خلل الشبكة المصرفية الإيرانية يتواصل… أسئلة بلا إجابات رغم الوعود باستعادة الخدمات

لم تعد الأزمة التي تشهدها الشبكة المصرفية الإيرانية مجرد انقطاع عابر في بعض الخدمات الإلكترونية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات المالية على إدارة الأزمات الرقمية واستعادة ثقة العملاء. فعلى الرغم من مرور عدة أيام على بداية الاضطرابات، وتكرار الإعلانات الرسمية عن عودة الخدمات تدريجيا، لا تزال آثار الأزمة حاضرة في التعاملات اليومية، بينما تتواصل التساؤلات بشأن أسباب ما حدث وحدود تداعياته وإجراءات احتوائه. وفي ظل استمرار الغموض حول كثير من التفاصيل الفنية، تبدو الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، وسط محاولات رسمية لاحتواء تداعياتها، وترقب واسع لعودة الاستقرار الكامل إلى القطاع المصرفي.

من هجوم سيبراني إلى أزمة مصرفية واسعة

بعد مرور نحو عشرة أيام على بدء الاضطرابات الواسعة في خدمات عدد من أكبر البنوك الإيرانية، لا تزال الشبكة المصرفية في البلاد تواجه أزمة معقدة، بدأت في ظاهرها كخلل فني مؤقت، لكنها سرعان ما تحولت إلى واحدة من أبرز الأزمات التي واجهت البنية التحتية المصرفية الرقمية في إيران خلال السنوات الأخيرة.

Image

هذا وكانت الأزمة قد بدأت منذ صباح السبت 13 يونيو/حزيران 2026، حين أبلغ عملاء بنوك ملي وصادرات وتجارة وتنمية الصادرات عن تعطل خدمات مصرفية أساسية، شملت تطبيقات الهاتف المحمول، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، والتحويل بين البطاقات، وبعض خدمات أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع. في البداية، بدا الأمر كعطل تقني محدود، غير أن تزامن الاضطرابات في أربعة بنوك كبرى كشف سريعا أن المشكلة أعمق من مجرد خلل داخلي في بنك واحد.

لاحقا، أكدت الجهات المصرفية الإيرانية أن ما حدث ناجم عن هجوم سيبراني استهدف بنية تحتية مشتركة تقدم خدمات تقنية لهذه البنوك. وأشارت التصريحات الرسمية إلى أن الهجوم طال ما وصف بالبنية التحتية للاتصالات أو النواة الخدمية التي تعتمد عليها البنوك المتضررة في تشغيل جزء من خدماتها. وهنا برز اسم شركة الخدمات المعلوماتية، وهي من أبرز مزودي البنية التقنية للشبكة المصرفية الإيرانية، ولها دور في خدمات مرتبطة بمنظومتي شتاب وشابرك، فضلا عن ارتباطها بالبنك المركزي وعدد من البنوك الكبرى.

Image

ورغم إعلان البنك المركزي أن الأنظمة الوطنية بين البنوك لم تتعرض للضرر وتعمل بكامل طاقتها، فإن الأزمة كشفت عن وجود نقطة اعتماد مشتركة بين عدد من المؤسسات المصرفية الكبرى. هذه النقطة، بحسب التصريحات البرلمانية، كانت كافية لتعطيل خدمات ملايين العملاء في وقت واحد، وإرباك حركة الدفع اليومية، وإثارة أسئلة حادة حول مدى قدرة البنية المصرفية الإيرانية على الصمود أمام الهجمات الإلكترونية.

تضارب التصريحات واستمرار الأعطال

خلال الأيام التالية للأزمة، توالت بيانات رسمية تؤكد عودة تدريجية للخدمات، ثم تعود تقارير جديدة لتتحدث عن استمرار الأعطال أو عودتها مجددا. ففي حين أعلن البنك المركزي ووسائل إعلام مقربة منه أن معظم الخدمات المعتمدة على البطاقات عادت إلى طبيعتها، وأن الأعطال المتبقية في بنوك ملي وصادرات وتجارت ستحل بحلول نهاية الليلة، نقلت تقارير أخرى شكاوى متواصلة من العملاء بشأن تعذر استخدام تطبيقات الهاتف المصرفي، وفشل عمليات التحويل، وتأخر تسجيل المعاملات، وتعطل أجهزة نقاط البيع والصراف الآلي.

