- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 26 Views
يتحرك المشهد السياسي في المنطقة على إيقاع معقد من التصعيد الحذر والانفتاح المشروط، حيث تتقاطع المبادرات الدبلوماسية مع حسابات القوة والنفوذ في لحظة تتسم بعدم اليقين. وفي خضم هذا الواقع، تبرز تحركات مكثفة تعكس محاولة لإعادة صياغة التوازنات واحتواء تداعيات الأزمات المتراكمة، عبر قنوات متعددة تتراوح بين العلنية والسرية. وبين مواقف رسمية حازمة ورسائل غير مباشرة، يبدو أن الأطراف المعنية تسعى إلى اختبار حدود الممكن سياسيا، مع الحفاظ على هامش مناورة يتيح إدارة الأزمة دون الانزلاق نحو مواجهة أوسع، في انتظار اتضاح مآلات هذه الديناميات المتسارعة.
تفاصيل الجولة وموقف الخارجية الإيرانية من المفاوضات مع واشنطن
في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، بدأ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، جولة دبلوماسية تشمل ثلاث عواصم محورية هي إسلام آباد ومسقط وموسكو، في محاولة واضحة لإعادة ترتيب أوراق السياسة الخارجية الإيرانية في ظل تصاعد التوترات وتداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية. وقد استهل عراقجي جولته بوصوله إلى العاصمة الباكستانية مساء يوم الجمعة 24 إبريل/ نيسان 2026، حيث حظي باستقبال رسمي رفيع المستوى، شارك فيه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، إلى جانب قائد الجيش عاصم منير، وعدد من كبار المسؤولين، وهو ما يعكس الأهمية التي توليها باكستان لهذه الزيارة ودورها المتنامي في الوساطة الإقليمية.

وخلال إقامته في إسلام آباد، عقد عراقجي سلسلة لقاءات مكثفة مع كبار المسؤولين، من بينهم رئيس الوزراء شهباز شريف، حيث تركزت المباحثات على العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بملف وقف إطلاق النار والتوتر القائم بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما شملت المحادثات تنسيق الجهود المتعلقة بالوساطة التي تضطلع بها باكستان، في إطار الحفاظ على قنوات الاتصال غير المباشر بين طهران وواشنطن.
وفي خضم هذه التحركات، برزت تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية كعنصر حاسم في تحديد طبيعة الزيارة وحدودها. فقد أكد المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، بشكل قاطع أن “لا توجد أي لقاءات مخططة بين إيران والولايات المتحدة”، نافيا بذلك التقارير التي تحدثت عن احتمال عقد مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة خلال وجود الوفدين في باكستان. وأوضح بقائي أن الهدف الرئيسي من الزيارة يتمثل في التشاور مع المسؤولين الباكستانيين حول جهود الوساطة، ونقل وجهة نظر طهران بشأن إنهاء الحرب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

هذا النفي الإيراني الصريح جاء في وقت تداولت فيه وسائل إعلام غربية وأمريكية، من بينها شبكة سي إن إن الأمريكية، وتصريحات صادرة عن البيت الأبيض، معلومات تفيد بإرسال مبعوثين أمريكيين مثل ستيف ويتكاف وجاريد كوشنر إلى باكستان لإجراء محادثات مع الجانب الإيراني. غير أن طهران تعاملت مع هذه التقارير بحذر، واعتبرتها في بعض الأحيان “غير دقيقة”، في خطوة تعكس رغبتها في ضبط إيقاع الرسائل السياسية وتجنب أي التزامات علنية قد تفسر داخليا على أنها تنازل.

كما أن التصريحات الإيرانية الرسمية ركزت على أن هذه الجولة تأتي في إطار “التنسيق مع الشركاء”، وهو تعبير يحمل دلالات متعددة، إذ يشير إلى رغبة طهران في العمل عبر قنوات غير مباشرة، وتفادي الدخول في مفاوضات معلنة قد تثير جدلا داخليا أو تضغط على موقفها التفاوضي.
أهداف الجولة وتأثيرها المحتمل على مسار المفاوضات… قراءة تحليلية موسعة
تتجاوز أهمية جولة عراقجي حدود الزيارات الدبلوماسية التقليدية، إذ تعكس في جوهرها محاولة إيرانية لإعادة صياغة مقاربتها التفاوضية في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فيما يعتبر خبراء إن هذه الجولة تمثل نموذجا للدبلوماسية متعددة المسارات التي طالما انتهجتها الخارجية الإيرانية، حيث تسعى طهران إلى تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على الحوار من جهة، والحفاظ على خطوطها الحمراء من جهة أخرى.
أحد أبرز أهداف هذه الجولة يتمثل في تعزيز التنسيق مع الوسطاء الإقليميين، وعلى رأسهم باكستان وعمان. فباكستان، التي تستضيف المحطة الأولى، تلعب دورا متزايدا في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال مباشرة. وتشير التقارير إلى أن عراقجي يحمل معه ملاحظات إيرانية، حسبما جاء، حول كيفية إنهاء الحرب، يسعى إلى إيصالها عبر الجانب الباكستاني، وهو ما يعكس اعتماد طهران على ما يمكن تسميته بالدبلوماسية غير المباشرة المنظمة.

أما عمان، التي تعد وسيطا تقليديا وموثوقا بين إيران والولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تشكل محطة أساسية في هذه الجولة، حيث قد يتم خلالها بحث تفاصيل أكثر دقة تتعلق بالترتيبات الأمنية، خاصة في منطقة مضيق هرمز، الذي يمثل ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران. ومن المرجح أن تشمل المناقشات في مسقط أفكارا تتعلق بآليات طويلة الأمد لضمان الاستقرار في هذا الممر الحيوي، الذي لا يعد فقط ممرا استراتيجيا، بل أيضا ركيزة اقتصادية في ظل العقوبات المفروضة على إيران.
أما المحطة الروسية، فتكتسب أهمية خاصة في ظل سعي موسكو إلى لعب دور أكبر في الوساطة الدولية. وقد طرحت روسيا بالفعل مبادرات، من بينها نقل مخزونات اليورانيوم المخصب الإيراني إلى أراضيها، إلا أن هذه المقترحات لم تلق قبولا من الجانب الأمريكي، ما يعكس استمرار التعقيدات في هذا الملف. ومع ذلك، فإن زيارة عراقجي إلى موسكو تهدف على الأرجح إلى تعزيز الدعم السياسي الروسي، وتنسيق المواقف في مواجهة الضغوط الغربية.
وفيما يتعلق بتأثير هذه الجولة على مسار المفاوضات، يشير محللين بإن النتائج المحتملة تتراوح بين التمهيد لجولة جديدة من المحادثات، وبين مجرد إدارة للأزمة دون تحقيق اختراق حقيقي. فالمعطيات تشير إلى أن قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة، وأن هناك رغبة من بعض الأطراف في استئناف الحوار، إلا أن العقبات لا تزال كبيرة، سواء على المستوى الدولي أو الداخلي.
فعلى الصعيد الداخلي الإيراني، تظهر مؤشرات واضحة على وجود تباينات في الرؤى حول كيفية إدارة الملف التفاوضي. فقد عبر عدد من النواب والمحللين، خاصة من التيار المتشدد، عن مخاوفهم من أن يؤدي الدخول في مفاوضات جديدة، خصوصا بشأن الملف النووي، إلى تقديم تنازلات غير مقبولة. واعتبر بعضهم أن مجرد السماح بطرح هذا الملف يمثل “خطأ استراتيجيا”، لأنه قد يفتح الباب أمام مطالب إضافية من الجانب الأمريكي.

