- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 202 Views
كتب: الترجمان
دخلت المواجهة المفتوحة بين إيران والتحالف “الأمريكي – الإسرائيلي” مرحلة كسر العظم وتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية، فمع حلول اليوم الرابع والثلاثين للحرب الشاملة التي اندلعت شرارتها في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 ، لم تعد الأهداف مقتصرة على القواعد العسكرية أو المنشآت النووية، بل امتدت لتطال النخب السياسية والدبلوماسية في عقر دارها.
إن الهجوم الصاروخي والجوي العنيف الذي استهدف منزل كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية ووزير الخارجية الأسبق، يمثل تحولا دراماتيكيا في استراتيجية “الاغتيال السياسي” التي ينتهجها الخصوم.
لم تكن الصواريخ التي سقطت على منزل خرازي في قلب طهران مجرد مقذوفات حربية، بل كانت رسائل سياسية مغمسة بالدم، أسفرت عن استشهاد زوجة هذا الدبلوماسي العتيق وإصابته بجروح بليغة نقل على إثرها إلى المستشفى في حالة حرجة، لتعلن هذه الواقعة انتهاء عصر “الحصانة الدبلوماسية” في صراع إقليمي بات يأكل الأخضر واليابس.
دلالات التوقيت: لماذا كمال خرازي وفي هذا المنعطف بالذات؟
لفهم أبعاد استهداف كمال خرازي، يجب النظر بعمق إلى ما وراء الحطام والركام؛ فالتوقيت ليس مصادفة عابرة في سياق العمليات العسكرية. تأتي هذه الضربة في وقت تتصاعد فيه الأنباء عن تحركات دبلوماسية سرية تقودها طهران لتبريد الجبهات المشتعلة.
كشفت تقارير صحفية دولية، وعلى رأسها “نيويورك تايمز”، أن خرازي لم يكن يقضي أيامه في عزلة أكاديمية، بل كان المحرك الرئيسي والقناة الخلفية لتنسيق لقاءات رفيعة المستوى تهدف إلى استكشاف فرص وقف إطلاق النار.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن خرازي كان يشرف على وساطة معقدة تمر عبر العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لترتيب لقاء محتمل مع “جي دي فانس”، نائب الرئيس الأمريكي. إن محاولة تصفيته الجسدية في هذا التوقيت تكشف عن إرادة دولية وإقليمية لقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية، وتفضيل لغة النار على لغة الحوار، مما يجعل من جسد خرازي المنهك بالجراح قرباناً على مذبح الصراع الجيوسياسي المحتدم.

اغتيال “خيط الرجعة”: استراتيجية إجهاض التفاوض بالنار
إن المنهجية التي اتبعها المهاجمون في استهداف منزل خرازي تعكس استراتيجية “إجهاض التفاوض”، وهي سياسة تهدف إلى تصفية الشخصيات التي تمتلك القدرة على بناء الجسور مع الغرب.
كمال خرازي، بخلفيته الأكاديمية في الولايات المتحدة وخبرته الطويلة كوزير للخارجية ومندوب دائم لدى الأمم المتحدة، يمثل “خيط الرجعة” والوجه العقلاني للنظام في طهران الذي يمكنه صياغة تفاهمات مقبولة دوليا.
إن ضرب هذا “العقل المدبر” يعني بالضرورة دفع صانع القرار الإيراني نحو خيارات أكثر راديكالية وانغلاقا، وهو الهدف الذي تسعى إليه أطراف ترغب في استمرار حالة النزيف الإيراني.
هذا الأسلوب ليس جديدا، فقد تكرر مع شخصيات أخرى مثل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق علي لاريجاني، حيث يبدو أن هناك قرارا استراتيجيا في تل أبيب وواشنطن يقضي بأن أي تحرك دبلوماسي إيراني خارج إطار “الاستسلام الكامل” سيواجه بالاغتيال المباشر، مما يحول المنطقة إلى غابة لا صوت فيها يعلو فوق صوت الانفجارات.
الجغرافيا المشتعلة: صدى الانفجارات من طهران إلى عواصم المنطقة
لا يمكن فصل استهداف خرازي عن المشهد العام للحرب التي دخلت شهرها الثاني، فالواقع الميداني يشير إلى أن الحريق الإيراني بدأ يمتد ليحرق أطراف الجيران. في اليوم الرابع والثلاثين، تمددت الهجمات المتبادلة لتشمل مدنا ومرافق حيوية في عمق المنطقة؛ فبينما كانت الصواريخ تنهال على طهران ولارستان ومدن خوزستان، كانت الردود الإيرانية تطال القواعد الأمريكية ومواقع استراتيجية في دول الجوار.
أدى هذا التصعيد إلى شلل شبه تام في حركة الملاحة الجوية، حيث أُغلق مطار الكويت الدولي وتضررت مرافق في أبوظبي، في حين بدأت دول مثل الأردن تستشعر خطر انقطاع إمدادات الطاقة.
إن استهداف قامة بوزن كمال خرازي في قلب العاصمة الإيرانية هو إعلان صريح بأن “الأمن الإقليمي” بات في ذمة التاريخ، وأن الدوائر العسكرية في المنطقة لم تعد تضع أي اعتبار لاستقرار العواصم أو سلامة المدنيين، طالما أن الهدف هو ضرب مراكز الثقل السياسي والفكري للخصم.

كمال خرازي: “رجل التوازنات الصعبة”
ولد علي نقي (كمال) خرازي في طهران عام 1944، ونشأ في كنف عائلة علمية مرموقة. تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة “علوي” التي خرجت كبار رجالات الدولة، ثم انطلق في مسار أكاديمي متميز حصل خلاله على درجة الدكتوراه في الإدارة التعليمية من جامعة هيوستن بالولايات المتحدة عام 1976.
هذا التكوين الأكاديمي الغربي منحه “شيفرة” فهم العقلية الأمريكية، وهو ما أهله لاحقاً للعب أدوار محورية في أصعب الظروف. لم يكن خرازي مجرد موظف في الخارجية، بل كان منظرا ورجلا يجمع بين القوة الناعمة (الإعلام والتعليم) والقوة الصلبة (الدبلوماسية والدعاية الحربية).
بدأت رحلته مع السلطة مبكرا كمدير لبرامج الإذاعة والتلفزيون، ثم مديرا لوكالة الأنباء الرسمية “إرنا” ومسؤولاً عن ستاد الدعاية الحربية خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث تعلم هناك كيف يوازن بين تدفق المعلومات وصمود الجبهة الداخلية.
ثماني سنوات في نيويورك: تشكيل الهوية الدبلوماسية الدولية
تعتبر الفترة التي قضاها كمال خرازي كمندوب دائم لإيران لدى الأمم المتحدة في نيويورك (1989-1997) هي الفترة الذهبية التي صقلت شخصيته الدولية. هناك، في أروقة المنظمة الدولية، نجح خرازي في انتزاع إيران من عزلتها التي تلت الحرب، وبنى شبكة علاقات واسعة النطاق مكنته من طرح الرؤية الإيرانية بأسلوب يتسم بالهدوء والمنطق بعيدا عن الشعارات الصاخبة.
هذه الخبرة الدولية هي التي دفعت الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي لاختياره وزيرا للخارجية عام 1997، ليقود مرحلة “حوار الحضارات” والانفتاح على الجوار الخليجي والأوروبي.
تحت قيادته، شهدت الخارجية الإيرانية تحولا من “الدبلوماسية الثورية” إلى “الدبلوماسية المؤسساتية”، مما جعل منه شخصية تحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء، وهو ما يفسر استمراره في دوائر صنع القرار العليا حتى بعد خروجه من الوزارة، حيث عينه المرشد الأعلى رئيساً للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية.

المجلس الاستراتيجي: العقل المفكر خلف ستار السياسة اليومية
منذ عام 2006، تحول كمال خرازي إلى ما يشبه “الحكيم” في السياسة الخارجية الإيرانية، فمن خلال ترؤسه للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، بات يشرف على رسم الخطوط العريضة لتوجهات الدولة بعيدا عن تقلبات الحكومات المتعاقبة.
المجلس الذي يضم نخبة من الخبراء، يعمل كمختبر للأفكار الاستراتيجية ويقدم توصياته مباشرة إلى أعلى الهرم في الدولة. خرازي، بصفته أستاذا في جامعة طهران ومؤسسا لمعاهد العلوم المعرفية، أدخل البعد العلمي والتحليلي في صياغة القرار السياسي.
إن قدرته على الجمع بين العمل الأكاديمي الرصين والعمل السياسي الميداني جعلت منه “مهندس الظل” الذي لا تكتمل أي مبادرة دبلوماسية كبرى دون مروره عبر مكتبه. لذلك، فإن استهدافه هو محاولة لتعطيل “جهاز الرادار” الذي يرصد التحولات الدولية ويصيغ الاستجابات الإيرانية المناسبة لها.
واقعة “تزوير التوقيع”: صلابة الموقف في مواجهة الاتهامات
لم تخلُ حياة خرازي السياسية من الجدل والمطبات؛ ففي تاريخه حادثة شهيرة تتعلق باتهام عباس أمير انتظام (السفير الإيراني الأسبق) له بتزوير توقيع وزير الخارجية الأسبق صادق قطب زاده لاستدعائه من السويد إلى طهران لمحاكمته.
ورغم حساسية هذا الاتهام وتداوله في مذكرات السجناء السياسيين، إلا أن رد خرازي كان يعكس شخصيته القانونية والسياسية الصلبة؛ حيث نفى التزوير جملة وتفصيلاً، مؤكدا أن صلاحياته كمساعد سياسي لوزير الخارجية كانت تمنحه “حق التوقيع” قانونا، وأن الاستدعاء كان بطلب من المدعي العام للثورة.
هذه الحادثة، رغم قدمها، تعطي لمحة عن شخصية خرازي التي لا تتردد في تحمل المسؤولية في المنعطفات التاريخية الكبرى، وقدرته على الصمود أمام الهزات السياسية والإعلامية عبر العقود، مما عزز مكانته كشخصية “سيادية” بامتياز.
مستقبل الدبلوماسية الإيرانية بعد حطام منزل خرازي
بينما يرقد الدكتور كمال خرازي اليوم في غرفته بالمستشفى، يعاني من جراح جسدية وفقدان شريكه حياته، يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ إن محاولة اغتيال خرازي هي إعلان رسمي عن دخول المنطقة في “العصر الحديدي” الذي لا مكان فيه للوسطاء أو العقول الهادئة.
لقد نجح المهاجمون في تدمير منزل خرازي وقتل زوجته، لكنهم من خلال هذه الجريمة، أغلقوا -ربما للأبد- أبوابا كانت مواربة للحوار والتهدئة. إن غياب أو تغييب شخصيات بوزن خرازي عن المشهد السياسي يعني أن البديل سيكون “دبلوماسية الخنادق”، حيث لا حديث إلا عبر الصواريخ والمسيّرات.
لقد كان خرازي يمثل فرصة أخيرة لتفادي الصدام الشامل، وباستهدافه، يبدو أن المنطقة قد اختارت طريقا وعرا لا عودة منه، حيث سيظل اسمه محفورا في ذاكرة الدبلوماسية الإيرانية كآخر المحاربين القدامى الذين حاولوا إطفاء الحريق قبل أن يلتهم الجميع.

