ميراث حارس العقلانية الصعب: علي لاريجاني وهندسة التوازنات في إيران 

كتب: الترجمان

في تاريخ الأمم، ثمة شخصيات لا يُقاس حجم تأثيرها بعدد المناصب التي شغلتها، بل بمدى التغيير البنيوي الذي أحدثته في “عقل الدولة”. ويقف علي لاريجاني في طليعة هذه الشخصيات داخل إيران. لاريجاني ليس مجرد سياسي عبر ردهات البرلمان ومجلس الأمن القومي، بل هو “ظاهرة فكرية” استطاعت أن تمزج بين صرامة الفلسفة وتعقيدات الواقعية السياسية. 

اليوم، ومع مرور أربعين يوما على غيابه التراجيدي في ربيع 2026، يبرز سؤاله الجوهري: كيف أثر “ميراث لاريجاني” في هندسة النظام السياسي؟ وكيف تحول الرجل الذي رُفضت صلاحيته “سياسيا” إلى المرجعية التي تأكدت صلاحيتها “وطنيا” في أحلك لحظات المواجهة؟

من هايدغر إلى بوبر: التحولات الفكرية لليمين المعتدل

تبدأ جذور ميراث لاريجاني من تكوينه الفلسفي العميق؛ فهو ابن الحوزة والجامعة، الذي نشأ في بيت المرجعية فهو ابن رجل الدين ميرزا هاشم آملي، وتشرّب الفلسفة الغربية والإسلامية. في بداياته، كان لاريجاني يمثل “اليمين التقليدي” الصارم، متأثرا بطروحات الفيلسوف “مارتن هايدغر” حول الهوية والجوهر، وهو ما عكسه أداؤه في قيادة الحرس الثوري ثم رئاسة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما) لعشر سنوات. في تلك المرحلة، كان يُنظر إليه كحارس مخلص للأيديولوجيا الثورية، يقف في خندق المواجهة الأول ضد الانفتاح الثقافي والسياسي.

بيد أن الميراث الحقيقي للاريجاني بدأ يتشكل مع انتقاله من “النظرية” إلى “إدارة الدولة” في أعلى مستوياتها. لقد خضع لاريجاني لعملية تحول فكري، يمكن وصفها بالانتقال من “الجوهرية الهايدغرية” إلى “الواقعية البوبرية” (نسبة إلى الفيلسوف كارل بوبر)، حيث بدأ يدرك أن الحفاظ على النظام لا يكون بالجمود الأيديولوجي، بل بالقدرة على التغيير في عين البقاء. 

هذا التحول هو ما جعله هدفا لهجمات التيارات المتشددة التي رأت في “عقلانيته المستجدة” نوعا من التراجع، بينما كان هو يراها “نضجا سياسيا” يهدف إلى حماية هيكل الدولة من التآكل الداخلي والصدام الخارجي غير المحسوب.

Image

مهندس “البرلمان المستقل”: لاريجاني وضبط إيقاع القوى

يُعد الميراث البرلماني لعلي لاريجاني، الذي امتد لاثني عشر عاما متصلة، حجر الزاوية في مسيرته. لم يكن لاريجاني رئيسا تقليديا للبرلمان، بل كان “مهندسا” استطاع أن يحول البرلمان إلى لولب توازن بين القوى السياسية المتصارعة. في عهده، لم يعد البرلمان مجرد ساحة للشعارات، بل تحول إلى “غرفة تفكير” تراقب السلطة التنفيذية بصرامة. 

لقد برزت عبقريته السياسية في قدرته على لجم راديكالية الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد من جهة، ودعم عقلانية الرئيس الأسبق حسن روحاني في الملفات الاستراتيجية من جهة أخرى.

لقد سجل التاريخ للاريجاني شجاعته في تمرير “الاتفاق النووي” (برجام) داخل برلمان كان يغلي بالمعارضة المتشددة. استخدم لاريجاني ثقله السياسي وعلاقاته العابرة للأجنحة لضمان ألا يتحول الاتفاق إلى مسمار في نعش التوافق الوطني. 

هذا الدور “التسهيلي” لم يكن نابعا من موالاة لتيار معين، بل من رؤية استراتيجية ترى في “الاتفاق” مصلحة عليا للدولة. إن ميراث لاريجاني البرلماني يكمن في فكرة “استقلال المؤسسات”؛ حيث أثبت أن البرلمان يمكن أن يكون “عقل النظام” الذي يصحح مسار الحكومة ويحميها من الانزلاق نحو المغامرات غير المحسوبة.

Image

مفارقة الصلاحية: استبعاد إداري وتأكيد بالدم

تمثل حادثة عدم صلاحية لاريجاني في انتخابات الرئاسة (2021 و2024) النقطة الأكثر دراماتيكية في مسيرته. كان استبعاده من قبل مجلس صيانة الدستور بمثابة “زلزال سياسي” كشف عن عمق الفجوة بين تيار “النقاء الثوري” وتيار “الكفاءة السياسية”. 

رُفض لاريجاني تحت ذرائع واهية، مثل سفر أفراد عائلته للخارج، وهي مبررات فككها لاريجاني في رسالة تاريخية من 21 صفحة، اتسمت بلغة قانونية وفلسفية رصينة، وضع فيها “النظام الرقابي” أمام مرآة الحقيقة.

بيد أن “ميراث المظلومية” هذا تحول بشكل إعجازي إلى “ميراث فداء”. فعندما تعرضت إيران لخطر الحرب الوجودي في مايو/أيار 2025  لم يتردد لاريجاني “المستبعد” في قبول منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بطلب من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. 

عودته في تلك اللحظة الحرجة كانت بمثابة “تأكيد صلاحية” شعبية ووطنية عجزت عنها صناديق الاقتراع. إن استشهاده لاحقا في عملية اغتيال غادرة برفقة نجله (الذي اتُّهم زورا بالإقامة في الخارج)، وضعت خاتمة ملحمية لمسيرة رجل أعطى للدولة أكثر مما أخذ منها، وأثبتت أن “الولاء” لا يُقاس بالسكوت عن الخطأ، بل بالتضحية في وقت الشدة.

Image

“المفاوض المحترف”: هندسة الأمن القومي في زمن العواصف

يبرز ميراث لاريجاني في السياسة الخارجية كواحد من أذكى “اللاعبين” على رقعة الشطرنج الدولية. لاريجاني كان مفاوضا محترفا بالمعنى الدقيق للكلمة؛ فهو يمتلك صبرا استراتيجيا وقدرة فائقة على قراءة ما بين السطور في الدبلوماسية الدولية. سواء في إدارته للملف النووي في سنواته الأولى، أو في جولاته المكوكية بين موسكو وبكين وعواصم المنطقة في شهوره الأخيرة، كان لاريجاني يمثل “صوت العقل” الذي يسعى لتحقيق المصالح القومية دون التفريط بالثوابت.

لقد كان يرى في الدبلوماسية “امتدادا للقوة” وليس بديلا عنها. استطاع في فترته الأخيرة في المجلس الأعلى للأمن القومي أن يعيد تنظيم معاونيات المجلس، ويضخ فيها روحا جديدة من “الواقعية السياسية”. 

كان لاريجاني يؤمن بضرورة وجود “قنوات خلفية” للتفاوض حتى في أوج الأزمات، وهو ما جعل اغتياله من قبل الاحتلال الاسرائيلي يبدو كـ “ضربة استراتيجية” تهدف إلى قطع الطريق على أي تسويات عقلانية كانت إيران قد بدأت في هندستها تحت إشرافه. رحل لاريجاني تاركا فراغا هائلا في “مدرسة التفاوض الإيرانية” التي تعتمد على مزيج من “الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية”.

Image

مدرسة “العقلانية والعدالة”: الجسر العابر للأجيال

إن الميراث الأبقى لعلي لاريجاني هو “مدرسة العقلانية” التي أسس لها في الخطاب السياسي الإيراني. لقد كان لاريجاني يؤمن بأن “تسمين الديمقراطية”  لا يأتي من خلال الصراعات الجناحية، بل من خلال تقوية المؤسسات وإعلاء شأن القانون. كان شعاره “العقلانية، العدالة، وطريق نجاة الأمة” يعبر عن رؤية فلسفية ترى في الدولة “كائناً حياً” يحتاج إلى التطور المستمر لكي يبقى.

لقد كان لاريجاني “حلقة وصل” نادرة؛ الشخصية التي يطمئن إليها المراجع في قم (بسبب خلفيته الدينية وزهده الشخصي، حيث لم يتقاضَ راتبا من البرلمان طوال 12 عاما)، ويحترمها الأكاديميون (بسبب عمقه الفكري)، ويثق بها قادة القوات المسلحة (بسبب خلفيته العسكرية ودرايته بالأمن القومي). 

هذا الدور “اللولبي” هو ما جعل غيابه يبدو وكأن النظام قد فقد “صمام أمانه” الفكري والسياسي. إن ميراثه يدعو اليوم الأجيال الجديدة من السياسيين الإيرانيين إلى فهم أن “الثورة” لا تتعارض مع العقلانية، وأن البقاء يتطلب شجاعة في المراجعة كما يتطلب صلابة في المواجهة.

Image

الربيع الذي رُدّت صلاحيته وزهرت شهادته

ربما رُدّت صلاحية الربيع“.. بهذا البيت الشعري نستحضر روح لاريجاني في ذكرى مرور أربعين يوما على استشهاده. إن رحيله في ربيع 2026، في اللحظة التي كان فيها يقود دفة الأمن القومي، يطرح درسا أخلاقيا وسياسيا بليغا. لقد أثبتت الأيام أن لاريجاني كان من أبناء النظام بامتياز، ليس لأنه يوافق على كل شيء، بل لأنه كان يمتلك الشجاعة لقول “لا” عندما تتطلب مصلحة الدولة ذلك.

يبقى ميراث علي لاريجاني محفورا في بنية الجمهورية الإسلامية كـ “بوصلة” تشير دائماً نحو الاعتدال البراغماتي. سيذكر التاريخ أن الفيلسوف الذي بدأ بـ “هايدغر” انتهى “شهيدا للوطن”، تاركا خلفه رسالة مفادها أن السياسة هي فن الحفاظ على كرامة الأمة من خلال العقل قبل السلاح. لقد رُدّت صلاحيته في ربيع الانتخابات، لكن “صلاحيته التاريخية” أزهرت في ربيع الشهادة، ليبقى اسما عصيا على النسيان في ذاكرة إيران الحديثة.

كلمات مفتاحية: