لعبة المصالح في العقوبات.. هل أدت الضغوط الاقتصادية إلى تغييرات في السلوك السياسي للإيرانيين؟

في ليلة هادئة من ليالي طهران، يجلس تاجر صغير في سوق البازار، يعدّ أوراقه النقدية المتهالكة تحت ضوء مصباح خافت، “العقوبات؟” يهمس بابتسامة ساخرة، “هي صديقتنا الآن، بدونها، لما تعلّمنا كيف نعيش!”.. هذه الكلمات ليست مجرد قصة فردية؛ إنها نبض اقتصاد إيراني تحول تحت وطأة عقوبات استمرت عقودا، من برنامج نووي مثير للجدل إلى صفقات نفط سرية في أعماق الخليج العربي.. هل أجبرت هذه الضغوط صانعي القرار على الاستسلام أم أنها خلقت وحشا جديدا في الظلام؟ 

في هذا التحقيق الخاص، نغوص في أعماق “لعبة المصالح”، نكشف كيف تكيّفت إيران مع العقوبات، وكيف أدت إلى فجوة طبقية هائلة، ونستعرض تفاصيل جديدة من تقارير سرية وشهادات حية، لنكشف الوجه الخفي لهذه الحرب الاقتصادية الباردة.

Image

العقوبات: سلاح ذو حدين

تخيّل لوحة شطرنج عملاقة، حيث تتحرك قطع الولايات المتحدة وأوروبا بجرأة لإسقاط الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي منذ عقود، فرضت واشنطن وبروكسل عقوبات اقتصادية هائلة، تستهدف قلب البرنامج النووي الإيراني وسياساتها الإقليمية في الشرق الأوسط، الهدف؟ إجبار صانعي السياسات في طهران على تغيير مسارهم عبر ضرب الاقتصاد في مقتل. 

الاقتصاد السياسي للعقوبات على إيران

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تعرضت طهران لعقوبات دولية متتالية أدت إلى عزلتها اقتصاديا، بدأت بأزمة الرهائن (1979) وتجميد الولايات المتحدة 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، رغم تخفيفها باتفاقيات الجزائر (1981) ثم تكثفت العقوبات الأمريكية في عهد بيل كلينتون ضد استثمارات النفط والغاز، ثم مع الكشف عن مواقع نووية سرية (2002). 

لاحقا؛ فرضت الأمم المتحدة عقوبات (2006-2010) تستهدف الأفراد، الأسلحة، والأصول المالية بسبب البرنامج النووي والصواريخ وفي 2012، انضم الاتحاد الأوروبي لحظر النفط وتجميد أصول البنك المركزي، مما شل الاقتصاد حتى اتفاق النووي (JCPOA) مع 5+1 (2015)، الذي رفع العقوبات النووية في 2016 حتى أعادت إدارة دونالد ترامب فرضها (2018) بهدف إضعاف البرنامج النووي، الحد من النفوذ العسكري، ردع الدول المجاورة، وإثارة تغيير النظام عبر الضغط الاقتصادي القصوى.

العقوبات الاقتصادية

تخيّل لو أن الحرب لم تعد تُدار بالدبابات والصواريخ، بل بأوراق نقدية مقطوعة وموانئ مغلقة، هنا تبرز العقوبات كأداة سحرية في ترسانة السياسة الخارجية، سيفٌ يقطع شرايين الاقتصاد دون إراقة دماء. هدفها الرئيسي؟ إجبار الدولة المتمردة على الرقص على إيقاع جديد، سواء بتعديل سياساتها السياسية أو إعادة رسم خريطتها الاقتصادية.

والسؤال: لماذا تُفضّل الدول هذا الخيار؟ ببساطة، لأنه يصدّ كارثة الحرب، يحافظ على الأرواح، ويخفض فواتير الدفاع التي تبتلع المليارات.. في عالم العقوبات، تتربع العقوبات الاقتصادية على القمة وهي عبارة عن أدوات متنوعة أبرزها:

• تعريفات جمركية تُثقل كاهل الصادرات بضرائب ثقيلة.

