الأموال الإيرانية المجمدة… بين الإفراج التدريجي ورهان إنعاش الاقتصاد

لا تكد أي قضية اقتصادية في إيران تنفصل عن مسار التطورات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها المنطقة، إذ ظلت التحولات في العلاقات الخارجية تنعكس بصورة مباشرة على قدرة البلاد على إدارة مواردها المالية، وتلبية احتياجات اقتصادها، ومواجهة التحديات المتراكمة التي فرضتها سنوات من العقوبات والقيود المالية. ومع عودة الحراك الدبلوماسي خلال الفترة الأخيرة، تجددت النقاشات داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التفاهمات الجارية ستفتح الباب أمام تغيرات حقيقية في المشهد الاقتصادي، أم أنها ستقتصر على إجراءات محدودة لن تغير من التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الإيراني.

وبين التفاؤل الرسمي الذي يراهن على أن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصا جديدة، والحذر الذي يبديه بعض الخبراء استنادا إلى تجارب سابقة لم تستكمل نتائجها، يبرز هذا الملف بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطا بمستقبل الاقتصاد الإيراني، لما يحمله من أبعاد مالية وسياسية واستراتيجية تتجاوز آثارها الحدود الإيرانية إلى الإقليم بأكمله.

أصول موزعة بين آسيا وأوروبا… أين توجد الأموال الإيرانية المجمدة وكم تبلغ؟

يشير الخبراء أن التقديرات المتعلقة بحجم الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج تختلف بصورة ملحوظة، إذ تشير البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الإيراني إلى أن الأموال المشمولة في المرحلة الحالية من التفاهم مع الولايات المتحدة تبلغ نحو 24 مليار دولار، بينما تحدث محمد جعفر قائم بناه، نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، عن نحو 25 مليار دولار سيفرج عنها بصورة تدريجية.

Image

في المقابل، تذهب تقديرات غير رسمية تداولتها وسائل إعلام وخبراء اقتصاديون إلى أن إجمالي الأصول الإيرانية المحتجزة في الخارج قد يتجاوز 100 مليار دولار، وهو ما يعكس وجود تباين واضح بين الأموال التي تشملها المفاوضات الحالية وبين إجمالي الأصول الإيرانية الموجودة خارج البلاد.

ويرجع هذا الاختلاف، وفق ما أوردته تقارير اقتصادية إيرانية، إلى أن جزءا من الأموال لا يخضع للإفراج في المرحلة الحالية، بينما توجد أموال أخرى في صورة استثمارات أو سندات دين أو احتياطيات يصعب إدراجها ضمن الأموال القابلة للتحويل الفوري، إضافة إلى الأموال الموجودة في الصين التي لا تدخلها بعض التقديرات الرسمية الخاصة بالاتفاق الجاري.

Image

وتنتشر هذه الأصول في عدد من الدول التي ارتبطت بعلاقات تجارية واسعة مع إيران خلال العقود الماضية، فتشير البيانات الرسمية وغير الرسمية إلى أن الصين تمثل أكبر مركز للاحتفاظ بالأموال الإيرانية، حيث تتراوح قيمة العائدات النفطية الإيرانية المتراكمة فيها بين 22 و30 مليار دولار وفق بعض التقديرات، وإن كانت هذه الأموال تدار عبر ترتيبات مالية خاصة وآليات مقايضة مختلفة.

Image

أما العراق، فيحتفظ بجزء مهم من مستحقات إيران الناتجة عن صادرات الغاز والكهرباء، إلا أن هذه الأموال مودعة في حسابات تخضع لقيود خاصة، ولا يمكن استخدامها إلا في استيراد السلع الأساسية والاحتياجات الإنسانية.

كما توجد أموال إيرانية في الهند تقدر بنحو 7 مليارات دولار، وفي اليابان بنحو 1.5 مليار دولار، إضافة إلى نحو 1.6مليار دولار في لوكسمبورغ، فضلا عما لا يقل عن ملياري دولار داخل الولايات المتحدة، وفق ما أوردته وكالة “تسنيم”.