في المقابل، تؤكد القيادة الرسمية في إيران على وحدة الموقف، وترفض الروايات التي تتحدث عن انقسامات داخلية، معتبرة أنها جزء من خطاب غربي يهدف إلى الضغط على طهران. إلا أن التباين في التصريحات والتحذيرات الصادرة عن بعض الشخصيات السياسية يعكس وجود نقاش داخلي حقيقي حول حدود التفاوض.
أما على الجانب الأمريكي، فتشير التصريحات إلى وجود اهتمام باستمرار الحوار، حيث تحدثت المتحدثة باسم البيت الأبيض عن تقدم في المحادثات، وعن استعداد لإرسال مبعوثين للمشاركة في مفاوضات مباشرة. ومع ذلك، فإن هذا الحماس لا يقابله وضوح كامل بشأن شروط التفاوض أو أهدافه النهائية.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن جولة عراقجي تهدف بالأساس إلى إدارة التوقعات أكثر من تحقيق اختراق فوري، فهي تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتجنب التصعيد، وفي الوقت نفسه الحفاظ على هامش المناورة السياسية. كما أنها تمثل محاولة لتنسيق المواقف مع الحلفاء والشركاء، بما يسمح لطهران بالدخول في أي مفاوضات مستقبلية من موقع أكثر تماسكا.
أما بشأن إمكانية لقاء عراقجي مع مسؤولين أمريكيين خلال هذه الجولة، فإن المؤشرات الرسمية الإيرانية تنفي ذلك بشكل قاطع، في حين تترك بعض التقارير الغربية الباب مفتوحا أمام احتمال عقد لقاءات غير معلنة. غير أن القراءة الأرجح تشير إلى أن أي تواصل، إن حدث، سيكون عبر قنوات غير مباشرة، ومن خلال وسطاء، بما يتماشى مع النهج الإيراني الحالي.
الأبعاد الإقليمية والاستراتيجية للجولة ودور أوراق الضغط
على أنه لا يمكن فهم جولة عراقجي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع أدوات الضغط الاقتصادية والعسكرية. وفي هذا الإطار، يبرز مضيق هرمز كعنصر محوري في الاستراتيجية الإيرانية، إذ يمثل أحد أهم أوراق الضغط التي تمتلكها طهران في مواجهة الضغوط الأمريكية.
إذ تزامنت هذه الجولة مع تصعيد في الأنشطة البحرية، حيث تم احتجاز سفينتين تجاريتين في المضيق، في خطوة فسرت على أنها رسالة ردع موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها. كما تشير البيانات إلى انخفاض حركة الملاحة في المضيق، ما يعكس تأثير التوترات على هذا الممر الحيوي.
وتسعى إيران من خلال هذه التحركات إلى التأكيد على قدرتها على التأثير في أمن الملاحة الدولية، دون الوصول إلى حد المواجهة المباشرة. وهو ما تصفه بعض وسائل الإعلام المقربة من الحكومة بالإدارة المحسوبة للأزمة، حيث يتم استخدام أدوات الضغط بشكل مدروس لتحقيق أهداف سياسية.
في الوقت ذاته، تلعب باكستان دورا متزايدا كوسيط إقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، إضافة إلى تنسيقها مع دول أخرى مثل مصر وتركيا والسعودية، في إطار جهود متعددة الأطراف لتعزيز وقف إطلاق النار. كما أن عمان تواصل دورها التقليدي كقناة خلفية للحوار، في حين تسعى روسيا إلى توسيع نفوذها الدبلوماسي من خلال طرح مبادرات جديدة.

في المحصلة، تكشف جولة عراقجي عن مرحلة انتقالية في السياسة الخارجية الإيرانية، تتسم بمحاولة الجمع بين الصلابة والمرونة، وبين التصعيد والتهدئة. فهي ليست مجرد زيارة دبلوماسية، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع إيران في مشهد إقليمي ودولي متغير، حيث لا تزال ملامح الحل النهائي غير واضحة، لكن المؤكد أن الدبلوماسية ستظل أداة رئيسية في إدارة هذا الصراع المعقد.