• حصص استيراد تقيد الكميات كحارس يغلق البوابة.

• حظر تجاري كامل يقطع الجسور التجارية.

• حواجز غير جمركية تُعيق الواردات بذرائع بيروقراطية ماكرة.

أحادية أم جماعية؟

العقوبات الأحادية: بطل واحد قوي اقتصاديا يواجه الخصم وحده، فعالة كضربة برق إذا كانت الدولة المفروضة عملاقا.

العقوبات متعددة الأطراف: تحالف دولي يوزع المخاطر كلعبة جماعية، أقل حدة لكن أكثر أمانا.

معركة السلع

تصنيف آخر للعقوبات الاقتصادية يعتمد على مدى تدفق السلع وتنقسم إلى نوعين، الأول يتمثل في حظر التصدير أو ما يعرف بـ (عقوبة التصدير)، حيث يمنع تدفق السلع إلى الدولة المستهدفة، تأثيره خفيف نسبيا، إذ يمكن للضحية اللجوء إلى بدائل محلية أو دول أخرى يُستخدم عادة للسلع عالية التقنية، وتكون التكنولوجيا محتكرة في أيدي قلة، على سبيل المثال: منع تصدير الأسلحة المتطورة، الذي يشل الجيش دون طلقة واحدة.

Image

أما النوع الثاني فيشمل حظر الاستيراد أو ما يسمى بـ(عقوبة الاستيراد): يقطع صادرات الدولة المعاقبة، مما يُغرق شركاتها في الإفلاس ويولد جيوشا من العاطلين، ضغط هائل، لكنه يفقد قوته أمام الدول المعزولة أو ذات الروابط الدولية الضعيفة، كقلعة محاصرة لكنها مكتفية ذاتيا.

العقوبات التجارية

هذه الفئة كسيف ذي حدين: تسعى لأهداف اقتصادية بحتة، مثل مواجهة الدعم الحكومي أو السياسات الحمائية، تخيل البرازيل في مارس/آذار 2010 ترفع تعريفات على قطن أمريكا ردا على دعم مزارعي الولايات المتحدة – منافسة شرسة على الساحة العالمية!

أما الأهداف السياسية، فتكشف عن وجه أخلاقي: عقوبات الاتحاد الأوروبي على ميانمار لضعف الديمقراطية وحقوق الإنسان، كعقاب يهدف إلى إصلاح النظام.

حرب العقوبات

طبيعة هذه الأدوات أنها تُشعل نارا متبادلة، فرضت الولايات المتحدة في 2002 تعريفات على الصلب الأمريكي لحماية صناعتها من الصين وروسيا؟ 

رد الاتحاد الأوروبي بتهديد تعريفات مضادة، وأعلنت منظمة التجارة العالمية الحكم: غير قانونية! إنها رقصة خطيرة تحول الاقتصاد إلى ساحة معركة، حيث يرد الضربة بالضربة، ويبقى الشعب الضحية الأكبر.

لكن، كما يكشف تقرير داخلي لمجلس الأمن القومي الإيراني (مسرب حديثا عبر قنوات دبلوماسية)، لم يحدث التغيير المنشود، بدلا من الانهيار، بنى النظام “اقتصاد المقاومة” – مصطلح رسمي أطلقه المرشد الأعلى نفسه في 2014 – يعتمد على الاكتفاء الذاتي والتحايل الذكي.

Image

في 2023، أفادت وثائق البنك المركزي الإيراني بأن صادرات النفط غير الرسمية بلغت 1.2 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ500 ألف فقط في 2018، عبر أساطيل “أشباح” تتجنب الرادارات الأمريكية في بحر عمان، هذا التكيف لم يكن صدفة؛ إنه استراتيجية مدروسة قللت من حافز التفاوض، إذ أصبحت المصالح الشخصية للنخبة متشابكة مع الهيكل الجديد.

التكيف: من الرضوخ إلى الابتكار

بدلا من الاستسلام، لجأت إيران إلى “حلول مبتكرة” كما يصفها مسؤول اقتصادي سابق على سبيل المثال، أطلقت حملة “الإنتاج المحلي” في 2020، حيث زادت إنتاج الوقود المحلي بنسبة 40%، مستبدلة الواردات الأوروبية بمصافٍ محلية في بندر عباس، شهادة حية من مهندس في مصفاة أصفهان: “كنا نستورد قطع غيار من ألمانيا؛ الآن نصنعها هنا، رغم التأخير، العقوبات علمتنا الاعتماد على أنفسنا”، لكن هذا الجانب الإيجابي يخفي الوجه الآخر: نمو اقتصاد غير رسمي يشبه “سوقاً سوداء عملاقة”، حيث تُدار صفقات النفط عبر وسطاء في دبي وسنغافورة. 

تقرير لمنظمة الشفافية الدولية (2024) يكشف أن 25% من التجارة الإيرانية غير شفافة، مما يغذي الفساد ويقلل من احتمالية تغيير السلوك السياسي.

Image

لماذا فشلت إيران في تكرار نموذج روسيا؟

في عالم يتجه فيه الجميع شرقا، حاولت إيران تعزيز روابطها مع الصين والهند وروسيا، لكن “التدابير المضادة” – كما تسميها طهران – حالت دون تجارة رسمية، روسيا، بعد غزو أوكرانيا في 2022، زادت تجارتها مع بكين بنسبة 60%، محافظة على تضخم أحادي الرقم (حوالي 7% في 2024، حسب البنك المركزي الروسي)، إيران؟ محاصرة بقائمة (FATF) السوداء منذ 2020، مما منع معاملات بنكية شفافة.

في 2024، رفضت بنوك صينية كبرى مثل ICBC تمويل صفقة نفط إيرانية بقيمة 500 مليون دولار، خوفا من عقوبات ثانوية أمريكية، نتيجة؟ ازدهار صفقات “البارتر” (النفط مقابل السلع)، لكنها غير كافية، مقارنة: روسيا حصلت على 100 مليار دولار من الهند في 2023؛ إيران بالكاد 20 مليارا، معظمها غير رسمي.

اقتصاد الظل

العقوبات المصرفية أغلقت قنوات الاستثمار الأجنبي، وتسببت في ضعف الاقتصاد الرسمي بنسبة 30% منذ 2018 (تقرير البنك الدولي)، النتيجة؟ ازدهار “اقتصاد الظل”، حيث تستغل جماعات مرتبطة بالحرس الثوري الفراغات، على سبيل المثال: في ميناء بندر عباس، يُباع النفط المهرب بتخفيض 20%، مما يركز الثروة في أيدي قلة. 

Image

هذا يفاقم عدم المساواة، ويضعف ثقة الشعب – استطلاع رأي داخلي (2025) يظهر أن 65% من الإيرانيين يرون النظام “فاسداً بسبب العقوبات”.

فعالية العقوبات

تخيّل مدينة محاصرة، ليست بجدران حجرية، بل بجدران من الأرقام والحسابات، الطعام ينفد، الأدوية تختفي، الرواتب تتآكل، والناس في الشوارع يهمسون: لماذا؟ في القصر، يجلس الحاكم، يقرأ التقارير، يرى الاحتجاجات تتكاثر هنا تبدأ قصة العقوبات – ليست قصة حرب، بل قصة ضغط من الأسفل إلى الأعلى.

كيف تُولد الثورة من المعدة الفارغة؟

العقوبات لا تُرسل جيوشا، بل تُرسل فواتير.. تُغلق الموانئ، تُجمد الحسابات، تُمنع الرقائق الإلكترونية، يرتفع سعر الخبز، يُسرَّح العمّال، يُغلق المصنع، والمواطن العادي – ليس الجنرال، ولا الوزير – هو أول ضحية، لكن الهدف ليس إيذاءه، بل تحويله إلى صوت.

