إخلاء طهران.. تحذير غير مسبوق وأزمة تتفاقم

تواجه العاصمة الإيرانية طهران واحدة من أعقد أزماتها البيئية في التاريخ الحديث، حيث تتقاطع ندرة المياه مع سوء الإدارة والتوسع العمراني غير المنضبط لتشكل مزيجا خطيرا يهدد حياة الملايين، ومع توالي سنوات الجفاف وتراجع المخزون المائي إلى مستويات حرجة، بدأت التحذيرات تتصاعد بشأن مستقبل المدينة وقدرتها على الاستمرار كمركز سياسي واقتصادي لإيران. 

في ظل هذه الظروف، يتزايد القلق الشعبي والعلمي من دخول البلاد مرحلة العطش المزمن، وسط تساؤلات ملحّة حول جاهزية الحكومة لتقديم حلول حقيقية، وعن مدى استعداد المجتمع للتعامل مع أزمة وجودية تمس كل بيت في طهران.

تصريح الرئيس… من التحذير إلى الصدمة

في واحد من أكثر تصريحاته المثيرة للجدل منذ مجيئه للرئاسة، حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال تصريحات له، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، من احتمال إخلاء العاصمة طهران في حال استمرار الجفاف وعدم هطول الأمطار حتى نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني وبداية ديسمبر/كانون الأول، وقد جاء هذا التصريح في سياق لقاء رسمي حضره الرئيس وعدد من كبار المسؤولين والمتبرعين في مجال بناء المدارس، وقد جاء على لسان بزشكيان: “إذا لم تهطل الأمطار حتى نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني وبداية ديسمبر/كانون الأول، فسنضطر إلى تقنين المياه، وإذا استمر الجفاف، فقد نُضطر إلى إخلاء طهران”. 

Image

هذا ولم تتوقف تصريحات الرئيس المثير للجدل عند أزمة المياه فحسب، بل انتقد كذلك البيروقراطية في مؤسسة الرئاسة نفسها، قائلا: “يضم جهاز الرئاسة أربعة آلاف موظف، لكن صدقوني، لو بقي منهم أربعمئة فقط لكانوا أدوا العمل على نحو أفضل”. 

جدير بالذكر أن بزشكيان، ومنذ وصوله لمنصب الرئاسة، في يوليو/تموز 2024  تبنى فكرة نقل العاصمة من مدينة طهران إلى مكان آخر، معللا بذلك عدم قدرة المدينة القديمة على المضي قدما في إصلاح مشاكلها، معتبرا أنها تعدت مرحلة الإنقاذ، الرأي الذي تسبب في موجات من الانتقادات لساكن قصر الباستور كلما طرح.

Image

خلفية الأزمة… عطش العاصمة في قلب الهضبة الإيرانية

منذ أكثر من عقد تعيش إيران أزمة مائية خانقة، فتشير بيانات شركة إدارة الموارد المائية إلى أن أكثر من 19 محافظة تواجه مستويات جفاف غير مسبوقة بسبب تناقص معدلات الأمطار وتدهور شبكات المياه السطحية والجوفية، أما طهران، فتعد أكثر المتضررين، إذ تدخل عامها السادس على التوالي من الجفاف المستمر، بينما انخفضت نسبة امتلاء السدود الخمسة الرئيسية التي تغذي المدينة إلى 5٪ فقط لتشهد أدنى مستوى لها منذ ستين عاما.

Image

وبحسب تقرير نشرته صحيفة دنياي اقتصاد الإيرانية، فإن إجمالي كمية الأمطار المسجلة في طهران خلال العام المائي 2024/2025 لم تتجاوز 159 ملليمترا فقط، وهو الأدنى خلال قرن من الزمن، في حين لم تشهد العاصمة خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني أي هطول أمطار يذكر، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ نحو 30 ملليمترا لنفس الفترة. تضاف إلى ذلك مشاكل البنية التحتية القديمة والتوسع العمراني العشوائي والاستهلاك المفرط، لتجعل العاصمة أمام احتمال حقيقي للوصول إلى ما يعرف باليوم الصفري المائي، أي اليوم الذي تجف فيه صنابير المنازل تماما.

