مفاوضات مستمرة وسفرات متواصلة… دبلوماسية في سباق مع الوقت

في مشهد إقليمي يتسم بسيولة عالية وتبدلات متسارعة، تتقاطع المسارات السياسية مع حسابات الميدان في لحظة تختبر فيها الدبلوماسية حدود قدرتها على احتواء التوتر. في هذا السياق، تتواصل السفرات الإقليمية والتحركات المتنقلة بين العواصم، في انعكاس واضح لتكثيف الجهود الدبلوماسية ومحاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وبين حراك معلن وآخر يجري خلف الكواليس، تتشكل معادلة معقدة تتداخل فيها مصالح القوى المختلفة، بينما يبقى المسار العام رهين توازنات دقيقة قد تدفع نحو انفراج تدريجي أو تعيد المشهد إلى دائرة التصعيد.

المفاوضات…التطورات والكواليس وتحركات عراقجي

في اليوم الثالث من متابعة ملف المفاوضات والسفرات المتشابك، تبدو الصورة أكثر وضوحا من حيث الاتجاهات العامة، لكنها في الوقت ذاته أكثر تعقيدا من حيث التفاصيل. فبعد أن كان المشهد يدور حول إعادة فتح قنوات الاتصال وقياس النوايا، فتكشف السفرات في يومها الثالث عن انتقال الأطراف إلى مرحلة أكثر حساسية، تقوم على اختبار المقترحات، وتكثيف الوساطات، ومحاولة كسر الجمود دون الوصول بعد إلى نقطة الاختراق.

فلا يزال وقف إطلاق النار، الذي دخل يومه الثامن عشر، يشكل الإطار العام الذي تتحرك ضمنه كل الجهود، لكنه لم يتحول بعد إلى أرضية صلبة لاتفاق دائم. بل على العكس، تشير المعطيات الجديدة إلى أن هذا الوقف بات أشبه بهدنة مشروطة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، وهو ما يفسر تسارع التحركات الدبلوماسية، خاصة من جانب إيران، التي تسعى إلى تحويل هذا التوقف المؤقت في العمليات العسكرية إلى مسار سياسي مستدام.

Image

في هذا السياق، تبرز تحركات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كأحد أهم ملامح المرحلة.  فبعد جولته الأولى في إسلام آباد، وانتقاله إلى مسقط، ثم الحديث عن عودته مجددا إلى باكستان قبل التوجه إلى موسكو، يتضح أن الدبلوماسية الإيرانية تعتمد استراتيجية التحرك المتوازي، أي إدارة عدة مسارات في آن واحد، بدلا من الرهان على قناة واحدة. هذه الاستراتيجية تعكس إدراكا بأن الملف لم يعد ثنائيا، بل أصبح شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية.

الجديد في هذا اليوم هو تأكيد أن المفاوضات لم تعد تدور، كما في السابق، حول البرنامج النووي، بل تحولت بالكامل تقريبا إلى ملف إنهاء الحرب. هذا التحول لم يعد مجرد قراءة تحليلية، بل أصبح موقفا معلنا في الخطاب الرسمي الإيراني، الذي شدد على أن الموضوع الرئيسي للمفاوضات هو إنهاء الحرب بما يضمن المصالح الإيرانية، وبذلك، يمكن القول إن طهران نجحت في إعادة تعريف أجندة التفاوض، ونقلها من ملف تقني نووي إلى ملف سياسي أمني شامل.

Image

لكن هذا التحول لم يأت دون ثمن، إذ كشف اليوم الثاني أيضا عن حجم الفجوة بين الطرفين. فإيران تضع شروطا واضحة، تشمل رفع الحصار، والحصول على تعويضات، وضمان عدم تكرار الهجمات، في حين لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على استعداد أمريكي لتلبية هذه المطالب. بل إن تصريحات الجانب الأمريكي، بما في ذلك الحديث عن فرصة لاتفاق جيد، التي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسيت، مقابل التخلي عن السلاح النووي، تشير إلى استمرار اختلاف الأولويات بين الطرفين.

Image

على مستوى الكواليس، تتعمق صورة الدبلوماسية غير المباشرة أكثر من أي وقت مضى. فاليوم الثالث يؤكد أن باكستان أصبحت مركز الثقل في هذا المسار، حيث تتولى نقل الرسائل والمقترحات بين طهران وواشنطن. اللافت هنا أن إسلام آباد لا تكتفي بدور الناقل، بل تحاول لعب دور المسهل النشط، عبر إدارة إيقاع المفاوضات، وضبط تدفق المعلومات، وهو ما يفسر حالة «الصمت الإعلامي المتعمد» التي تحيط بالمحادثات.

في موازاة ذلك، يبرز الدور العماني كقناة موازية لا تقل أهمية، خاصة أن مسقط كانت هي الجهة التي ساهمت في الوصول إلى وقف إطلاق النار. اللقاءات التي عقدها عراقجي هناك، والرسائل المتبادلة، تشير إلى أن عمان لا تزال تحتفظ بخيوط تواصل حساسة مع الطرفين، ما يجعلها لاعبا أساسيا في أي سيناريو مستقبلي.