في بلد ديمقراطي، أو شبه ديمقراطي، يخرج الناس إلى الشوارع، تُشكَّل الجمعيات، تُكتب العرائض، تُبث التقارير على التلفاز، تُهدد الانتخابات، فيُضطر الحاكم – خوفًا على كرسيه – إلى التفاوض، أو التراجع، أو التغيير، لكن ماذا لو لم يكن هناك شارع؟ ماذا لو كانت الجمعيات محظورة؟ ماذا لو كان الحاكم يسيطر على الإعلام، والجيش، والخبز؟ 

عندها، تُصبح العقوبات مجرد ريح تهب على جبل.

خريطة الضعف.. من يصمد؟

كل دولة لها نقطة ضعف، العقوبات تبحث عنها كالصياد عن الجرح.

1. الدولة الصغيرة، المفتوحة، المعتمدة تستورد 70% من غذائها، تصدر 40% من ناتجها إلى دولة واحدة، لا تملك بدائل.

مثال: لو فرضت أمريكا عقوبات على دولة جزرية تعتمد على السياحة الأمريكية؟

→ الاقتصاد ينهار في أشهر.

Image

2. الدولة الكبيرة، المتنوعة، المحاصرة ذاتيا، تملك نفطا، قمحا، مصانع، جيرانا تستطيع استبدال السوق الغربي بالشرقي، لديها عملة بديلة، أو ذهب، أو شبكات سرية.

مثال: روسيا 2022 استُبعدت من نظام سويفت؟ باعت نفطها للهند والصين بخصم 30%، استخدمت اليوان، طورت نظام دفع محلي.

نجت.

3. السلع الاستراتيجية: المفتاح الذهبي كـ النفط، الرقائق الإلكترونية، والأدوية والأسلحة ومن يملكها، يملك السلاح النووي الاقتصادي، ولكن من يفتقدها يركع للأبد.

انهيار الطبقة الوسطى

Image

قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي (JCPOA) في 2018، كان معدل الفقر أقل من 20%، اليوم؟ 30%، مع 4% في فقر مدقع (إحصاءات رسمية إيرانية 2024)، التضخم المزمن (أكثر من 40% سنويا) أكل القدرة الشرائية؛ عائلة متوسطة في طهران تحتاج الآن 50 مليون ريال شهريا للغذاء الأساسي، مقارنة بـ10 ملايين في 2017.. شهادة مؤثرة: أم في شمال طهران، كانت معلمة، تقول: “بعت سيارتي لأشتري دواء لابني. الطبقة الوسطى؟ اختفت مثل الثلج في الصحراء”. 

العقوبات لم تخلق نموا غير متكافئ فحسب؛ بل دمرت مفهوم التنقل الاجتماعي.

الثراء في الظل

في الجانب الآخر، ارتفعت أسعار الأصول – الذهب بنسبة 300% منذ 2018، العقارات في طهران بنسبة 500%، النخبة، التي تمتلك 70% من السلع المعمرة (حسب دراسة جامعة طهران 2025)، استفادت من التضخم، مثال: تاجر مرتبط بالحكومة اشترى شققاً في 2019، وباعها اليوم بربح 10 أضعاف، العجز الميزاني (أكثر من 15% من الناتج المحلي) دفع الحكومة لطباعة نقود، مما أثرى الأغنياء وأفقر الفقراء.

Image

تقرير سري لوزارة الاقتصاد يكشف أن 1% من السكان يسيطرون على 40% من الثروة، مقارنة بـ25% قبل العقوبات.

النظام الصحي تحت الحصار

استيراد الأدوية انخفض بنسبة 60%؛ دواء السرطان يُباع في السوق السوداء بـ10 أضعاف السعر. مستشفيات في الأحياء الفقيرة تفتقر للمعدات، مما رفع معدل الوفيات بنسبة 15% (منظمة الصحة العالمية 2024).

آثار العقوبات على القطاعات والشركات والأسر

يُعد تحديد آثار العقوبات على مستوى القطاع والشركات أمرا أساسيًا لفهم كيفية استجابة الاقتصاد الإيراني لضغوط العقوبات، بالإضافة إلى ذلك، تُقدم دراسات الآثار الاقتصادية الجزئية للعقوبات رؤىً ثاقبة حول التوظيف ورفاهية الأسرة، أظهر الباحثان لوداتي وبيساران (2012) انخفاضا منهجيا في التوظيف مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع تأثر النساء أكثر، وتراجعا في التعليم الثانوي (مدارس ومعلمين) مع فجوات جنسية.

وقد لعبت الفجوات بين الجنسين دورًا رئيسيًا في ذلك، في دراسة مماثلة، يؤكد قمي (2022) الآثار الكبيرة والشديدة والمستمرة للعقوبات على الاقتصاد الإيراني، ولكنه يُظهر أن هذه الآثار كانت شديدة التباين، على وجه التحديد، أدت إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19% كحد أقصى عام 2015 (قبل JCPOA)، مع استمرار الآثار السلبية عامين بعد الرفع، أكد تباين الآثار: الأسر ذات الوصول إلى الإيجارات السياسية/الاقتصادية عانت أقل، بينما ارتفع الفقر بنسبة 10% خلال العقوبات، وهرب 6% فقط عند الرفع. 

Image

كما تأثرت الأسر الريفية، الشابة، محدودة التعليم، العاملة بالقطاع الخاص، الأقليات الدينية، والدخل المنخفض/المتوسط أكثر؛ بينما عانت الأسر الحكومية والمتعلمة أقل، وفي دراسة أكد غريبنواز وواشيك (2018) انخفاض الرفاهية العامة بنسبة 15%، مع تراجع رفاهية الأسر الريفية ضعف الحضرية، وأكبر خسارة للأشد فقرًا في الجانبين.

رقصة العقوبات الأخيرة

على مدى ثلاثة عقود، أطلقت واشنطن رصاصات اقتصادية متنوعة نحو طهران، لكن الجدل يدور حول ما إذا كانت هذه الرصاصات تخترق الدرع أم ترتد عليها، هل هي ضربات قاضية، أم مجرد تلويحات؟ هنا في بحر “توازن ناش” – تخيل: عالما مصغرا يضم ثلاثة عملاقة: إيران المتحدية، أمريكا المهيمنة، والصين الماكرة حتى عام 2006، كانت معظم العقوبات الأمريكية على إيران أحادية الجانب، كمحارب يقاتل وحده في ساحة حرب مزدحمة، لكن هذا القتال الفردي مكلف وتأثيره محدود كقطرة في بحر، إذ تستطيع إيران، كتاجر ذكي، استبدال البضائع الأمريكية بسلع صينية بديلة، محولة الضغط إلى فرصة.

إذا ضربت أمريكا إيران بعقوبات، يمكن لطهران أن تلجأ إلى الصين لسد الفراغ.. هنا، يجب على الولايات المتحدة إغراء بكين – أو إجبارها – على الانضمام إلى اللعبة الجيوسياسية، لتحويل العقوبات إلى وثيقة مشتركة. 

لكن ما الثمن؟ 

انخفاض صادرات الدول المعاقبة، كأنها تضحي بذراعها لقطع ذراع الخصم، الآن، نستدعي “توازن ناش” وهو مفهومٌ أساسي في “نظرية الألعاب”، افترضوا أن صادرات كل من أمريكا والصين إلى إيران تبلغ ملياري دولار، ككنزين متساويين، كل دولة تختار بين خطوتين: “معاقبة إيران” أو “الامتناع عنها”، ثمة سيناريوهين

السيناريو الأول:

الرقصة الحرة دون إغراء: إذا امتنعت أمريكا عن العقوبات، مهما فعلت الصين، تخسر أمريكا 7 مليارات دولار – خسارة سياسية هائلة، (رقم يبرز هيمنتها الاستراتيجية)، وإذا انضمت بكين إلى العقوبات، تفقد ملياري دولار من صادراتها، كتاجر يغلق متجره طواعية، وإذا عاقبتا معا، ينخفض كل تصدير بملياري، لكن الضرر مشترك.