وتحتفظ كوريا الجنوبية أيضا بجزء من الأموال الإيرانية، إلا أن جزءا منها نقل خلال السنوات الماضية إلى حسابات في قطر بعد الاتفاق على الإفراج عن نحو ست مليارات دولار، غير أن القيود السياسية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر أعادت فرض قيود على استخدام تلك الأموال، وهو ما دفع إيران إلى إعادة النظر في آليات التفاوض الخاصة بالإفراج عن أصولها.

كما تشير تقارير أخرى إلى وجود أموال إيرانية في سلطنة عمان، إلى جانب عدد من المراكز المالية الدولية، الأمر الذي يجعل خريطة الأصول الإيرانية المجمدة موزعة بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، مع اختلاف طبيعة القيود المفروضة على كل منها.

وفي هذا السياق، أكد عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني، أن الأموال التي يجري الحديث عن الإفراج عنها هي في الأصل أصول مملوكة للبنك المركزي، وليست أموالا جديدة ستدخل خزينة الدولة، موضحا أن المقابل بالعملة المحلية لمعظم هذه الموارد سبق أن دخل الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية، عندما استخدمت الحكومة قيمتها بالريال في تمويل النفقات العامة بعد تعذر الوصول إلى العملات الأجنبية المحتجزة في الخارج.

Image

ويرى البنك المركزي الإيراني أن هذه الأموال تمثل جزءا من الاحتياطيات الأجنبية للدولة، ومن ثم فإن استخدامها سيكون ضمن اختصاص البنك المركزي، وليس باعتبارها موردا إضافيا للموازنة العامة.

الاتفاق الإيراني الأمريكي… هل يشمل الإفراج الكامل عن الأموال؟

أصبح ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أبرز البنود التي تضمنتها مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة مؤخرا، والتي جرى التوصل إليها بوساطة قطرية، قبل أن تبدأ مرحلة تنفيذها عبر اجتماعات فنية في سويسرا. ووفق ما أعلنته السلطات الإيرانية، فإن الاتفاق ينص على التزام الولايات المتحدة برفع القيود المفروضة على الأموال الإيرانية المجمدة وإتاحة استخدامها من قبل طهران، مع إصدار جميع التراخيص والموافقات اللازمة لإتمام عمليات التحويل.

Image

غير أن الجانب الإيراني حرص، هذه المرة، على عدم تكرار التجارب السابقة التي شهدت إخفاقات في تنفيذ التعهدات الأمريكية، ولذلك ربط موافقته على مذكرة التفاهم بالإفراج الفعلي عن جزء من الأموال قبل الانتقال إلى بقية مراحل الاتفاق. فيما كشفت مصادر إيرانية أن طهران انتقلت في استراتيجيتها التفاوضية من مبدأ الاتفاق أولا ثم الإفراج عن الأموال إلى مبدأ الإفراج عن الأموال أولا تمهيدا للاتفاق، وهو ما يعكس حالة عدم الثقة التي تراكمت نتيجة التجارب السابقة.

وبحسب المعلومات المتداولة، اشترطت إيران الإفراج عن 12 مليار دولار فور الإعلان عن مذكرة التفاهم، على أن ينقل الجزء المتبقي خلال مدة لا تتجاوز 60 يوما، مع وضع آليات واضحة تحول دون إعادة تجميد الأموال في المستقبل، وأوضح قائم بناه أن الإفراج عن الأموال سيتم بصورة كاملة، ولكن تدريجية، مشيرا إلى أن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى قطر جاءت لبحث الآليات التنفيذية الخاصة بالإفراج عن هذه الأصول.

Image

كما أكد همتي أن الاتفاقات التنفيذية المتعلقة باستخدام الأموال قد أنجزت بالفعل، وأن الإفراج سيتم وفق ترتيبات تستند إلى الخبرات السابقة، بما يضمن وصول الأموال إلى البنك المركزي بصورة تدريجية، واستخدامها وفق السياسة النقدية الإيرانية.

وفي السياق ذاته، أعلن علي مدني زاده، وزير الاقتصاد الإيراني، أن البنك المركزي بدأ اتخاذ الإجراءات اللازمة للإفراج عن الموارد الأجنبية المجمدة، لكنه أوضح أن تفاصيل العملية والجدول الزمني للإفراج عنها تبقى من اختصاص البنك المركزي.

وفي المقابل، صدرت عن مسؤولين أمريكيين تصريحات تؤكد أن استخدام هذه الأموال ينبغي أن يتم في إطار ترتيبات محددة، إذ قال جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إن الأصول الإيرانية المجمدة لن يتم الإفراج عنها ما لم يتحقق تقدم في المفاوضات، كما أشار بعض المسؤولين الأمريكيين إلى ضرورة خضوع استخدام الأموال لموافقات الجهات المشرفة.

إلا أن الصحافة الإيرانية اعتبرت هذه التصريحات جزءا من أدوات الضغط السياسي على الفريق الإيراني المفاوض، مؤكدة أن نصوص مذكرة التفاهم تمنح إيران حق التصرف في أموالها بعد الإفراج عنها، مع التزام الولايات المتحدة بإصدار التراخيص اللازمة لتنفيذ ذلك.

كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الانتقال إلى مرحلة التفاوض حول الاتفاق النهائي يظل مشروطا بتنفيذ الطرف الآخر للالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، وفي مقدمتها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وفق الجدول المتفق عليه.

الرهان الاقتصادي… بين تهدئة سوق الصرف وجذب الاستثمارات

لا تتعامل السلطات الإيرانية مع الإفراج عن الأموال المجمدة باعتباره مجرد عملية مالية محدودة، بل بوصفه اختبارا أوسع لقدرة الاتفاق الحالي على تخفيف آثار العقوبات وفتح الطريق أمام مرحلة اقتصادية أكثر استقرارا. لذلك يؤكد البنك المركزي الإيراني أن هذه الموارد لن تستخدم كإيرادات مباشرة للموازنة، وإنما كجزء من الاحتياطيات الأجنبية التي تساعده على إدارة سوق الصرف وتمويل السلع الأساسية وتسهيل المبادلات التجارية.

وفي هذا الشأن، يرى همتي أن زيادة قدرة البنك المركزي على الوصول إلى موارده الأجنبية ستنعكس على قدرته في توفير العملة اللازمة لاستيراد المواد الأولية والوسيطة التي تحتاجها الوحدات الإنتاجية، كما يمكن أن تسهم في تقليل الضغوط التضخمية الناتجة عن قيود الاستيراد. ومن وجهة نظره، فإن عودة الهدوء إلى المنطقة، إلى جانب تحسن إيرادات الدولة وموارد البنك المركزي، يمكن أن تخفض توقعات التضخم في السوق.

Image

أما وزير الاقتصاد، فقد ربط بين الإفراج عن الأموال وسياسات أوسع لخفض التضخم، موضحا أن السيطرة على التضخم ليست مسؤولية البنك المركزي وحده، لأن جذوره تعود أيضا إلى اختلالات مصرفية ومالية وعجز في الموازنة. ولذلك، فإن الحكومة مطالبة بتخفيف الضغط عن البنك المركزي حتى يتمكن من تنفيذ برامجه النقدية.

على الجانب الأخر، فإن عددا من الاقتصاديين يحذرون من اختزال أهمية هذه الأموال في خفض مؤقت لسعر الصرف، فالصحافة الاقتصادية الإيرانية تؤكد أن ضخ الدولارات في السوق، أو ما يسمى بسياسة نثر العملة الأجنبية، قد يحقق هدوءا قصير الأجل، لكنه لا ينتج استقرارا دائما ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية في الإنتاج والتجارة والقطاع المصرفي.

