- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 19 Views
في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام، لم يعد تداول الأخبار شأنا محايدا، بل أصبح جزءا من صراع أوسع على تشكيل الوعي العام وتوجيهه. فكل معلومة تنشر تحمل في طياتها دلالات تتجاوز ظاهرها، وتندرج ضمن سياق تنافسي بين روايات متضاربة تسعى كل منها لفرض تفسيرها للواقع. وبين التصريحات الرسمية والتسريبات الإعلامية، يتشكل مشهد معقد يكشف كيف تحولت الساحة الإعلامية إلى امتداد مباشر لموازين القوة والصراع السياسي.
شائعة الاستقالة في سياق تصريحات ترامب وسلسلة التكذيبات الرسمية
شهدت الساحة الإعلامية في الأيام الأخيرة، وتحديدا من يوم الخميس 23 إبريل/ نيسان 2026، موجة مكثفة من الأخبار المتداولة حول استقالة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني من رئاسة الفريق المفاوض الإيراني، وهي موجة تزامنت بشكل لافت مع تصريحات دونالد ترامب التي تحدث فيها عن اضطراب داخلي وانقسامات في هرم السلطة الإيرانية على حد وصفه. هذا التزامن لم يكن عابرا في نظر العديد من المراقبين، بل اعتبر جزءا من سياق أوسع لمحاولة بناء رواية سياسية متكاملة تفسر تعثر المفاوضات مع إيران من زاوية داخلية إيرانية، بدلا من تحميل المسؤولية للسياسات الأمريكية.

بدأت الشائعة بالانتشار عبر وسائل إعلام إقليمية ودولية، حيث نقلت عدة مصادر، عن مصادر إسرائيلية في الأساس وتحديدا القناة 12، مزاعم تفيد باستقالة قاليباف من رئاسة الوفد المفاوض بعد خلاف مع قيادة الحرس الثوري الإيراني بسبب التدخل في سير المفاوضات، وسرعان ما وجدت هذه الرواية طريقها إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تم تداولها بكثافة، بل وتجاوز الأمر إلى الحديث عن أسماء بديلة محتملة لقيادة الفريق الإيراني، وهو ما أعطى الانطباع بوجود تطورات حقيقية على الأرض.
إلا أن الرد الإيراني جاء سريعا ومتعدد المستويات، في مشهد يعكس تنسيقا واضحا في التعامل مع الشائعة. فقد كان من أوائل من نفى الخبر إيمان شمسایی، رئيس مركز الاتصالات والاعلام والشؤون الثقافية في البرلمان، الذي أكد بشكل قاطع أن قاليباف لم يستقل من أي منصب، بل أضاف نقطة محورية وهي أنه لا توجد أصلا جولة مفاوضات محددة حاليا حتى يطرح موضوع رئاسة الوفد من الأساس، في تصريح لم يكتف بالنفي، بل سحب الأساس الذي تقوم عليه الشائعة.

وفي السياق ذاته، أكد يزدان بناه، رئيس إدارة الأخبار التابعة للبرلمان، أن ما يتداول يدخل ضمن سيناريو العدو في إطار حرب إعلامية تهدف إلى خلق انطباع بوجود انقسامات داخلية. وقد ذهب أبعد من ذلك حين أشار إلى أن جهات خارجية، من بينها الموساد، تعمل على إعادة نشر هذه الروايات وتضخيمها.