أما إذا عاقبت أمريكا وحدها، وامتنعت الصين، فتخسر أمريكا ملياري دولار، بينما تربح الصين ملياري – إيران تشتري من الصين ما حُرمت منه أمريكيا، هنا، يعلن توازن ناش فوزه: أمريكا تعاقب، والصين تمتنع والنتيجة؟ أمريكا تتحمل العبء وحدها.

السيناريو الثاني: 

الإغراء بالسيف المزدوج: تستخدم أمريكا نفوذها لإقناع الصين بالانضمام، وإلا حظر وارداتها من أمريكا (3 مليارات دولار للصين، 4 مليارات لأمريكا)، إذا امتنعت بكين تخسر صافي مليار (بعد حساب التبادل)، لكن في لعبة ديناميكية، تشتعل حرب عقوبات متبادلة، كرقصة نارية!

دورة تصعيد العقوبات 

في ظلّ النفوذ السياسي على المستفيدين بدلا من الضحايا، قد تشتد العقوبات الاقتصادية رغم الانكماش المستمر في حجم الاقتصاد كما في الشكل التالي..

Image

هل تنجح العقوبات؟ 

وكشفت دراسة من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (2021): فقط 34% من العقوبات نجحت في تغيير سلوك الدولة المستهدفة، ويكون النجاح أعلى عندما تكون العقوبات متعددة الأطراف.

تستهدف دولة صغيرة أو معزولة، ويكون الهدف واضحا وقابلا للقياس (مثل إطلاق رهينة، لا “تغيير النظام”).

مثال فاشل: 

عقوبات على كوبا منذ 1960 → لم تسقط النظام، بل زادت معاناة الشعب.

مثال ناجح: 

عقوبات على جنوب إفريقيا في الثمانينات → ساهمت في إنهاء الفصل العنصري.

تُسبب العقوبات أضرارا اقتصادية واجتماعية عبر: اتساع الفقر، نمو الاقتصاد غير الرسمي والفساد، تعزيز نفوذ الجماعات المستفيدة، وإضعاف سيادة القانون، على المدى الطويل، تُحدث انحرافات سياسية بزيادة حصة المستفيدين، مما يُشدد العقوبات ويرفض الإصلاحات السلمية، محولةً إياها إلى أداة متناقضة، تُبرز التجارب التاريخية هذه الديناميكيات في الأنظمة الاستبدادية التي تهتم فقط بمصالح مؤيديها.

الحلول المقترحة: إصلاحات أم أحلام؟

للخروج من دائرة العقوبات، يقترح خبراء: الانضمام إلى FATF لتسهيل التجارة، تعزيز الشفافية عبر قوانين مكافحة الفساد، وإعانات موجهة لـ10 ملايين فقير، لكن بدون إرادة سياسية، ستتفاقم الأزمة.. لعبة مستمرة دون فائز العقوبات لم تغير سلوك إيران؛ بل غيرت إيران نفسها إلى “اقتصاد مقاوم” يزدهر في الظلال، لكنه يأكل من جسد مجتمعه، الفجوة الطبقية ليست مجرد أرقام؛ إنها قنبلة موقوتة اجتماعية.

هل تنفجر؟ أم تستمر اللعبة؟ في النهاية، العقوبات الاقتصادية ليست مجرد أرقام وبنود؛ إنها قصص من الضغط والصمود، تكشف كيف يمكن للمال أن يكون أقوى من المدافع.

كلمات مفتاحية: