- زاد إيران - المحرر
- 566 Views
كتب: الترجمان
بعد مرور بضعة أشهر على تشكيل حكومة مسعود بزشكيان، التي اعتُبرت في بدايتها محاولة جديدة لإعادة إحياء المسار السياسي للإصلاحيين عبر “التغيير من الداخل”، بدأ متابعون ومحلّلون يلاحظون ظاهرة متسارعة وهي الأصوات الإصلاحية التي دعمت بزشكيان بقوة في الحملة الانتخابية، بدأت اليوم تتخذ مسافة منه، بل تحوّلت في بعض الأحيان إلى مهاجمٍ شرس لأداء الحكومة.
وفي مركز هذه الدائرة من الانتقادات والهجمات السياسية والإعلامية، يبرز اسم حسين مرعشي، أمين عام حزب كوادر البناء. فقد تحوّلت تصريحاته الإعلامية الأخيرة حول طبيعة السلطة في إيران، ومفهوم المصالحة مع الولايات المتحدة، وموقع حزبه داخل الحكومة، إلى مادة جدلية أطلقت سلسلة من الردود المتبادلة بين التيارات السياسية، وأعادت فتح ملفات أوسع تتعلق بمسؤولية الإصلاحيين عن السياسات الاقتصادية والإدارية خلال العقدين الماضيين.
خلفية ودور
يُعد مرعشي شخصية محورية داخل التيار الإصلاحي من الجناح الاقتصادي ـ الإداري. شغل سابقاً مواقع تنفيذية مهمة، وله علاقات داخل مؤسسات الدولة من فترات ما قبل حكومة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد. ويُنظر إليه باعتباره من “المنظّرين” الذين يدفعون باتجاه الانفتاح الدولي والاندماج الاقتصادي باعتباره شرطا لتحسين الوضع الداخلي.
لذلك، ظهوره الإعلامي دائماً مرتبط برسائل سياسية محسوبة. لكن تصريحاته الأخيرة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، في ظل توقعات شعبية مرتفعة تجاه حكومة بزشكيان، وضغوط داخلية ومعيشية مستمرة.
تصريحات المصالحة و السخرية من تمثيل حزبه في الحكومة
ظهرت الشرارة الأولى عندما قال مرعشي في مقابلة إن القوة في إيران ليست بيد الحكومة، داعياً إلى ما وصفه بـ”المصالحة الكبرى” مع الولايات المتحدة، ومشيراً إلى أن العالم تجاوز مرحلة الحسم العسكري، وأن التنمية باتت مرتبطة بالاندماج الدولي.
لكن الهجوم لم يبقَ عند حدود الجدل الفكري. فخلال مقابلة تلفزيونية، سُئل مرعشي عن مدى حضور كوادر البناء داخل حكومة بزشكيان، فسخر قائلاً إن الشخصيات المنتمية للحزب الموجودة اليوم في المواقع الحكومية “تفتقر إلى التأثير الفعلي”، وأن الأسماء التي كان الحزب يرغب في ترشيحها – بمن فيهم هو شخصياً – لم يتم قبولها لتولي مناصب هامة مثل منصب النائب الأول للرئيس.
هذه السخرية سُجلت لدى خصومه على أنها تلميح مباشر بأن الخلاف مع الحكومة ليس خلافاً فكرياً، بل خلاف على المواقع والنفوذ. وهنا تحول الجدل من مستوى الرؤية السياسية إلى مستوى المصالح والتمثيل داخل السلطة.
تصريحات من هذا النوع، في المناخ السياسي الإيراني الراهن، تُقرأ غالبًا على أنها محاولة لنقل النقاش من مستوى الإصلاح الإداري إلى مستوى إعادة تعريف موقع الدولة الدولي.
هنا تحركت الصحف الأصولية، وعلى رأسها كيهان، لسان حال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، التي شنّت هجوماً مباشراً على مرعشي، متهمةً إياه بترويج خطاب يتطابق مع الرغبات الأمريكية والإسرائيلية، وبأنه يسعى إلى إعادة تدوير مشروع الاستسلام تحت اسم المصالحة.
وذهب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير كيهان، إلى أبعد من ذلك، عندما قال موجّهً خطابه لمرعشي: “هذا الميدان ليس مضمارك”.
هذه الجملة، بقصرها وحدّتها، كانت كافية لإشعال تفاعل سياسي واسع.
خطاب مواجهة لا مساومة
وفي هذا السياق، رأت صحيفة جوان أن حديث مرعشي عن انتهاء زمن المنافسة العسكرية لا ينسجم مع الواقع الدولي الراهن الذي يشهد عودة الحروب واسعة النطاق وسباق التسلح، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط، فضلاً عن الضغوط المباشرة التي تقول الصحيفة إن إيران تتعرض لها من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. ووفق هذا المنظور، فإن التقليل من أهمية الردع العسكري، في لحظة تصاعد التهديدات، يُعد قراءة «غير واقعية» لطبيعة النظام الدولي.
كما انتقدت الصحيفة محاولة تأطير فكرة المصالحة باعتبارها مدخلاً لإحياء الاقتصاد، مشيرة إلى أن التجارب التي راهنت على الانفتاح السياسي مع الغرب في العقدين الماضيين، ومن بينها الاتفاق النووي، لم تُفضِ إلى رفع العقوبات أو تحسين الوضع الاقتصادي، بل ـ وفق السرد المحافظ ـ أدت إلى زيادة مستويات الضغط والتقييد الاقتصادي على إيران. وبذلك ترى «جوان» أن ربط التنمية الاقتصادية بالتخلي عن مبدأ «المقاومة» يمثل إعادة إنتاج لوصفة قديمة أثبتت محدوديتها.
وربطت الصحيفة بين تصريحات مرعشي وسجل تياره الإصلاحي في إدارة الدولة خلال فترات سابقة، معتبرة أن الحديث عن «طرق مسدودة» بعد أربعة عقود، يتجاهل الدور الذي لعبه هذا التيار نفسه في تشكيل خيارات الدولة وسياساتها.
ومن هذا المنطلق، يُقرأ خطاب مرعشي، وفق التيار الأصولي، بوصفه محاولة لإحياء مقاربة «التسوية بأي ثمن»، وهي مقاربة ترى «جوان» أنها أضرت بالمصالح الوطنية في محطات سابقة، وأن البديل الأجدى ـ كما تقول ـ يكمن في تعزيز القدرات الذاتية والاستقلال الاستراتيجي، لا الرهان على تغيير مواقف القوى الدولية.
من يتحمل مسؤولية الوضع؟
المعادلة التي تُرسم الآن يمكن تلخيصها كالآتي:
الإصلاحيون روجوا لبيزشكيان كخيار “إنقاذي”، لكن الحكومة لم تتمكن بعد من تحقيق اختراقات ملموسة في الملفات الاقتصادية، الضغط الشعبي يزداد والتيار الإصلاحي يخشى تحوّل الاستياء العام إلى تآكل جديد لقاعدته الاجتماعية؛ لذلك، بدأ الخطاب الإصلاحي يقول الآن، بشكل غير مباشر: “الحكومة لا تملك سلطات كافية، ولا يجب تحميلنا مسؤولية أدائها”.
وبهذا المعنى، مرعشي لم يكن مجرد شخصٍ تحدث… بل كان الصوت الذي أعاد صياغة استراتيجية الانفصال التدريجي عن الحكومة.
موقع المحافظين في المشهد
من جهة أخرى، وجد التيار المحافظ في تصريحات مرعشي فرصة مناسبة لـ:
إعادة وضع الإصلاحيين في موقع المسؤولية التاريخية عن الأزمات الاقتصادية.
التذكير بأن محاولات الانفتاح الدولي لم تُثمر نتائج خلال الحكومات الإصلاحية السابقة.
التأكيد أن فكرة “المصالحة” ليست سوى إعادة إنتاج لخطاب الاتفاق النووي.
وبذلك، تحوّل مرعشي إلى ساحة اشتباك رمزية:
يرمز بالنسبة للإصلاحيين إلى محاولة حماية الذات،
ويرمز بالنسبة للمحافظين إلى جذر المشكلة لا عرضها.
خاتمة تحليلية
ما يجري اليوم ليس خلافًا إعلاميًا عابرًا.
إنه مرحلة إعادة رسم للمشهد الإصلاحي كله.
التيار الإصلاحي يحاول إعادة التموضع قبل أي استحقاق انتخابي، عبر خلق مسافة محسوبة بينه وبين الحكومة.
الحكومة تبدو محاصرة بين ضغط الجمهور ورغبة داعميها السابقين في التخلص من عبء المسؤولية.
التيار المحافظ يستثمر اللحظة لتثبيت سردية مفادها أن “الإدارة الإصلاحية” لا تملك حلولًا عملية.
أما حسين مرعشي، فقد أصبح رمزًا لتحوّل التوازنات:
من لاعبٍ خلف الكواليس، إلى هدف سياسي تتمحور حوله المعركة على تعريف المسؤولية وتوزيع الفشل.
بمعنى آخر:
الهجوم على مرعشي هو انعكاس لمعركة أعمق حول من يقود الدولة… ومن يتحمل تبعاتها.