كما انضم مسؤولون إعلاميون آخرون في البرلمان إلى حملة النفي، حيث أكدوا في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن الخبر كاذب بالكامل، واعتبروا أن تداوله يهدف إلى إضعاف الوحدة الوطنية. ولم يقتصر الأمر على النفي، بل تم ربط هذه الشائعة بسياق أوسع من محاولات إثارة الفتنة وتشويش الرأي العام.
حملة الدعم لقاليباف… بين الشرعية السياسية وسرديات التضحية
بالتوازي مع موجة التكذيب التي واجهت الشائعة، برزت في المشهد السياسي والإعلامي الإيراني حملة دعم واضحة له، لم تقتصر على نفي الادعاءات، بل تجاوزتها إلى إعادة تثبيت موقعه داخل بنية القرار، وتعزيز صورته كأحد الوجوه الأساسية في إدارة ملف المفاوضات. هذه الحملة اتسمت بطابع مركب يجمع بين التأكيد المؤسسي على شرعية دوره، وبين تقديمه في إطار رمزي وإنساني يركز على فكرة التضحية والالتزام الوطني.
في هذا السياق، كان تصريح محمد مرندی، عضو الفريق الإعلامي المرافق للمفاوض الإيراني، نقطة ارتكاز مهمة، حيث أكد أن قاليباف يتولى ملف المفاوضات بإذن ودعم القيادة العليا، وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. هذا التصريح لم يكن مجرد تأكيد إداري، بل حمل دلالات سياسية عميقة، إذ يضع دور قاليباف ضمن إطار مؤسساتي رسمي، ما يعني أن وجوده في هذا الموقع ليس محل جدل أو تنافس داخلي، بل يعكس توافقا على مستوى أعلى هرم السلطة.

إلى جانب هذا البعد المؤسسي، ظهرت روايات أخرى ذات طابع إنساني وبطولي، كان أبرزها ما صرح به محسن زنكنه، البرلماني الإيراني، الذي أشار إلى أن قاليباف تعرض خلال فترة الحرب الماضية لمحاولتي استهداف مباشر، وأنه بقي لساعات تحت الأنقاض قبل أن يتم إنقاذه. هذه الرواية، بغض النظر عن تفاصيلها الدقيقة، تؤدي وظيفة رمزية واضحة، إذ تقدم قاليباف كشخصية ميدانية تواجه المخاطر بشكل مباشر، وليس كمسؤول بعيد عن ساحة الأحداث.

وتزداد قوة هذه السردية عندما تربط بتشبيهات تاريخية ودينية، كما فعل زنكنه حين شبه تحركات قاليباف بمواقف التضحية في ليلة المبيت، وهو تشبيه يستحضر في الذاكرة الجماعية الإيرانية معاني الإيثار والفداء. هذا الربط لا يهدف فقط إلى تمجيد الشخصية، بل إلى إدخالها ضمن منظومة رمزية أوسع تعزز من مشروعيتها الشعبية.
كما أن الإشارة إلى أن شخصيات أخرى في الفريق المفاوض، مثل عباس عراقجي، يواجهون مخاطر أمنية، تضيف بعدا إضافيا لفهم طبيعة العمل في هذا الملف، حيث يتم تقديمه ليس فقط كمسار دبلوماسي، بل كميدان يحمل تحديات أمنية حقيقية. هذا الطرح يسهم، حسب محللين، في إعادة تعريف المفاوضات من كونها عملية تقنية إلى كونها جزءا من صراع أوسع يتطلب تضحيات شخصية.
وفي المحصلة، يمكن القول إن حملة الدعم لقاليباف اعتمدت على مسارين متوازيين، الأول سياسي مؤسساتي يؤكد شرعية موقعه داخل النظام، والثاني رمزي عاطفي يعزز صورته كشخصية مضحية. هذا التداخل بين البعدين يخلق سردية متكاملة تجعل من الصعب اختزال دوره في إطار الشائعات أو التفسيرات الضيقة، بل تقدمه كجزء من منظومة متماسكة، وهو ما يشكل ردا فعالا على محاولات التشكيك أو التشويه.
الشائعة كجزء من الحرب النفسية… ورؤية طهران للصراع الإعلامي
في قراءة أوسع للمشهد، لا تنظر طهران إلى شائعة استقالة قاليباف باعتبارها مجرد خبر عابر أو خطأ إعلامي، بل تضعها ضمن إطار أوسع لما تصفه بالحرب النفسية التي تستهدف الداخل الإيراني بشكل مباشر. هذه الحرب، وفق الخطاب الرسمي الإيراني، لم تعد تقتصر على بث معلومات مغلوطة، بل أصبحت تعتمد على بناء روايات متكاملة تصاغ بعناية بهدف خلق انطباع عام بوجود حالة من الانقسام أو الاضطراب داخل بنية النظام السياسي، بما يمهد لتأثيرات سياسية ودبلوماسية لاحقة.
في هذا السياق، يرى محمد حسيني، نائب الشؤون البرلمانية في حكومة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، أن الشائعات المتعلقة بقاليباف، إلى جانب التصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب حول وجود خلافات داخلية في إيران، ليست أحداثا منفصلة، بل حلقات ضمن مشروع متكامل يسعى إلى صناعة الاستقطاب داخل المجتمع الإيراني. ويؤكد حسيني أن الهدف لا يقف عند حدود التأثير الإعلامي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة خلق واقع سياسي بديل، يتم توظيفه لاحقا في الضغوط الدولية أو في تبرير مواقف معينة على الساحة العالمية.

هذا الطرح الإيراني يجد تقاطعات مع تحليلات صادرة من داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يرى تريتا بارسي من معهد كوينسي أن الحديث عن الفوضى الداخلية في إيران يستخدم كأداة لتبرير فشل السياسات الأمريكية في الوصول إلى اتفاق، وتحويل المسؤولية بعيدا عن قرارات دونالد ترامب، خصوصا في ظل الانتقادات الداخلية التي تواجهها إدارته.

غير أن اللافت في الخطاب الإيراني هو الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذه الحرب النفسية، إذ لا تقدم باعتبارها تهديدا مباشرا، بل يتم قلب المعادلة وتقديمها كدليل على فشل الطرف المقابل. فبدلا من تفسير انتشار الشائعات على أنه مؤشر ضعف داخلي، ينظر إليه كعلامة على عجز الخصم عن تحقيق أهدافه عبر الوسائل التقليدية، سواء كانت عسكرية أو سياسية، ما يدفعه إلى اللجوء إلى أدوات الإعلام والدعاية.
وفي هذا الإطار، يتم التأكيد بشكل متكرر على أن الضغوط الخارجية، بمختلف أشكالها، لم تؤد إلى تفكيك الداخل الإيراني، بل، بحسب الرواية الرسمية، ساهمت في تعزيز التماسك الداخلي. ويستشهد في ذلك بما يوصف بحالة الاصطفاف الوطني، سواء على مستوى المؤسسات أو فيما يتعلق بالحضور الشعبي، حيث يتم تصوير المجتمع الإيراني على أنه أكثر وحدة في مواجهة التحديات الخارجية.
كما يطرح مفهوم الرواية كعنصر مركزي في هذا الصراع، إذ لم يعد الإعلام ينظر إليه كوسيلة لنقل الأخبار فحسب، بل كساحة مواجهة قائمة بذاتها، تستخدم فيها اللغة، والصورة، والتكرار، لصياغة واقع معين في أذهان الجمهور. ومن هنا تأتي أهمية الرد السريع والمنسق على الشائعات، حيث لا يقتصر الهدف على نفي الخبر، بل يمتد إلى إعادة توجيه النقاش العام، وتثبيت رواية مضادة تبرز عناصر القوة بدلا من نقاط الضعف.
وفي هذا السياق، يمكن فهم سرعة وتعدد الجهات التي سارعت إلى نفي شائعة استقالة قاليباف، ليس فقط كإجراء دفاعي، بل كجزء من استراتيجية إعلامية أوسع تهدف إلى منع ترسخ الرواية المقابلة. فكل تأخير في الرد، وفق هذا المنطق، قد يسمح بترسيخ الانطباع الخاطئ، وهو ما تسعى المؤسسات الإيرانية إلى تجنبه عبر خطاب موحد ومباشر.
في المحصلة، تعكس قضية استقالة قاليباف نموذجا واضحا لطبيعة الصراع المعاصر، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، وتصبح الرواية أداة مركزية في تشكيل الواقع. وبينما تحاول بعض الأطراف تقديم إيران كدولة تعاني من انقسامات داخلية، تسعى طهران إلى تقديم صورة معاكسة تماما، نظام متماسك، قيادة موحدة، وقدرة على تحويل الضغوط إلى عناصر قوة. هذه المقاربة لا تهدف فقط إلى الرد على شائعة بعينها، بل إلى إعادة تعريف ميزان الصراع نفسه، بحيث لا يقاس فقط بالوقائع، بل أيضا بالقدرة على التحكم في السرديات وتوجيهها.

