صندوق اقتراع بغداد يتصدر صفحات طهران الأولى

أجمعت الصحف الإيرانية في تغطيتها للانتخابات البرلمانية العراقية على أن النتائج شكلت محطة مفصلية تعكس اتجاهات جديدة في ميزان القوى داخل بغداد، فبينما رأت بعض الصحف أن صعود قوى الإطار التنسيقي وتقدم ائتلاف السوداني يمثلان هزيمة للمشروع الأميركي ومحاولة إعادة صياغة المشهد السياسي، اعتبرت أخرى أن الانتخابات لم تحمل تحولا جذريا بقدر ما أعادت إنتاج الخريطة التقليدية القائمة على التوافقات الطائفية والمفاوضات المطولة، ومع ذلك، اتفقت التحليلات على أن المشاركة اللافتة وعودة الشباب إلى المشهد الانتخابي تشي بتغيرات هادئة في المزاج العام، رغم بقاء التحديات البنيوية على حالها.

الانتخابات العراقية… الرابحون والخاسرون

البداية مع صحيفة همشهري، والتي تناولت الانتخابات العراقية في عددها الصادر الخميس 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بقولها ” شهدت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة تحولات مهمة في موازين القوى، بعدما توجه أكثر من 12 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع من أصل 21.4 مليون مسجلين، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 12.5٪ مقارنة بالدورة السابقة، وقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت 56٪، وهو ارتفاع لافت أعاد الحيوية للمشهد السياسي بعد سنوات من الإحباط الشعبي ومحاولات دعوات المقاطعة”.

Image

وتتابع” كان أبرز ما أفرزته النتائج هو تقدم ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي حقق ما يقارب 50 مقعدا، ليصبح القوة الأكبر داخل البرلمان، وجاء ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي في المرتبة الثانية في العديد من المحافظات، ما يشير إلى استمرار حضوره داخل الشارع الشيعي، كما برزت كتلة الصادقون بزعامة قيس الخزعلي كأحد أبرز الرابحين، بعدما حققت صعودا واضحا وأصبحت توصف بظاهرة هذه الدورة، أما تيار الحكمة الوطني بزعامة عمار الحكيم فقد حقق نتائج جيدة في معاقله التقليدية، خاصة النجف، بينما حصدت قوى شيعية أخرى مثل بدر وحقوق حضورا مؤثرا. وتشير التوقعات إلى أن مجموع القوى الشيعية سيتجاوز 185 مقعدا، ما يعكس تماسكا سياسيا يسمح بتشكيل حكومة نابعة من الإطار التنسيقي بصورة شبه مؤكدة”.

وتتابع” وفي إقليم كردستان، حقق الحزب الديمقراطي الكردستاني انتصارا كبيرا، بعدما تجاوز عدد أصواته مليون صوت وحصل على 29 مقعدا، بينما حصل منافسه التقليدي الاتحاد الوطني الكردستاني على 18 مقعدا، وقد مُنيت قوى الإصلاح مثل الجيل الجديد وكوران بهزيمة واضحة، ما أدى إلى إعادة ترسيم الخريطة الكردية إلى قطبين رئيسيين مرة أخرى”.

وتخلص الصحيفة إلى أنه “من الرسائل البارزة لهذه الانتخابات فشل مشروع المقاطعة الذي تبناه مقتدى الصدر، وصعود القوى القريبة من المقاومة مثل دولة القانون وبدر وحقوق والصادقون، كما تؤكد النتائج أن مسار التنمية الاقتصادية الذي ينفذه السوداني يحظى بقبول شعبي نسبي. وفي المقابل، تراجعت القوى المحسوبة على التيار البعثي داخل المكون السني، إضافة إلى ضعف واضح في أداء التيارات العلمانية الشيعية، كما تكشف النتائج أيضا دخول جيل الشباب بقوة إلى المنافسة، بعدما أصبحوا جزءا أساسيا من المرشحين وقاعدة الناخبين، ما يفرض واقعا سياسيا جديدا على الأحزاب التقليدية. ويبدو أن العراقيين تجاوزوا جدل المقاطعة، مقتنعين بأن المشاركة وليس الانسحاب هي الطريق الوحيد للتأثير في مستقبلهم السياسي”.

لا جديد يذكر في انتخابات العراق

بالشأن نفسه، كتبت صحيفة سازندكي تقول “تعد الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة حدثا مهما، لكنها في النهاية لا تمثل تحولا جوهريا داخل الإطار السياسي الراسخ في البلاد، فنتائج هذه الانتخابات لا ترى كمهمة حاسمة بقدر ما تفهم باعتبارها إعادة ضبط لموازين القوة بين النخب القائمة، وهي نخب متجذرة في نظام التقسيم القومي الطائفي الذي نشأ بعد عام 2003”.

Image

وتتابع” النقطة الأساسية لفهم هذه الانتخابات هي أنها تعمل بالدرجة الأولى كأداة تفاوض بين النخب، أكثر من كونها آلية ديمقراطية مباشرة لترجمة إرادة الشعب إلى حوكمة فعالة، فالتوزيع النهائي للمقاعد يمهّد لسلسلة طويلة من المفاوضات بعد الانتخابات، وهي مفاوضات غالبا ما تكون أكثر حسما في اختيار رئيس الوزراء المقبل وتوزيع الوزارات الرئيسية من أصوات الناخبين أنفسهم، أحد الجوانب التحليلية المهمة أيضا يتمثل في تأثير المقاطعة والتغييرات في قانون الانتخابات على نزاهة العملية الانتخابية وآفاقها، فقد أدى قرار التيار الصدري مقاطعة الانتخابات، بعد فشله في تشكيل حكومة أغلبية خلال الدورة السابقة رغم كونه الكتلة الأكبر، إلى انخفاض ملموس في نسبة مشاركة الناخبين الشيعة في بعض المناطق، كما ضيق المجال أمام الأصوات الاحتجاجية والمستقلة”.

وتضيف الصحيفة” هذا ولا يزال العزوف الشعبي والإحباط الواسع بين الناخبين تحديا رئيسيا لفهم شرعية المسار الديمقراطي، فعلى الرغم من أن نسبة المشاركة الرسمية تبدو أعلى من أدنى مستوياتها السابقة، إلا أن الواقع يشير إلى أن جزءا كبيرا من الناخبين المؤهلين لم يسجلوا أصلا، كما أن الحملات الانتخابية اتسمت بوضوح بشراء الأصوات والمقايضات السياسية، وهو ما يعكس تراجع ثقة الجمهور بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير جوهري، أو مواجهة الفساد المستشري، أو تحسين الخدمات الأساسية. هذا المناخ من التشكيك يجعل العملية الانتخابية، وإن كانت تجرى بشكل منظم، لا تعكس بالضرورة ديمقراطية صحية، بل تنظر إليها من قبل فئات واسعة بوصفها لعبة مُكلفة وصفرية يخوضها النخب لتعظيم مكاسبهم”.

وتختم” وفي النهاية، تؤكد الانتخابات استمرار الانقسامات داخل الكتل القومية الطائفية الكبرى، فداخل البيت الشيعي، ورغم أن الإطار التنسيقي يبدو أنه سيظل القوة الأبرز، إلا أن التنافس بين مكوناته، مثل دولة القانون بزعامة المالكي، وفصائل الخزعلي، إضافة إلى التحدي الذي يمثله ائتلاف السوداني، سيحدد توازنات القوة الداخلية وبالتالي مصير منصب رئيس الوزراء، وبالمثل، فلا تزال الساحة السنية تتسم بالتنافس الحاد، ومن المتوقع أن يعزز شخصيات مثل محمد الحلبوسي نفوذهم، أما المشهد الكردي، الذي يعرف تقليديا بتنافس حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، فسيدخل المفاوضات الفدرالية بحالة انقسام أيضا”.

نهاية استعراض القوة الانتخابية… وبداية التجاذبات السياسية

كذلك، فقد سلطت صحيفة اعتماد الضوء على العملية السياسية بعد الانتخابات، فقالت” أجريت الانتخابات البرلمانية العراقية في سادس محطة انتخابية منذ سقوط نظام البعث، وسط مشاركة لافتة تعدت 50% وفق رويترز، وهي نسبة غير متوقعة في ظل دعوات المقاطعة التي أطلقها مقتدى الصدر وبعض قوى المعارضة، ورغم الحديث عن عزوف محدود في بعض المحافظات الجنوبية، فإن المشاركة هذه المرة شكلت قفزة مقارنة بانتخابات 2021 التي لم تتجاوز 41%”.

Image

وتتابع” كان المشهد الأبرز خلال الانتخابات هو تشرذم البيت الشيعي، فتشير التحليلات إلى انقسامات واضحة داخل القوى الشيعية، فشخصيات مثل نوري المالكي، ائتلاف دولة القانون، وقيس الخزعلي عصائب أهل الحق، وهادي العامري منظمة بدر، قد خاضوا السباق بقوائم منفصلة، مستفيدين من القانون الانتخابي الجديد الذي يدعم الدوائر الأصغر، هذه الاستراتيجية، التي تعرف بالتجزئة المسيطر عليها، تعكس المنافسة الداخلية وعدم ثقة الأطراف بالسوداني لولاية ثانية، ويتوقع المراقبون أن تتوحد هذه القوائم بعد صدور النتائج ضمن كتلة واحدة تهدف لتعظيم نفوذها خلال مفاوضات تشكيل الحكومة”.

