، والقرارات الحازمة بشأن استقلالية القرار الدفاعي، والقفزة الطموحة في مستهدفات التبادل الاقتصادي لتصل إلى ثلاثين مليار دولار، كلها مؤشرات تؤكد أن طهران وإسلام ‌آباد عازمتان على صياغة معادلة أمنية واقتصادية جديدة في المنطقة ترتكز على الاعتماد المتبادل والثقة العميقة. 

وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبرهن هذه القمة على أن الروابط التاريخية والثقافية والروحية بين البلدين قادرة على تشكيل مظلة صلبة لحماية الأمن القومي المشترك، وتقديم نموذج يُحتذى به للتعاون والتكامل بين القوى المحورية في العالم الإسلامي، بما يضمن قطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية التدميرية، ويسير بالمنطقة نحو ضفاف الاستقرار والتنمية المستدامة.