ومن هنا تبرز أهمية رأي الخبير الاقتصادي هادي حق ‌شناس، الذي يرى أن قيمة الإفراج عن 24 مليار دولار، رغم أهميتها، تظل محدودة إذا قورنت بما يحتاجه الاقتصاد الإيراني من استثمارات. فوفق تقديره، تحتاج إيران في إطار الخطة الخمسية السابعة إلى نحو 1000 مليار دولار من الاستثمارات، ويمكن تأمين ثلثي هذا الرقم في قطاعي النفط والتعدين من خلال الاستثمار الأجنبي إذا وصل التفاهم مع الولايات المتحدة إلى نتائج نهائية.

Image

ويذهب حق ‌شناس إلى أن الأثر الحقيقي للاتفاق لا يكمن فقط في تحرير الأموال المجمدة، بل في رفع العقوبات وخفض تكلفة المعاملات التجارية وإعادة جذب رؤوس الأموال. فإيران، بحسب قوله، صدرت منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية وحتى اليوم نحو 1200 مليار دولار من النفط ومشتقاته، ما يعني أن المشكلة ليست دائما في حجم الموارد، بل في طريقة إدارتها والبيئة التي تعمل فيها.

وتزداد أهمية هذا الطرح مع الحديث عن إنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار ضمن التفاهمات المطروحة، وهو رقم يفوق كثيرا قيمة الأموال المجمدة المتوقع الإفراج عنها في الأجل القصير. لذلك يرى حق‌ شناس أن على إيران ألا تحصر تفكيرها في 12 أو 24 مليار دولار، بل أن تنظر إلى الأفق الأوسع المرتبط بالاستثمارات طويلة الأجل في النفط والغاز والبتروكيماويات والموانئ، والمطارات، والسكك الحديدية، والسياحة.

في المقابل، ترى الحكومة الإيرانية أن الأموال المحررة يمكن أن تخدم مشاريع البنية التحتية بشكل مباشر، وقد قال قائم بناه إن استخدام هذه الأصول في تطوير الممرات والطرق والمطارات سيعود بالنفع على المواطنين، مشيرا إلى أن زوال شبح الحرب من شأنه أيضا أن يخفف جزءا من الضغوط الاقتصادية.

غير أن هذا التفاؤل يظل مشروطا بمدى تنفيذ الاتفاق فعليا. فالتجربة السابقة في ملف كوريا الجنوبية، حين جرى نقل ست مليارات دولار إلى قطر ثم فرضت قيود جديدة على استخدامها، جعلت طهران أكثر حذرا. ولذلك تشدد إيران هذه المرة على أن تكون الأموال متاحة فعليا، لا مجرد أرقام منقولة بين حسابات مصرفية.

Image

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة سيتم، وفق الرواية الإيرانية الرسمية، بصورة كاملة، ولكن تدريجية. غير أن اكتمال العملية سيظل مرهونا بتنفيذ الولايات المتحدة للتراخيص والضمانات العملية، وبقدرة الوسطاء، خصوصا قطر، على إزالة العقبات الفنية والسياسية.

أما من حيث القيمة، فإن الرقم الأكثر حضورا في المرحلة الحالية هو 24 إلى 25 مليار دولار، مع اشتراط إتاحة 12 مليار دولار في البداية، بينما تبقى تقديرات ما يتجاوز 100 مليار دولار مرتبطة بحسابات أوسع تشمل أموالا في الصين والعراق ومراكز مالية مختلفة، وقد لا تكون كلها قابلة للإفراج الفوري ضمن الاتفاق الحالي.

وبذلك، فإن أهمية الملف لا تقاس فقط بحجم الأموال، بل بطريقة استخدامها. فإذا استخدمت لتعزيز الاحتياطيات ودعم الإنتاج وتسهيل التجارة وجذب الاستثمار، فقد تصبح بداية تحول اقتصادي أوسع. أما إذا تحولت إلى أداة مؤقتة لتهدئة سوق الصرف، فقد لا تمنح الاقتصاد الإيراني سوى فرصة قصيرة قبل عودة الضغوط القديمة.

كلمات مفتاحية: