- زاد إيران - المحرر
- 850 Views
في قلب العاصمة الإيرانية طهران شهد عام 1953 ميلاد محمد حسين صفار هرندي الشخصية البارزة التي رسمت مسيرة حافلة بالنضال الثوري والقيادة الثقافية، ليصبح أحد أعمدة النظام الإسلامي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في البلاد.
ينحدر هرندي من أسرة متدينة غارقة في جذور النضال ضد نظام الشاه، حيث كان عمه رضا صفار هرندي مواليد 1941 أحد أبرز أعضاء هيئات الائتلاف الإسلامي الذي استشهد في سن مبكرة (الـ 24 عاما) بعد مشاركته في عمليات مقاومة وظهر في صور تاريخية لمحاكمات الشاه محمد رضا بهلوي في الصف الأمامي.
بدأ هرندي مسيرته الأكاديمية كمهندس مدني متخرجا في جامعة إيران للعلوم والتقنية عام 1973 لكنه سرعان ما انخرط في الثورة الإسلامية عام 1979 مفضلا الدفاع السياسي على القتال المباشر انضم إلى الحرس الثوري مباشرة بعد الثورة، رافضا التنظيمات القتالية ليتوجه نحو المكتب السياسي، حيث واجه حملات الجماعات اليسارية والليبرالية في الأيام الأولى للثورة الإسلامية.
البدايات العسكرية والدفاع عن الثورة
في السنوات الأولى للثورة شغل هرندي مناصب عسكرية حاسمة مثل نائب قائد قوات الحرس في محافظتي هرمزغان وكرمان بين 1980 و1983 ثم نائب قائد في المناطق الوطنية ورئيس المكتب السياسي للحرس الثوري، ساهم بشكل فعال في تغذية المجتمع بمحتوى سياسي اجتماعي يدعم الثورة.
وحول جهوده نحو مواجهة الحرب الناعمة التي تهدد الهوية الإسلامية، وعن مدى تعلقه بهذه الأماكن، قال عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام: “تربطني بكرمان علاقة وطيدة، فقد حظيت بشرف الخدمة في أرضها في الستينيات وأواخر الخمسينيات، وفي كل مرة أزورها، تتجدد ذكرياتي”.
في عام 1989 حصل على بكالوريوس في العلوم العسكرية تلاه ماجستير في الإدارة الدفاعية عام 1993 ودورة نظرية في الإدارة الاستراتيجية عام 2014، هذه الخلفية العسكرية جعلته خيارا استراتيجيا لتعزيز الدور الثقافي داخل الحرس.
الانتقال إلى عالم الصحافة والإعلام، في عام 1993 انتقل هرندي إلى صحيفة كيهان كنائب مدير مسؤول ورئيس تحرير حيث غطى فترتي الإعمار والإصلاح، محولا الجريدة إلى أداة تحليلية وسلاح حاد ضد التهديدات الثقافية، نشر مئات المقالات الافتتاحية وكان عضوًا في مجلس سياسات وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية بين 1994 و1997.
ألقى مئات المحاضرات حول التدفق الثقافي والسياسة على مدى عقدين وساهم في دورات تعليمية عديدة، مما عزز دوره كمفكر ثقافي يحارب الغزو الثقافي الغربي، وأكد هرندي، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، أن الشعب الإيراني أوضح للأعداء في 30 ديسمبر/كانون الأول 2009 أن الثورة تمثل إرادة الشعب الحقيقية، محذرا من أن العدو لا يجب أن يحلم بأوهام خبيثة تجاه البلاد، وقال صفار هرندي في تصريحاته: “نحن ملتزمون بتعزيز أسس الثورة الإسلامية، ويتوجب علينا الحذر الشديد كي لا تهتز أركان النظام”.
وأضاف: “اقرأوا مصير من كانت لهم مشاكل مع النظام الإسلامي المقدس وعادوه، وانظروا كيف اختفوا من على وجه الأرض”، ووصف ذلك اليوم بأنه “الاتصال بين الشعب نفسه، وبين الشعب والحكومة، وبين الشعب والقيادة”، مشيرا إلى أن العدو أدرك أنه عاجز عن فعل أي شيء طالما بقي هذا الارتباط قائماً بين الشعب وزعيم النظام.
ولطالما أكد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام على أهمية “البصيرة”، موضحا أن تحقيقها بشكل صحيح يؤدي إلى التواصل البصري مع القيادة ويزيل أي شكوك حول الأحداث، وأضاف: “لطالما سعى البعض إلى إثارة الفتنة، وهي موجودة منذ عصر الأنبياء والأئمة المعصومين وحتى اليوم، لكن يجب أن نتحلى بالبصيرة كي لا ننخدع بهؤلاء”.
ذروة المسيرة
بلغ هرندي قمة تأثيره السياسي عام 2005 عندما عينه الرئيس محمود أحمدي نجاد وزيرا للثقافة في الحكومة التاسعة، حاصلا على تصويت الثقة البرلماني بأغلبية ساحقة، ركز على مكافحة وحظر الموسيقى غير المتوافقة مع القيم الإسلامية مثل الروك والراب، داعيا الفنانين إلى إنتاج محتوى هادف.
وفي الحكومة العاشرة لحسن روحاني تنازل هرندي عن المنصب لمحمد حسيني، مفضلا التركيز على تحليل الحرب الناعمة والأنشطة الأكاديمية، ومع ذلك انتهت وزارته باستقالة درامية في 26 يوليو/تموز 2009 احتجاجا على قرارات الرئيس أحمدي نجاد، خاصة تعيين إسفنديار رحيم مشائي.