Image

الأزمة لم تبق داخل حدود البنوك فقط، بل امتدت إلى الحياة اليومية. فقد دعا المتحدث باسم نقابة محطات الوقود، رضا نوار، المواطنين إلى اصطحاب النقود النقدية عند التوجه إلى محطات الوقود، بسبب انخفاض احتمال نجاح الدفع الإلكتروني في ظل الاضطرابات المصرفية. وأوضح أن أصحاب المحطات والعملاء واجهوا صعوبات في تحصيل وسداد قيمة الوقود، وأن الدفع النقدي أو التحويل من بطاقة إلى بطاقة قد يكونان الخيارين الأكثر عملية حتى استقرار الشبكة المصرفية.

Image

كما برزت مشكلة تسوية مستحقات التجار وأصحاب الأعمال، حيث أعلن البنك المركزي أن أموال التجار الذين لديهم حسابات في البنوك الأربعة المتضررة، وسبق أن سجلوا حسابات احتياطية، ستحول إلى تلك الحسابات لتجنب توقف التسويات. ويعكس هذا الإجراء حجم القلق من تأثير الأزمة على النشاط التجاري، خصوصا أن كثيرا من المتاجر تعتمد يوميا على عمليات الدفع الإلكتروني ونقاط البيع.

ومع عودة تقارير عن اضطرابات جديدة في بنوك كبرى، من بينها بنك ملت إلى جانب ملي وصادرات وتجارت، ذكرت وكالة فارس أن السبب يعود إلى هجوم سيبراني جديد أو متجدد استهدف موقعا احتياطيا يقدم خدمات للبنوك الأربعة، ما دفع شركة الخدمات المعلوماتية إلى إخراجه من الخدمة مؤقتا لمنع تسرب البيانات. هذه الرواية زادت من تعقيد المشهد، لأنها جاءت بعد بيانات تحدثت عن قرب انتهاء الأزمة وعودة الخدمات إلى وضعها الطبيعي.

Image

من جانبه، كشف ميثم ظهوريان، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، تفاصيل إضافية بعد اجتماع ضم وزير الاقتصاد ومسؤولي البنك المركزي ومديري البنوك المتضررة. وقال إن الهجوم استهدف البنية التحتية والنواة الخدمية التي تقدمها شركة الخدمات المعلوماتية، مؤكدا أن مصدر الهجوم وسببه الدقيق لم يحددا بعد، وأن حتى استبدال بعض الأجهزة لم ينجح في حل المشكلة بالكامل. وأشار إلى أن بنك تنمية الصادرات تمكن من معالجة مشكلته، وأن بنك تجارت أعاد تشغيل معظم خدماته عبر حل خاص، بينما لا يزال بنكا ملي وصادرات يعتمدان جزئيا على أنظمة بديلة.

Image

ورغم تأكيد البنك المركزي أن بيانات العملاء لم تتضرر، وأنه لم يحدث أي وصول غير مصرح به إلى الحسابات، فإن غياب تقرير فني مستقل أبقى هذه التأكيدات في دائرة التصريحات الرسمية غير القابلة للتحقق. كما أن عدم توضيح وضع النسخ الاحتياطية، ومراكز التعافي من الكوارث، وحجم البيانات التي قد تكون احتاجت إلى مراجعة أو مطابقة، جعل موعد العودة الكاملة للخدمات غير واضح.

أزمة ثقة واختبار للبنية المصرفية الرقمية

أبعد من الجانب التقني، فتحت الأزمة بابا واسعا للحديث عن الثقة بين العملاء والمؤسسات المصرفية. فملايين الإيرانيين وجدوا أنفسهم فجأة أمام حسابات لا يمكن الوصول إليها بسهولة، وبطاقات لا تعمل دائما، وتطبيقات مصرفية خارج الخدمة أو غير مستقرة. وقد تزامنت الأزمة مع بداية شهر مالي جديد، حيث تستحق الأقساط والشيكات والالتزامات التجارية، ما زاد الضغط على العملاء وأصحاب الأعمال.

ورغم محاولات السلطات طمأنة الرأي العام، من ضمنها ما أعلنه البنك المركزي اليوم الأربعاء 24 يونيو/ حزيران 2026، أن الأعطال التي أصابت الخدمات المعتمدة على البطاقات المصرفية في معظم البنوك قد أزيلت، وأن الخدمات عادت إلى وضعها الطبيعي، مؤكدا أن المشكلات المتبقية تقتصر على بنوك ملي وصادرات وتجارت، مع توقع معالجتها بالكامل بحلول نهاية اليوم. كما أوضح أن الاضطرابات جاءت في إطار إجراءات احترازية هدفت إلى منع أي وصول غير مصرح به وحماية بيانات العملاء وأصولهم، مشيرا إلى أن الفرق الفنية وخبراء الأمن السيبراني يواصلون العمل لاستعادة الخدمات بصورة كاملة، وداعيا العملاء إلى متابعة المستجدات عبر القنوات الرسمية فقط.