Image

أما التطور الأبرز فهو دخول روسيا بشكل أوضح إلى المشهد. فالتقارير التي تحدثت عن امتلاك موسكو أفكارا لكسر الجمود تعكس محاولة روسية لاستثمار اللحظة، ليس فقط لدعم مسار التفاوض، بل أيضا لتعزيز موقعها كقوة مؤثرة في إدارة الأزمات الدولية. ويبدو أن التنسيق بين باكستان وروسيا، الذي تم خلال الساعات الأخيرة، يأتي في هذا الإطار.

Image

في المقابل، لا تزال مؤشرات الجمود حاضرة بقوة. فغياب اللقاء المباشر بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار الخلاف حول قضايا أساسية مثل الحصار البحري ومضيق هرمز، يعكس أن المسار لم يصل بعد إلى مرحلة التفاوض الحقيقي، بل لا يزال في مرحلة ما قبل التفاوض، حيث يتم تحديد الشروط والإطار العام.

ومن اللافت أيضا أن اليوم الثاني كشف عن بعد جديد في الأزمة، يتعلق بالاقتصاد العالمي. فالتقارير التي تحدثت عن تراجع حركة الملاحة في باب المندب، واحتمالات نقص إمدادات الطاقة، تشير إلى أن استمرار الأزمة لم يعد مسألة إقليمية فقط، بل أصبح له تداعيات دولية واسعة، وهو ما قد يشكل عامل ضغط إضافي على الأطراف للدفع نحو تسوية.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن اليوم الثاني من هذا المسار التفاوضي يمثل مرحلة إعادة التموضع. فالأطراف لا تزال تتحسس مواقعها، وتختبر حدود الآخر، وتبحث عن نقاط التقاء ممكنة، دون أن تصل بعد إلى صيغة واضحة للحل. تحركات عراقجي المكثفة تعكس رغبة إيرانية في إبقاء زمام المبادرة بيدها، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حجم التحديات التي تواجه أي محاولة للتوصل إلى اتفاق.

في النهاية، يبدو أن المسار لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التقدم التدريجي نحو تفاهم مرحلي، أو العودة إلى التصعيد في حال فشل الوساطات. لكن المؤكد أن اليوم الثاني لم يكن مجرد امتداد لليوم الأول، بل شكل خطوة إضافية في مسار معقد، تتحرك فيه السياسة والدبلوماسية على حافة التوازن بين الحرب والسلام.

ماذا فعل عراقجي في إسلام آباد؟

في سياق متصل، شكلت زيارة عراقجي إلى إسلام آباد إحدى أبرز المحطات في التحركات الدبلوماسية الإيرانية خلال هذه المرحلة الحساسة، حيث جاءت في سياق جولة إقليمية تهدف إلى إدارة تداعيات الحرب وفتح مسار سياسي لإنهائها. وقد حملت هذه الزيارة طابعا عمليا واضحا، تمثل في عرض المواقف الإيرانية، وتكثيف التنسيق مع الجانب الباكستاني الذي يلعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن.

Image

منذ وصوله إلى العاصمة الباكستانية، حظي وزير الخارجية الإيراني باستقبال رسمي رفيع المستوى من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، ما عكس أهمية الزيارة والدور الذي تضطلع به باكستان في هذا الملف. وقد أجرى عراقجي سلسلة من اللقاءات مع رئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير، ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، حيث تناولت هذه الاجتماعات سبل تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب الجارية ومسارات إنهائها.

Image

وخلال هذه اللقاءات، ركز عراقجي على عرض المواقف المبدئية لإيران، مؤكدا أن بلاده طرحت تصورا واضحا لما وصفه بإطار عملي وقابل للتنفيذ لإنهاء الحرب بشكل دائم، ويستند هذا الإطار إلى مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها وقف الهجمات، ورفع الحصار، والحصول على ضمانات بعدم تكرار الاعتداءات، وهو ما يعكس سعي طهران إلى تثبيت هذه النقاط كمرتكز لأي تفاهم مستقبلي.

كما برز خلال الزيارة الدور المحوري لباكستان، حيث التزمت بنقل المواقف والمقترحات الإيرانية إلى الجانب الأمريكي، في إطار وساطتها المستمرة. وقد رافق ذلك اعتماد إسلام آباد سياسة إعلامية حذرة، تقوم على الحد من التصريحات والتسريبات، بهدف حماية مسار المفاوضات من أي تشويش أو تأثيرات سلبية.

ومن أبرز ما ميز هذه الزيارة أيضا عدم عقد أي لقاء مباشر بين عراقجي وممثلين عن الولايات المتحدة، وهو ما أكدته طهران بشكل واضح، في إشارة إلى أن المرحلة الحالية تعتمد على الوساطة غير المباشرة بدلا من التفاوض المباشر. وفي هذا السياق، لعبت إسلام آباد دور القناة الأساسية لنقل الرسائل بين الطرفين.

Image

كما كشفت التغطيات عن أن جزءا من الوفد الإيراني عاد إلى طهران خلال الزيارة لإجراء مشاورات داخلية، قبل أن يعود مجددا إلى إسلام آباد، وهو ما يعكس طبيعة التنسيق المستمر بين المسار الدبلوماسي وصنع القرار الداخلي في طهران، ويؤكد أن المفاوضات تجري ضمن عملية ديناميكية تتطلب مراجعة مستمرة للمواقف.

وفي ختام زيارته، وصف عراقجي المحادثات بأنها «مثمرة للغاية»، مشيدا بالدور الباكستاني في الوساطة، ومؤكدا أن بلاده عرضت رؤيتها بشكل واضح. لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطا بمدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط الجاد في المسار الدبلوماسي، ما يعكس استمرار حالة الحذر وعدم اليقين التي تحيط بالمفاوضات.

بعد تراجع واشنطن… إلى أين يتجه المسار التفاوضي؟ قراءة موسعة في مآلات المرحلة

على الجانب الأخر، فقد أحدث قرار الرئيس الأمريكي ترامب بإلغاء إرسال مبعوثيه إلى باكستان تحولا لافتا في مسار المفاوضات، إذ لم يكن مجرد خطوة إجرائية عابرة، بل حمل دلالات سياسية تعكس إعادة تقييم أمريكية لطبيعة هذا المسار وتعقيداته. فعلى الرغم من التبريرات الرسمية التي تحدثت عن أسباب لوجستية، فإن توقيت القرار، الذي جاء في لحظة كانت فيها الوساطات الإقليمية تبلغ ذروتها، دفع كثيرا من المراقبين إلى اعتباره مؤشرا على تردد واشنطن أو على الأقل رغبتها في إعادة ضبط شروط التفاوض قبل المضي قدما.

هذا التطور ألقى بظلاله على المشهد العام، خاصة أن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية عقد لقاءات غير مباشرة، وربما فتح الباب أمام تواصل مباشر في مرحلة لاحقة. غير أن إلغاء الزيارة أعاد المسار إلى نقطة أكثر تعقيدا، حيث تراجعت احتمالات التقدم السريع، وعاد الاعتماد بشكل كامل على الوساطات غير المباشرة. ومع ذلك، فإن هذا التراجع لم يؤد إلى توقف العملية التفاوضية، بل دفعها إلى العمل في مستويات أكثر هدوءا وخلف الكواليس.

Image

المشهد التفاوضي في هذه المرحلة يمكن وصفه بأنه مفتوح على كل الاحتمالات، حيث تتعايش مؤشرات التقدم المحدود مع عناصر الجمود العميق. فمن جهة، هناك استمرار في تبادل الرسائل والمقترحات، ووجود حراك دبلوماسي نشط تقوده أطراف إقليمية. ومن جهة أخرى، لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة، خاصة فيما يتعلق بشروط إنهاء الحرب، ورفع الحصار، وضمانات عدم تكرار المواجهة. ويظل انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة العامل الأكثر تأثيرا في إبطاء أي تقدم، إذ لا يبدو أن أيا من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات كبيرة دون ضمانات واضحة.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز ثلاث مسارات محتملة لمستقبل المفاوضات. أولها استمرار حالة الجمود، حيث تبقى الاتصالات قائمة دون تحقيق اختراق فعلي، وهو سيناريو يعكس إدارة الأزمة بدلا من حلها. وثانيها العودة إلى التصعيد، في حال فشلت الجهود الدبلوماسية أو حدثت تطورات ميدانية مفاجئة، وهو خيار يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي وعلى الاقتصاد العالمي. أما المسار الثالث، وهو الأكثر واقعية في المدى المتوسط، فيتمثل في التوصل إلى تفاهم مرحلي يركز على تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف التوتر، دون معالجة شاملة لجميع الملفات الخلافية.

Image

وفي هذا السياق، تلعب العوامل الإقليمية والدولية دورا حاسما في توجيه المسار. فالدول المعنية، سواء في الخليج أو خارجه، تسعى إلى منع انهيار التهدئة، نظرا لما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة، خصوصا في ما يتعلق بأمن الطاقة العالمية وحركة الملاحة في مضيق هرمز. كما أن التوتر المستمر ينعكس بشكل مباشر على الأسواق، ما يضع ضغوطا إضافية على القوى الكبرى للدفع نحو تسوية، ولو جزئية.

في المحصلة، يبدو أن المسار التفاوضي يقف عند مفترق طرق دقيق، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والأمنية. وبينما تواصل إيران تحركاتها الدبلوماسية عبر جولات عراقجي، وتستمر الوساطات الإقليمية في العمل، تبقى النتيجة النهائية رهينة توازنات معقدة، لم تحسمها الإرادات السياسية بعد، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين التهدئة الحذرة والتصعيد المحتمل.