في خطاب الاستقالة أكد هرندي رضاه التام معتبرًا نفسه معفىً من المسؤولية رغم التأخير القانوني، معلنا تحرره من مسؤولية الوزارة وعدم تواجده فيها ابتداءً من الغد.
وأفادت وكالة “فارس” للأنباء بأن الاستقالة جاءت بعد نفي نائب مسؤول الإعلام في الحكومة نبأ إقالة صفار هرندي، حيث أصدر الوزير خطابا رسميا يؤكد فيه اعتزازه بالقرار الشفهي السابق للرئيس بشأن إقالته، متجاهلا التعليق الناتج عن عدم اكتمال النصاب القانوني للحكومة.
وجاء في نص خطاب الاستقالة الموجه إلى الرئيس: بعد الإعلان الشفهي عن قراركم بشأن إقالتي وتعيين القائم بأعمال الوزير، والذي نُشر خبره في شبكة الأخبار الحكومية الخاصة ومواقع إخبارية أخرى، سررتُ بإعفاء نفسي من هذه المسؤولية الجسيمة، ولكن يبدو أن عدم اكتمال النصاب القانوني للحكومة أدى إلى تعليق هذا القرار، والآن، وإذ أأسف على الحالات الأخيرة التي أهانت الحكومة الموقرة، فقد أخذتُ الإعلان الأول على محمل الجد، متجاهلاً الأخبار الهامشية”.
وختم هرندي بيان الاستقالة، قائلا: وأعتبر نفسي في براءة من مسؤولية وزارة الثقافة ولن أكون متواجدًا في الوزارة ابتداءً من الغد، ومع ذلك، فأنا مستسلم وراضٍ بهذا المصير، إذ سيُستخدم اسم وسمعة هذا الخادم الصغير وجنديّ ولاية الأمر، في الأيام الثمانية المتبقية من عمر الحكومة التاسعة ‘حكومة أحمدي نجاد’، وأكد صفار هرندي في ختام خطابه رضاه التام بهذا الوضع، مشيرا إلى أن اسمه سيُستخدم رمزياً خلال الأيام الثمانية المتبقية من عمر الحكومة.
العودة إلى الحرس والتعيينات الاستراتيجية في أكتوبر/تشرين الأول 2009 عاد هرندي إلى الحرس مستشارا ثقافيا للقائد الأعلى ثم في 28 سبتمبر/أيلول 2010 عينه الجنرال محمد علي جعفري نائبا لوزير الثقافة والشؤون الاجتماعية داخل الحرس لتعزيز مواجهة الحرب الناعمة.
شدد التعيين على استغلال خبراته في رفع المستوى الثقافي داخل الصفوف العسكرية وفق رؤية المرشد علي خامنئي.
وفي أمر التعيين الجديد، شدد الجنرال جعفري على ضرورة الاستفادة من خبرات هرندي السابقة وتوظيف الإمكانيات المتاحة لتعزيز الدور الثقافي داخل الحرس الثوري، مع التركيز على رفع المستوى الثقافي وتعميق العمل الداخلي، يُعد هذا التعيين خطوة هامة في دمج الخبرات الثقافية مع الجهاز العسكري، خاصة في ظل التحديات الإعلامية والنفسية التي تواجه إيران، وسط توقعات بأن يساهم هرندي في تنفيذ برامج استراتيجية لتعزيز الوعي الثقافي داخل صفوف الحرس الثوري.
في 14 مارس/آذار 2012 عُين عضوا حقيقيا في مجمع تشخيص مصلحة النظام بأمر القائد الأعلى وهو المنصب الذي يحتفظ به حتى اليوم.
وفي مناسبات عدة بدا على شخصيته النضال في سبيل الحفاظ على وحدة الشعب الإيراني وعن مفتاح تلك الوحدة الوطنية أكد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في مراسم إحياء ذكرى شهداء الجامعة الشاملة للعلوم التطبيقية، على قيمة العلم وشجاعة القوات المسلحة، واعتبر الحضور الجماهيري الحماسي في الميدان عاملًا ندم عليه العدو، ومفتاحا للوحدة الوطنية، وحلل كواليس الأحداث الأخيرة، وجهود العدو لتقسيم إيران.
صدارة الإشراف على الإعلام الرسمي
في 3 يناير/كانون الثاني 2022 انتخب مجلس الإشراف على هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمي هرندي رئيسا بالإجماع مع محمد جواد لاريجاني نائبا له في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 3 يناير/كانون الثاني 2022، وضم المجلس ممثلين عن السلطات الثلاث، مما عكس تركيز النظام على تعزيز الإشراف الاستراتيجي على الإعلام، وسط التحديات الثقافية استمر في المنصب حتى 2024 مساهما في هياكل مؤسسية لمواجهة التهديدات الإعلامية.
يُعد انتخاب صفار هرندي، الوزير السابق للثقافة والإرشاد الإسلامي والمستشار الثقافي السابق لقائد الحرس الثوري، خطوة تعكس التركيز على تعزيز الإشراف الاستراتيجي على الإعلام الرسمي، خاصة في ظل التحديات الثقافية والإعلامية التي تواجه البلاد.
إرث ثوري مستمر
يعد هرندي اليوم مستشارا ثقافيا لقائد الحرس وعضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام محافظا على دوره في رسم السياسات الثقافية، ساهم في إنشاء هياكل لمواجهة التهديدات النفسية والإعلامية، وألقى مئات الجلسات حول القضايا الاجتماعية.
مسيرته تجسد الاندماج بين الدفاع العسكري والقيادة الثقافية، مما جعله رمزا للصمود الثوري في إيران المعاصرة.