وتقول” تمثل انتخابات 2025 اختبارا لقدرة السوداني على تحويل أداء حكومته إلى دعم سياسي، وفي الوقت نفسه تكشف عمق أزمة الشرعية التي يعانيها النظام السياسي منذ 2003، فترجح التوقعات أن تؤكد النتائج شكل الخريطة التقليدية، تحالفات هشة، مفاوضات طويلة، وحكومة منشغلة بإدارة التوازن بين واشنطن وطهران أكثر من اهتمامها بالخدمات العامة، ومع ذلك، فقد نجح السوداني في كسب دعم نسبي بفضل إنجازاته، ومنها رفع صادرات النفط، وتحسين الخدمات، وتحييد العراق عن صراعات المنطقة. ويقدّر المجلس الأطلسي أن قائمته تستهدف الفوز بنحو 60 مقعدا، لكن تشكيل الحكومة سيظل مرهونا باتفاق مع الإطار التنسيقي والأحزاب السنية والكردية، ما يبقي مستقبل السوداني السياسي غير محسوم”.

وتختم بقولها” يرى محللون أن الفساد وانعدام الكفاءة يظلان أكبر أسباب غموض المستقبل السياسي للعراق، وتزداد تعقيدات المشهد بسبب الانقسامات داخل الإطار التنسيقي نفسه، فكل من المالكي والخزعلي والعامري يسعى لتعزيز نفوذه عبر قوائم منفصلة، ما يزيد الضغط على السوداني، وفي كردستان، تستعر الخلافات بين الحزبين الرئيسيين حول موارد النفط والطاقة، ما يبقي تأثير الأكراد في بغداد محدودا، أما على الساحة السنية، فتستمر المنافسة على النفوذ والمناصب الوزارية دون رؤية سياسية حقيقية، ويبقى الغائب الأكبر هو مقتدى الصدر، الذي حرمت مقاطعته المشهد السياسي من قوة شعبية كبرى قادرة على حصد 20 أو 30 مقعدا، كما أدى صمت السيد السيستاني إلى زيادة الحيرة بين المواطنين”.

هزيمة المشروع الأميركي في العراق

أما عن صحيفة جام جم، فكتبت” أفرزت الانتخابات البرلمانية العراقية لهذا العام عن معطيات سياسية كشفت بوضوح حدود النفوذ الأمريكي في بغداد، بعدما جاءت النتائج عكس التوقعات التي راهنت عليها واشنطن لإعادة تشكيل الخريطة السياسية عبر إضعاف القوى الشيعية التقليدية وتعزيز موقع قوى مدعومة غربيًا أو قريبة من الاحتجاجات المدنية”.

Image

وتابعت” فعلى خلاف الحسابات الأمريكية، أسفرت صناديق الاقتراع عن صعود لافت لائتلافات منضوية في الإطار التنسيقي الشيعي، وعلى رأسها القوى المهيمنة في البرلمان السابق، وهو ما اعتبره محللون ضربة مباشرة للمشروع الأمريكي الذي سعى للحد من نفوذ هذه الكتل بعد أحداث 2021، فائتلاف محمد شياع السوداني، المدعوم من الإطار، بات القوة الأولى، فيما حقق ائتلافا دولة القانون والصادقون وبدر نتائج مؤثرة، مثبتين قدرة هذه التيارات على الاحتفاظ بقاعدتها الشعبية برغم الأزمة الاقتصادية والسياسية، ويعود هذا التحول إلى مجموعة عوامل داخلية أضعفت الرهان الأمريكي. أولها أن حملة مقاطعة الانتخابات التي دعا إليها مقتدى الصدر، والتي كان يمكن أن تربك الثقل الشيعي التقليدي، لم تود إلى انهيار المشاركة، بل جاءت النتائج لصالح القوى المقربة من حكومة السوداني، كما أن التحسن النسبي في الخدمات والبنية التحتية، والاندفاعة الحكومية نحو الرقمنة ومكافحة الفساد، عززت ثقة الجمهور بهذه القوى، بينما بقيت التيارات المدنية والاحتجاجية عاجزة عن تقديم بديل منظم”.

وتنتهي بقولها” في المقابل، أخفقت القوى السنية والكردية في تشكيل جبهات موحدة قادرة على تغيير التوازن، فقد انقسمت فيما بينها، ما جعلها شريكا ثانويا في عملية تشكيل الحكومة بدل أن تكون رافعة لمشروع سياسي مدعوم أمريكيا، والنتيجة أن العودة القوية للإطار التنسيقي مثلت رسالة واضحة، فالشارع العراقي اختار الاستقرار النسبي على تجارب التفكيك السياسي، وأظهر أن النفوذ الأمريكي، رغم حضوره الأمني والاقتصادي، بات عاجزا عن توجيه النتائج الانتخابية أو فرض معادلات جديدة داخل بغداد، بهذه الصورة، جاءت هذه الانتخابات لتكرس فشل المشروع الأمريكي في إعادة صياغة النظام السياسي العراقي، وترسخ استمرار نفوذ القوى التي ترى واشنطن أنها خصوم استراتيجيون داخل مؤسسات الدولة”.