Image

بين التحذير والواقعية.. هل يمكن إخلاء العاصمة فعلا؟

من الناحية العملية، يرى العديد من الخبراء أن ما صرح به الرئيس الإيراني لا يمكن تطبيقه حرفيا، فإخلاء مدينة تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة خلال أسابيع أو أشهر أمر مستحيل لوجستيا وسياسيا واقتصاديا، وقد عبر عن هذا الموقف بوضوح غلام ‌حسين كرباسجي، عمدة طهران الأسبق، الذي قال في تصريح له: “إن إخلاء طهران لا معنى له إطلاقا، لا أفهم ما الذي يقصده الرئيس، هل ينوي إخراج جميع سكان المدينة؟ وأين سيسكنون؟ وحتى لو كان هناك مكان جاهز لاستقبالهم، فكيف يمكن تنفيذ ذلك في 15 يوما؟ هذا يشبه المزاح أكثر من كونه خطة حكومية”. 

Image

وأضاف كرباسجي أن تصريحات الرئيس يجب أن تفهم بوصفها تحذيرا رمزيا من تفاقم أزمة المياه، وليست خطة عمل، فبرأيه، أراد بزشكيان أن يوقظ الرأي العام، وأن يدفع المسؤولين والمواطنين على السواء إلى إدراك حجم الكارثة القادمة، لا أن يعلن عن مشروع إجلاء فعلي.

تحذيرات من التهويل بلا برنامج

لم يكن كرباسجي هو المنتقد الوحيد لتصريحات بزشكيان، فقد كتب حسين سلاح ‌ورزي، الناشط الاقتصادي المعروف، مقالا في صحيفة هم‌ میهن، السبت، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحت عنوان تحذير بدلا من برنامج، قال فيه إن قول الحقيقة بلا حلول عملية لا يجلب الوعي، بل الخوف، وإن المجتمع الإيراني، الذي يعاني أصلا من ضغوط اقتصادية وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، لا يحتاج إلى الصدمة بقدر ما يحتاج إلى خارطة طريق.

Image

وأضاف: “حين يتحدث الرئيس عن خطر بهذا الحجم، يجب أن يقدم في الوقت ذاته خطة إنقاذ واضحة، ما المشروعات الجارية لإعادة تدوير المياه؟ ما السياسات التي تم اتخاذها لتقليل الاستهلاك الصناعي والزراعي؟ من دون هذه الإجابات، ستتحول حتى أكثر الكلمات صدقا إلى مصدر للقلق”. 

من جهته، وصف حسين آخاني، أستاذ جامعة طهران والناشط البيئي البارز، فكرة إخلاء العاصمة بأنها “مزحة أكثر منها خطة، وقال في حديث لوسائل الإعلام” أزمة المياه لا يمكن حلها بنقل السكان، لأن الجفاف لا يقتصر على طهران، بل يشمل معظم الهضبة الإيرانية، حتى المدن الكبرى الأخرى مثل أصفهان ويزد وكرمان تعاني من نفس الكارثة، ونقل ملايين البشر لن يحل المشكلة، بل سيضاعفها”. 

وأضاف آخاني أن ما سماه البعض بخطة الإخلاء التدريجي لطهران ينفذ فعليا منذ سنوات، عبر الإجراءات غير المباشرة مثل إغلاق المدارس والمؤسسات بسبب انقطاع الكهرباء أو تلوث الهواء، وهي في جوهرها تدريبات على التأقلم مع فكرة مغادرة العاصمة مؤقتا، لكنه شدد على أن ذلك لا يمكن أن يكون بديلا عن إصلاح السياسات المائية والزراعية والتخطيط العمراني، التي أدت أصلا إلى هذه الأزمة.

فيما يؤكد آخاني أن أخطر ما تواجهه البلاد ليس الجفاف وحده، بل انعدام الثقة بين الشعب والحكومة، حيث قال إن نحو 80 % من المواطنين يشعرون بعدم الرضا عن أداء السلطات، والكثير منهم لم يشاركوا في الانتخابات الأخيرة، بينما من صوتوا فعلوا ذلك على أمل أن يلمسوا تغييرا لم يتحقق بعد، مضيفا: “حين يطلب من الناس خفض استهلاك المياه أو الصبر على التقنين، لن يستجيبوا ما لم يثقوا بأن الدولة نفسها صادقة وتفي بوعودها، حتى الوعود البسيطة مثل رفع الحظر عن بعض المنصات الإلكترونية لم تتحقق، فكيف ينتظر من الناس أن يتعاونوا في أزمات معيشية؟”. 

ووصف آخاني الوضع العام بأنه يشبه مريضا في مرحلة السرطان المتقدمة، موضحا أن لا حلول سريعة بعد هذه المرحلة، وأن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من استعادة الثقة العامة، لا من التهديد بالإخلاء.

هل يمكن إنقاذ طهران؟

على الرغم من تلك التصريحات المتصاعدة، إلا أن خبراء يقولون إن الكارثة، رغم خطورتها، ليست حتمية بعد، فثمة فرصة أخيرة لإنقاذ طهران، لكنها تحتاج إلى إدارة جادة وشجاعة تتجاوز الخطابات والتحذيرات، وتنتقل إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.

حيث يرى علي بيت‌ اللهي، مدير قسم إدارة المخاطر في مركز أبحاث الطرق والإسكان والتنمية الحضرية، أن الحل يكمن في إجراءات طارئة ومباشرة، وليس في شعارات كبيرة أو خطط بعيدة المدى. 

فوفق رأيه، على السلطات أن تركز فورا على الترشيد الحاد في استهلاك المياه، وأن تضع سياسات واضحة لتقليل الهدر في جميع القطاعات، من المنازل إلى المصانع والزراعة، كما يشير إلى أن جزءا من الآبار الزراعية المحيطة بطهران يمكن ربطه مؤقتا بشبكة مياه الشرب في العاصمة لتخفيف الضغط، إلى جانب ضرورة إصلاح شبكات التوزيع القديمة ومراقبة التسريبات التي تهدر كميات ضخمة من المياه سنويًا.
ومع ذلك، لا يخفي الخبير البيئي قلقه من أن هذه الإجراءات قد تبقى محدودة المفعول إذا لم يصاحبها وعي جماعي وتنسيق مؤسسي فعال، مؤكدا أن الاستهلاك غير الرشيد في المنازل والمصانع ما زال العائق الأكبر أمام تجاوز الأزمة.

من جانبه، يطرح محمد رضا فرزانه، أستاذ التغيرات المناخية وعضو هيئة البيئة والتنمية المستدامة، رؤية أكثر شمولا، إذ يرى أن إنقاذ طهران يتطلب تحولا جذريا في نمط إدارة المياه على المستويين المؤسسي والمجتمعي، فالمسألة ليست مجرد أزمة طبيعية، بل أزمة حوكمة، ناجمة عن غياب التنسيق وضعف الشفافية وانعدام المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، ويؤكد فرزانه أن الحل المستدام يقوم على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، التي تربط بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة في آن واحد.

بين الخوف والأمل

إن تحذير مسعود پزشكيان من إخلاء طهران، وإن كان غير عملي ومثير لمشاعر الخوف لدى الناس، قد يكون أقسى جرس إنذار تسمعه إيران منذ عقود لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالا عميقا عن القدرة الحقيقية للدولة والمجتمع على مواجهة الأزمات البيئية الكبرى، فالخطر المائي لم يعد احتمالا بعيدا، بل واقعا يطرق الأبواب، فيما لا يزال الخطاب الرسمي مترددا بين التحذير والتهدئة، وبين الصراحة والمساءلة.

وبالنظر إلى الواقع الإيراني اليوم، فإن ما تحتاجه طهران اليوم ليس فقط مزيدا من الأمطار، بل رؤية سياسية وبيئية متكاملة تعترف بأن الماء لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل مسألة وجودية تتعلق بحياة الملايين ومستقبل العاصمة نفسها، وحتى ذلك الحين، ستبقى عبارة الرئيس إذا لم تمطر، سنخلي طهران ترددها وسائل الإعلام كل يوم، بين من يراها صرخة إنذار أخلاقية، ومن يعتبرها علامة على عجز الدولة عن مواجهة العطش القادم.