Image

غير أن هذه التصريحات لم تنه حالة القلق، إذ استمرت التقارير الواردة من العملاء في الحديث عن صعوبات في الوصول إلى بعض الخدمات المصرفية، الأمر الذي عزز الانطباع بوجود فجوة بين البيانات الرسمية والواقع الميداني. كما أن البنوك والجهات الرسمية لم تقدم جدولا زمنيا واضحا ومفصلا لعودة جميع الخدمات، ولم توضح آلية معالجة المعاملات الفاشلة أو المعلقة، أو كيفية تعويض الأفراد والشركات الذين تضرروا من استمرار الاضطرابات.

كذلك أعادت الأزمة النقاش حول مخاطر الاعتماد على مزود واحد أو بنية مشتركة تخدم عدة بنوك كبرى. فبنوك مثل ملي وصادرات وتجارت تدير حسابات ورواتب ومعاملات تخص ملايين المواطنين، بما في ذلك موظفو الدولة والمتقاعدون والشركات. وعندما تعتمد هذه البنوك على طبقات تقنية مشتركة، فإن تعطل نقطة واحدة قد يتحول سريعا إلى أزمة وطنية تمس قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وأثار حديث ميثم ظهوريان عن اعتماد جزء من البنية المصرفية الإيرانية على حواسيب مركزية من شركة IBM الأمريكية نقاشا آخر حول مخاطر المعدات القديمة أو المعقدة، خصوصا في ظل العقوبات وصعوبة الحصول على الدعم الفني وقطع الغيار. غير أن خبراء يرون أن المشكلة ليست في تقنية الحواسيب المركزية بحد ذاتها، فهي لا تزال مستخدمة عالميا في مؤسسات مالية كبرى، بل في طريقة تصميم البنية التشغيلية، ومدى فصل الخدمات، وكفاءة مراكز النسخ الاحتياطي، وخطط التعافي عند الكوارث.

وقد استحضرت الأزمة تجارب سابقة، أبرزها الهجوم على بنك سبه خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل، وكذلك تجربة بنك باسارغاد في استعادة خدماته بعد اضطرابات مماثلة. وتظهر هذه التجارب أن عودة خدمة البطاقة أو الصراف الآلي لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة، إذ قد تستمر خلف الكواليس عمليات مراجعة البيانات، وفحص الأنظمة، وتنظيف البيئات التشغيلية، والتأكد من عدم وجود اختراقات مستمرة>

Image
Image

في المحصلة، لم يعد الخلل في الشبكة المصرفية الإيرانية مجرد حادث تقني عابر، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام المصرفي على مواجهة الهجمات السيبرانية، وحماية بيانات العملاء، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية. وحتى صدور تقرير فني مستقل يوضح ما حدث، وكيف وقع الهجوم، وما حجم الأضرار، وما الإجراءات التي ستتخذ لمنع تكراره، ستبقى أسئلة جوهرية بلا إجابة: من نفذ الهجوم؟ وأي طبقة من البنية التحتية استهدفت؟ وهل كانت النسخ الاحتياطية سليمة وحديثة؟ ولماذا استغرقت عملية الاستعادة كل هذا الوقت؟

وقد أظهرت التطورات المتلاحقة أن الأزمة لم تنته بمجرد إعلان عودة جزء من الخدمات، بل إن تعدد البيانات الرسمية بشأن قرب إزالة الأعطال، مقابل استمرار الشكاوى من بعض الخدمات، جعل استعادة الثقة أكثر تعقيدا من استعادة الأنظمة نفسها. وفي عصر أصبحت فيه الخدمات المصرفية اليومية مرتبطة بتطبيق على الهاتف وبطاقة دفع وجهاز صراف، فإن أي خلل في البنية غير المرئية يمكن أن يتحول سريعا إلى أزمة معيشية واقتصادية واسعة، لا يكفي لاحتوائها إصدار بيانات طمأنة، وإنما تحتاج إلى شفافية كاملة وإفصاح فني يبدد الشكوك ويعيد الثقة إلى المتعاملين مع القطاع المصرفي.

كلمات مفتاحية: