هيمنة البنوك على سوق العقارات في إيران: تضخم الأسعار وركود البناء تهدد الأسر

ترجمة: كريمة هاني 

كشفت صحيفة “وطن امروز” الأصولية، في تقرير نُشر بتاريخ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عن تحول خطير في دور البنوك، إذ انتقلت من كونها مجرد وسطاء ماليين إلى لاعبين مباشرين ومحتكرين لسوق العقارات. وحذّرت من أن هذا المسار تسبب في اختلال الميزانيات وتجميد الموارد وارتفاع حاد في أسعار العقارات، مؤكدة أن إصلاح هذا المسار أصبح ضرورة عاجلة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد وكبح تضخم الإسكان. 

البنوك تتجاوز القانون عبر شركات وهمية

أشارت الصحيفة إلى أنّ القانون يمنع البنوك من الدخول المباشر في أعمال البناء أو شراء وبيع العقارات أو إدارة الشركات. ومع ذلك، تسللت العديد من البنوك الحكومية والخاصة، عبر إنشاء شركات قابضة وشركات تابعة، لتصبح فعلياً منتجاً وبائعاً للعقارات. 

وأوضحت أنّ هذا السلوك لا يمثل تجاوزاً صارخاً للقانون وحسب، بل حوّل الموارد المصرفية نحو المضاربة واحتكار الأصول العقارية بدلاً من توجيهها لتمويل الإنتاج.

Image

وذكرت الصحيفة أنّ نتيجة هذه السياسة كانت ارتفاع أسعار المساكن بشكل غير واقعي، وتفاقم التضخم في سوق العقارات، وتراجع قدرة الفئات المتوسطة والضعيفة على الوصول إلى السكن. وأوضحت أنّ بعض البنوك، من خلال شراء عقارات محددة وبيع وحداتها بأسعار أعلى من المعدلات السائدة في المنطقة، أصبحت فعلياً مرجعاً لتسعير العقارات، ليس على أساس العرض والطلب الحقيقي، بل وفقا للمصالح المؤسسية والربحية قصيرة الأجل.

تجميد التسهيلات السكنية.. وتهديد الاستقرار المالي

وأضافت “وطن امروز” أنه، بالتوازي مع هذه الممارسات المضاربية، تخلت البنوك عن التزامها القانوني بتخصيص 20٪ من التسهيلات لقطاع الإسكان. هذه التسهيلات، التي كان من الممكن أن تُموّل المشاريع السكنية أو تُمنح للأسر التي لا تملك مسكناً، وُجّهت إلى مجالات تحقق عائداً سريعاً وأرباحاً مرتفعة، مثل شراء السيارات والأجهزة المنزلية.

وأكدت أنّ هذا التوجّه لا يتعارض فقط مع السياسات الاقتصادية العامة للدولة، بل جعل امتلاك السكن حلماً بعيد المنال لملايين الأسر. كما أدّى تجميد السيولة في مشاريع الإسكان إلى دفع بعض البنوك نحو العجز المالي، إذ اضطرت للاقتراض من البنك المركزي للوفاء بالتزاماتها.

سعي البنوك وراء الأرباح السريعة على حساب التنمية

ذكرت الصحيفة أنّه في الوقت الذي صُممت فيه التسهيلات السكنية بسداد يمتد 12 عاماً وبفائدة منخفضة، فضلت البنوك استثمار مواردها في قطاعات تحقق عائداً أسرع وأرباحاً أعلى. وأشارت إلى أنّ هذا السلوك زاد من حدة الاختلال المالي للبنوك، وحوّل سوق الإسكان في الوقت نفسه إلى بيئة للمضاربة والاحتكار، مما ساهم في ارتفاع الأسعار والتضخم.

وأفادت بأنّ هذه القضية تصاعدت خلال الحكومة الرابعة عشرة بسبب غياب تدخل صانع السياسات بحزم. وأوضحت أنّ التعامل مع الشركات القابضة للبناء التابعة للبنوك، وفرض الالتزام بتخصيص تسهيلات الإسكان، وإعادة الموارد المصرفية إلى مسار الإنتاج، يجب أن يكون على جدول أعمال الحكومة والبنك المركزي والهيئات الرقابية. وأضافت أنّ التحذيرات الأخيرة من السلطة القضائية بشأن المخالفات المصرفية في قطاع الإسكان يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق للإصلاح الذي تأخر لسنوات .

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ سوق الإسكان، الذي تحول إلى ساحة للمضاربة وجني الأرباح المصرفية، يجب أن يتحوّل إلى بيئة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للناس. وأوضحت أنّ تصحيح سلوك البنوك في هذا المجال لن يسهم فقط في تحقيق التوازن في سوق العقارات، بل هو خطوة فعّالة ومباشرة نحو خفض التضخم، وزيادة الإنتاج، واستعادة الثقة العامة في النظام المالي للدولة.

Image

لماذا انخفضت قدرة إنتاج الإسكان؟

ذكرت الصحيفة أنّ امتداداً لهذا النهج، فإن إحدى النتائج المباشرة للسلوك المضاربي للبنوك في قطاع الإسكان هي ظهور مشكلة في البناء والتشييد في البلاد. وأوضحت أنّ سوق الإسكان اليوم يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في نقص المعروض، ليس بسبب غياب الأراضي أو اليد العاملة، بل نتيجة انسداد قنوات التمويل. وأضافت أنّ البنوك، التي كان من المفترض أن تلعب دور الميسّر في إنتاج الإسكان، أوقفت عملياً عجلة البناء من خلال امتناعها عن تقديم التسهيلات.

كما نقلت أنّ المطورين العقاريين، والتعاونيات، وحتى البنائين الصغار، أعلنوا مرارا أنّ الوصول إلى الموارد المصرفية لبدء أو استكمال المشاريع السكنية أصبح عقبة كبيرة. وأشارت إلى أنّ عملية الحصول على القروض ليست فقط طويلة ومكلفة، بل في كثير من الحالات، وبسبب عدم تعاون البنوك، أصبحت مستحيلة عملياً. وأبرزت أنّه نتيجة لذلك تُركت المشاريع نصف مكتملة، وتوقفت الخطط الجديدة، وانخفضت قدرة إنتاج الإسكان.

وأوردت الصحيفة أنّ هذا النقص في البناء، إلى جانب نمو السكان وتراكم الطلب، أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وجعل الفجوة بين قدرة الناس على الشراء والأسعار الحقيقية للإسكان فجوة مقلقة. وأوضحت أنّه في المدن الكبرى أصبح امتلاك المنزل حلماً بعيد المنال، بينما في المدن الصغيرة أدى نقص التسهيلات الكافية إلى شل حركة إنتاج الإسكان.

انحراف البنوك يعمّق أزمة الإسكان

أشارت الصحيفة إلى أنّ البنوك، بدلاً من أداء دورها التنموي، قامت بتوجيه مواردها إلى قطاعات تحقق أرباحاً قصيرة الأجل وعائداً سريعاً على الاستثمار. وأكدت أنّ هذا التوجّه لا يتعارض فقط مع مهمة المصرف التنموي، بل أدى عملياً إلى ركود في البناء ومشكلة في الإسكان، إذ إنّ البنوك، بتجاهلها الالتزام القانوني بتخصيص جزء من التسهيلات لقطاع الإسكان، أغلقت عملياً طريق الإنتاج.

وتابعت أنّ إصلاح هذا السلوك المصرفي أصبح شرطاً أساسياً لإحياء البناء والتشييد في البلاد، محذّرة من أنّه بدون عودة البنوك إلى دورها كمموّلة للمشاريع السكنية، لا يمكن توقع حل تحدي عرض الإسكان. وأكدت أنّ على الحكومة والهيئات الرقابية إجبار البنوك بجدية على تنفيذ الالتزامات القانونية ودعم إنتاج الإسكان قبل تفاقم المشكلة.

ضعف أداء الوزارة في كبح المضاربة

أبرزت الصحيفة أنّ وزارة الطرق والإسكان في الحكومة الرابعة عشرة، بصفتها الجهة المسؤولة عن وضع السياسات والهيئة الرئيسية في قطاع الإسكان، لم تتمكن من لعب دور فعّال في كبح السلوك المضاربي للبنوك. وأوضحت أنّه رغم تصدر الوزارة للمجلس الأعلى للإسكان وامتلاكها الأدوات القانونية لتوجيه الموارد المصرفية نحو البناء والتشييد، إلا أنّها عملياً لم تستطع ممارسة ضغط فعّال على النظام المصرفي أو استخدام قدراتها الرقابية لإلزام البنوك بتنفيذ الالتزامات القانونية.

وذكرت أنّ المجلس الأعلى للإسكان، الذي يفترض أن يكون غرفة قيادة لوضع السياسات في مجال تمويل وإنتاج الإسكان، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى هيئة شكلية إلى حد كبير. بدلاً من أن تكون جلسات هذا المجلس مكاناً لاتخاذ قرارات ملزمة للبنوك، اقتصر أغلبها على تقديم تقارير عامة وغير مجدية، ولم تُسنّ قرارات فعّالة لزيادة تسهيلات الإسكان، ولم تُتابع آليات تنفيذية للتعامل مع المخالفات المصرفية بجدية.

عجز وزارة الطرق والإسكان أمام نفوذ البنوك

أفصحت الصحيفة أنّ وزارة الطرق والإسكان، بدلاً من دفع البنوك بقوة  للقيام بدورها التنموي في قطاع الإسكان، تراجعت أمام مقاومة الشبكة المصرفية ولم تتمكن من استغلال أدواتها القانونية. وأبرزت أنّ نتيجة هذا الضعف تمثّلت في استمرار نهج البنوك في إدارة الشركات، والامتناع عن تقديم التسهيلات، وتفاقم ركود البناء والتشييد في البلاد.

وأوضحت أنّه في ظل سوق الإسكان الذي يعاني من نقص المعروض، والتضخم الحاد وتراجع القدرة الشرائية، يُتوقع من وزارة الطرق والإسكان إعادة تعريف دورها في المجلس الأعلى للإسكان وتبني سياسة نشطة بدلاً من الانفعال. وأفادت بأنّه يجب على الوزارة، بالتعاون مع البنك المركزي والسلطة القضائية والهيئات الرقابية، تصميم وتنفيذ آليات ملزمة لتوجيه الموارد المصرفية نحو إنتاج الإسكان، قبل أن يتحول ركود السوق إلى مشكلة هيكلية يصعب السيطرة عليها.

تضخم الإسكان وركود البناء تحت هيمنة البنوك

تابعت “وطن امروز” أنّه خلال العام الماضي، واجه سوق الإسكان تضخماً كبيراً وضغطاً متزايداً على القدرة الشرائية للأسر. وأوضحت الصحيفة أنّه وفقاً للبيانات الرسمية، بلغ معدل التضخم في الإسكان على مستوى البلاد نحو 20٪. ورغم أن هذا الرقم أقل من التضخم العام، إلا أنّه في المدن الكبرى مثل طهران، حيث أعلن مركز الإحصاء أن متوسط سعر المتر المربع من الإسكان وصل إلى 3000 دولار، وتم استبعاد شريحة واسعة من المتقدمين عن دائرة المشترين الفعليين. وأبرزت الصحيفة أنّه لذلك يجب على البنوك لعب دور فعّال في توفير الإسكان من خلال تقديم تسهيلات منخفضة التكلفة.

وأوضحت أنّ هذا التضخم لم يكن نتيجة ازدهار البناء، بل هو نتيجة ركود الإنتاج ونقص المعروض مقابل الطلب المتراكم. وأفادت بأنّ جزءًا كبيرًا من هذا الركود يعود إلى سلوك البنوك والجهة المسؤولة عن الصناعة، أي وزارة الطرق والإسكان. وأكدت أنّ البنوك، بدلًا من أداء دورها كمموّلة، تحولت إلى إدارة عقارات ومنعت تقديم التسهيلات، مما أغلق الطريق أمام البناء والتشييد. وأشارت إلى أنّه نتيجة لذلك، تم بناء وحدات جديدة أقل، وارتفعت الأسعار ليس على أساس واقع السوق، بل تحت تأثير الاحتكار والمضاربة.

غياب فاعلية الوزارة وتفاقم أزمة الإسكان

أشارت الصحيفة إلى أنّ وزارة الطرق والإسكان ظهرت في الغالب كمراقب فقط. وأوضحت أنّ ارتفاع أسعار مواد البناء، وأجور العمال، وتكاليف النفقات الجانبية أدى إلى رفع التكلفة الإجمالية للبناء، مما دفع المطورين لزيادة أسعار البيع للحفاظ على الربحية. وأضافت أنّ غياب التسهيلات المصرفية الفعّالة تسبّب في تراجع الطلب الاستهلاكي بشكل كبير، وتحول السوق نحو معاملات محدودة، غير إنتاجية، ومركّزة على رأس المال.

وأفادت بأنّ تضخّم الإسكان في هذه الظروف لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي؛ فالشباب والأسر محدودة الدخل والطبقة المتوسطة يواجهون مستقبلاً غامضاً في مسألة تملك المسكن. وأفادت بأنّ المشاريع الحكومية الداعمة، بما فيها “الحركة الوطنية للإسكان”، لم تحقق التأثير المطلوب نتيجة ضعف متابعة وزارة الطرق والتنمية الحضرية وعدم تعاون الشبكة المصرفية.

واختتمت “وطن امروز” بأنّ الحل يكمن في أن تلعب وزارة الطرق والتنمية الحضرية دوراً أكثر فاعلية في المجلس الأعلى للإسكان، وأن يستخدم صانعو السياسات الأدوات الضريبية والائتمانية والرقابية لتوجيه الموارد نحو الإنتاج الحقيقي، محذّرة من أنّ عدم القيام بذلك سيحوّل تضخم الإسكان إلى تحدٍّ هيكلي دائم في الاقتصاد الوطني.