- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 8 Views
ما لبثت أن انتهت المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة حتى انتقلت إلى ميدان أخر، ميدان الدبلوماسية والتفاوض، حيث لم تعد المفاوضات بين الطرفين تدار خلف الأبواب المغلقة فحسب، بل انتقلت بصورة واضحة إلى ساحة الإعلام، حيث باتت كل جولة تفاوضية تواكبها معركة موازية حول تفسير ما جرى، وتحديد من قدم التنازلات، ومن خرج بمكاسب أكبر، ومن يملك حق إعلان الانتصار أمام جمهوره الداخلي وحلفائه الخارجيين.
ومع اقتراب الطرفين من تفاهمات أولية بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي، اتسعت دائرة التنافس الإعلامي، وتحولت البيانات الرسمية، والتسريبات، والتصريحات المتناقضة، إلى أدوات ضغط تفاوضية لا تقل أهمية عن أوراق التفاوض نفسها، في مشهد يعكس أن الحرب الحالية ليست فقط على بنود الاتفاق، وإنما على الرواية التي ستبقى في أذهان الرأي العام.
واشنطن وطهران… صراع على صياغة رواية المفاوضات
تكشف التغطيات الإعلامية الإيرانية والأمريكية أن الطرفين لا يختلفان فقط حول مضمون التفاهمات، بل حول الطريقة التي ينبغي أن تفهم بها هذه التفاهمات سياسيا. فالمشهد لم يعد محصورا في سؤال: ماذا تحقق على طاولة المفاوضات؟ بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك حق تفسير ما تحقق؟ ومن يستطيع تحويل المسار التفاوضي إلى مكسب أمام جمهوره؟ هنا تحديدا تظهر أهمية المعركة الإعلامية، إذ تسعى كل من واشنطن وطهران إلى انتزاع زمام المبادرة في صياغة المعنى السياسي للمفاوضات قبل اكتمال صورتها النهائية.

من جانبها، تحاول واشنطن تقديم المفاوضات باعتبارها دليلا على فعالية سياسة الضغط التي انتهجتها ضد إيران، فالخطاب الأمريكي لا يركز فقط على استمرار الحوار، بل يحاول إظهار أن طهران جاءت إلى التفاوض تحت وطأة الضغوط العسكرية والاقتصادية، وأن أي قبول إيراني بمناقشة ملفات مثل التفتيش النووي أو آلية استخدام الأموال المجمدة يمثل اعترافا ضمنيا بجدوى المقاربة الأمريكية. وبهذا المعنى، لا تريد الإدارة الأمريكية أن تبدو كطرف اضطر إلى التسوية، بل كقوة نجحت في دفع خصمها إلى مراجعة حساباته.
هذا التوجه برز بوضوح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، اللذين سارعا إلى الإعلان عما وصفاه بتنازلات إيرانية، من بينها القبول بأعلى مستويات الرقابة النووية، والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى المنشآت النووية، فضلا عن الحديث عن آلية للإشراف على الأصول الإيرانية المجمدة واستخدام جزء منها في شراء منتجات زراعية أمريكية. ولم يكتف ترامب بالإعلان عن هذه النقاط باعتبارها تفاهمات قيد النقاش، بل قدمها للرأي العام بوصفها اتفاقات شبه نهائية، في محاولة لإظهار أن الضغوط الأمريكية قد أنتجت وقائع تفاوضية جديدة.

في المقابل، تتحرك طهران وفق منطق معاكس تماما. فهي لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذي تراجع أمام الضغط، بل تصر على أن العودة إلى المفاوضات جاءت نتيجة فشل خيار القوة في فرض الشروط الأمريكية. لذلك تسعى الرواية الإيرانية إلى إعادة تعريف أي تقدم تفاوضي باعتباره ثمرة للصمود، لا نتيجة للضغط. ومن هذا المنطلق، جاء الرد الإيراني سريعا على تصريحات واشنطن، إذ نفى المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، معظم ما أعلنه المسؤولون الأمريكيون، مؤكدا أن إيران لم توافق على السماح الفوري بدخول المفتشين إلى منشآت أصفهان ونطنز وفوردو، كما رفضت طهران الادعاءات المتعلقة بإلزامها بشراء منتجات زراعية أمريكية أو قبول رقابة أمريكية على أموالها المجمدة.

وتبدو سرعة النفي الإيراني جزءا من استراتيجية إعلامية محسوبة، لا مجرد رد فعل عابر. فطهران، حسب تحليلات، تدرك أن أي صمت أمام التصريحات الأمريكية قد يفسر لاحقا باعتباره قبولا ضمنيا، أو يستخدم داخليا وخارجيا لتكريس رواية أمريكية عن تنازلات إيرانية. لذلك تحرص على إبقاء كل بند في موقعه التفاوضي، وتؤكد أن أي خطوة تتعلق بالتفتيش أو الأموال أو الترتيبات الأمنية لن تنفذ إلا ضمن اتفاق شامل يحدد الالتزامات المتبادلة بوضوح.
وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة القاعدة التفاوضية المعروفة: لا شيء متفق عليه حتى يتم الاتفاق على كل شيء. غير أن الجولة الحالية أظهرت أن هذه القاعدة لم تعد محمية بالكامل من ضغط الإعلام. فالإعلان المسبق عن المكاسب أصبح أداة للتأثير على التفاوض، ومحاولة لتثبيت سقف سياسي قبل تثبيته قانونيا. وبينما تستخدم واشنطن التصريحات العلنية لدفع الأمور نحو أمر واقع تفاوضي، تستخدم طهران النفي والتصحيح لمنع تحويل التصريحات إلى التزامات.
هذا وتشير تقارير إعلامية غربية، بينها نيويورك تايمز، إلى أن كثافة التناقضات المعلنة لا تعني فقط وجود خلاف في التفاصيل، بل تكشف أن الاتفاق النهائي ما زال يمر بمرحلة حساسة. فكل طرف يحاول أن يربح معركة التفسير قبل اكتمال الاتفاق، لأن الرواية التي ستترسخ الآن قد تحدد لاحقا من سيظهر أمام الداخل والخارج بوصفه الطرف الذي انتزع المكاسب، ومن سيتهم بتقديم التنازلات.
معركة على المكاسب… كل طرف يعلن انتصاره
لم تقتصر الحرب الإعلامية على توصيف مسار المفاوضات، بل امتدت إلى التنافس على إعلان من حقق المكاسب الأكبر من التفاهمات الأولية. فوسائل الإعلام الإيرانية المقربة من دوائر صنع القرار، مثل فارس، وتسـنيم، ومهر، وميزان، ركزت على أن طهران نجحت في انتزاع تعديلات جوهرية في اللحظات الأخيرة من صيغة مذكرة التفاهم. فوفقا للرواية الإيرانية، شملت هذه المكاسب الرفع الفوري للحصار البحري بدلا من تأجيله ثلاثين يوما، والتأكيد على إنهاء العمليات العسكرية في لبنان، واحترام وحدة أراضيه، إضافة إلى تثبيت دور إيران وسلطنة عمان في إدارة خدمات الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بما في ذلك تحصيل الرسوم المرتبطة بالخدمات البحرية، مع قبول إعفاء مؤقت لمدة ستين يوما فقط لعبور السفن دون رسوم.

كما أبرزت هذه الوسائل أن الجانب الأمريكي تراجع عن عدد من مواقفه، وأن إيران لم تحصل على امتيازات، بل استعادت جزءا من حقوقها التي كانت مسلوبة، وهو التعبير الذي استخدمه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، عندما أكد أن ما تحقق في سويسرا لا يمثل تنازلا أمريكيا بقدر ما يمثل استعادة لحقوق الشعب الإيراني.
في المقابل، ركزت الإدارة الأمريكية على جوانب مختلفة تماما، إذ اعتبرت أن مجرد قبول إيران بمناقشة آليات التفتيش النووي، وإبداء استعدادها للبحث في ترتيبات تتعلق بإدارة أموالها المجمدة، يشكل نجاحا للدبلوماسية الأمريكية، حتى وإن بقي التنفيذ مؤجلا إلى مراحل لاحقة.

وتجلت هذه المفارقة أيضا في الجدل الذي دار حول مضيق هرمز، فبينما أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن إدارة المضيق وخدماته البحرية أصبحت حقا حصريا لإيران وسلطنة عمان، شددت تصريحات أمريكية على أن إعادة فتح المضيق جاءت نتيجة تفاهم رعته واشنطن، وأنها جزء من جهودها لضمان أمن الملاحة الدولية. وامتد التباين إلى توقيت إعادة فتح المضيق، بعدما اضطرت إدارة ترامب إلى تعديل تصريحاتها بشأن موعد التنفيذ عقب اعتراض إيراني، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية.
كذلك برز خلاف آخر حول كيفية التصرف بالأموال الإيرانية المجمدة، إذ أكد نائب الرئيس الأمريكي أن جزءا منها سيستخدم لشراء منتجات أمريكية، بينما شدد محافظ البنك المركزي الإيراني على أن بلاده غير ملزمة بذلك، وأن لها حرية التصرف في أموالها وفق احتياجاتها الوطنية.

بل إن الخلافات الإعلامية وصلت إلى تفاصيل ميدانية صغيرة، من بينها ما إذا كان الوفد الإيراني قد غادر طاولة المفاوضات عقب التهديدات الأمريكية باستئناف العمليات العسكرية، حيث تحدثت واشنطن عن استمرار اللقاءات حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما أكدت طهران أنها أوقفت اللقاءات المباشرة، واكتفت بتبادل الرسائل عبر الوسطاء.
ويعكس هذا التباين أن الطرفين لا يتنافسان فقط على صياغة الاتفاق، وإنما أيضا على رسم الصورة النهائية للمنتصر، بحيث يستطيع كل منهما تسويق نتائج المفاوضات داخليا باعتبارها نجاحا سياسيا ودبلوماسيا.
الإعلام الدولي… بين نقل الروايات وصناعة السردية
بين هذا الشد والجذب، وجدت وسائل الإعلام الدولية نفسها أمام روايتين متناقضتين، فحاولت مقاربة المشهد من زوايا مختلفة، وإن كانت معظمها ركز على الحرب الإعلامية باعتبارها جزءا أصيلا من عملية التفاوض.

فقد رأت صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة ترامب تعتمد أسلوبا يقوم على إعلان النتائج التي ترغب في الوصول إليها قبل تثبيتها رسميا، بهدف خلق أمر واقع سياسي وإعلامي يدفع إيران إلى الالتزام به لاحقا، فيما اعتبرت أن طهران أصبحت أكثر إدراكا لهذه الاستراتيجية، ولذلك تبادر إلى نفي أي تصريحات أمريكية فور صدورها، حتى لا تتحول إلى التزامات تفاوضية.
أما وكالة رويترز فركزت على التداعيات السياسية للمفاوضات داخل إسرائيل، معتبرة أن التفاهمات بين طهران وواشنطن قد تجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكبر الخاسرين سياسيا، بعدما قامت واشنطن بالتفاوض مباشرة مع إيران بعيدا عن الرؤية الإسرائيلية التقليدية، وهو ما يعكس تغيرا في أولويات الإدارة الأمريكية.
من جانبها، سلطت دويتشه فيله الضوء على البعد الداخلي الأمريكي، مشيرة إلى تصاعد الانتقادات داخل الكونجرس للحرب مع إيران، وإلى نتائج استطلاعات الرأي التي أظهرت أن غالبية الأمريكيين لا يرون أن الحرب حققت أهدافها، ما يعزز حاجة الإدارة الأمريكية إلى تقديم المفاوضات باعتبارها إنجازا دبلوماسيا يعوض كلفة التصعيد العسكري.
وفي الإعلام العربي، ذهبت قناة الميادين إلى أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، وأن نتائجها دفعت واشنطن إلى العودة إلى خيار التفاوض، بينما ركزت وسائل إعلام روسية وصينية على البعد الإقليمي للتفاهم، وربطته بملفات لبنان، ومضيق هرمز، والعقوبات، والتجارة النفطية، معتبرة أن الاتفاق المؤقت نجح في تخفيف احتمالات التصعيد، لكنه لم يحسم القضايا الخلافية الكبرى.
وتتقاطع هذه القراءات مع ما أبرزته وكالة موج الإيرانية، التي اعتبرت أن المفاوضات لم تعد مجرد نقاش حول نصوص الاتفاق، بل أصبحت جزءا من حرب إدراكية أوسع، تتحول فيها كل كلمة تصدر عن مسؤول أمريكي أو إيراني إلى رسالة سياسية قابلة لإعادة التأويل. ففي هذه الحرب، لا تقتصر المنافسة على صياغة البنود القانونية، بل تمتد إلى تفسير معاني كلمات مثل التقدم، والشفافية، والقيود، والتفاهم، بما يخدم أهداف كل طرف.

في المحصلة، تبدو المواجهة الإعلامية بين إيران والولايات المتحدة مرشحة للاستمرار بالتوازي مع المفاوضات نفسها، إذ يدرك الطرفان أن الاتفاق، مهما كانت بنوده، لن يقاس فقط بما يتضمنه من التزامات، وإنما أيضا بالرواية التي ستنجح في إقناع الجمهور بأن صاحبها هو من خرج منتصرا من هذه الجولة. ولهذا، أصبحت معركة الإعلام امتدادا مباشرا لمعركة التفاوض، وأصبح إنتاج صورة المنتصر هدفا سياسيا لا يقل أهمية عن تحقيق المكاسب على طاولة المفاوضات.

