- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 12 Views
كتب: الترجمان
تمر إيران اليوم بواحد من أكثر منعطفاتها التاريخية تعقيدا وحساسية، حيث تتداخل أصداء الميدان العسكري مع همسات الغرف المغلقة في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد. وفي قلب هذا المشهد المشتعل، يقف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، ليس فقط كمسؤول تشريعي، بل كقائد لفريق مفاوض يواجه معركة شرسة على جبهتين؛ جبهة خارجية يقابل فيها مراوغة أمريكية يقودها “جي دي فانس” وتهديدات “ترامب”، وجبهة داخلية تشتعل فيها نيران الانتقادات التي لم تعد تكتفي بالمساءلة السياسية، بل وصلت إلى حد الهجوم العقائدي والتخوين.
هذا التقرير يحلل المشهد الدبلوماسي الراهن، مفككا بنية الانتقادات الموجهة لقاليباف وفريقه، ومستعرضا الردود التي تدافع عن “منطق الضرورة” في زمن الأزمات الوجودية.
فراغ الرواية وسلطة الغموض: اتهامات التعتيم وسقوط “الشفافية”
أولى وأشرس الهجمات التي واجهت قاليباف انطلقت من بوابة “الحق في المعرفة”، حيث اتهمت تيارات واسعة في الداخل الإيراني الفريق المفاوض بممارسة “تعتيم متعمد” على مجريات الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد. يرى هؤلاء المنتقدون، ومن بينهم نخب إعلامية محسوبة على التيار الراديكالي، أن الصمت الذي لفّ المحادثات لمدة عشرة أيام قبل خروج قاليباف للتوضيح، قد خلق “خللا روائيا” خطيرا في حرب الروايات الدولية.
ويؤكد هذا التيار أن الشعب الإيراني الذي صمد تحت القصف لمدة أربعين يوما، وما زال يرابط في التجمعات الليلية، هو الشريك الأول في القرار، ولا يجوز تركه في حالة من الحيرة والارتباك تسمح لوسائل الإعلام المعادية ببث الشائعات حول تنازلات جوهرية تخص غني اليورانيوم أو السيادة على مضيق هرمز.
وفي المقابل، جاءت الردود لتؤكد أن ما يراه البعض “تعتيما” هو في الحقيقة “انضباط أمني” تفرضه ظروف الحرب التي لم تضع أوزارها بعد. المحللون القريبون من دوائر صنع القرار يشيرون إلى أن الدبلوماسية في هذه المرحلة هي “دبلوماسية حرب”، حيث لا يمكن كشف تفاصيل المقايضات قبل نضوجها بشكل كامل.
ويشدد المدافعون على أن خروج قاليباف في حوار تلفزيوني مفصل لم يكن مجرد رد فعل على الضغوط، بل كان خطوة محسوبة لتثبيت الرواية الإيرانية بعد استكمال المرحلة الأولى من “استطلاع النوايا” الأمريكية. إن الرد هنا يرتكز على فكرة أن إدارة الحرب النفسية تتطلب في بعض الأحيان صمتا استراتيجيا لتفويت الفرصة على العدو في اصطياد الثغرات الإعلامية قبل اكتمال المسار الدبلوماسي.

لعنة التاريخ وظلال “برجام”: هواجس نقض العهود وتكرار الأخطاء
لا يمكن فهم حدة الهجوم على قاليباف دون استحضار الذاكرة الجمعية المريرة لاتفاق “برجام” عام 2015. المنتقدون اليوم، خاصة من صحف التيار الأصولي كصحيفة “جوان”، يحذرون بلهجة لا تخلو من الوعيد بأن التوقيع الأمريكي ليس له قيمة قانونية أو أخلاقية، مستشهدين بانسحاب ترامب الأحادي الذي دمر البنية الاقتصادية.
يرى هذا الجناح أن الذهاب إلى إسلام آباد قبل “تحقق ملموس” للشروط الإيرانية العشرة، وعلى رأسها رفع العقوبات وضمان عدم تكرار التجاوزات، هو انزلاق نحو فخ جديد. الانتقادات تتركز هنا على أن المفاوضين قد يقعون في فخ “النقد مقابل التأجيل”، أي تقديم تنازلات تقنية فورية مقابل وعود أمريكية ورقية قد تتبخر مع أول تغير في المزاج السياسي في واشنطن.
الرد على هذه الهواجس جاء عبر تأطير المفاوضات كجزء من “توازن الردع”. يوضح المدافعون عن نهج قاليباف أن الفريق المفاوض لم يذهب بعقلية “المساوم”، بل بعقلية “المقاتل الدبلوماسي” الذي يستند إلى إنجازات ميدانية كبرى. الردود تؤكد أن شروط إيران ليست مجرد مطالب تفاوضية، بل هي “خطوط حمراء” تم إبلاغ الطرف الوسيط (باكستان) بها بوضوح.
كما يتم التأكيد على أن الربط بين ملف وقف إطلاق النار في لبنان وبين رفع الحصار عن السواحل الإيرانية هو دليل على شمولية الرؤية الإيرانية، حيث ترفض طهران تجزئة الأمن. إن المنطق الدفاعي هنا يرى أن المفاوضات الحالية تهدف إلى “تثبيت المكاسب” وليس “تقديم التنازلات”، وأن الدروس المستفادة من “برجام” هي المحرك الأساسي لحذر الفريق المفاوض الحالي.

شبح “التصفية السياسية”: قاليباف كـ “جسر” مهدد بالهدم
تتجاوز الانتقادات في كثير من الأحيان الجوانب الفنية للمفاوضات لتأخذ طابعا سياسيا شخصيا يستهدف مكانة محمد باقر قاليباف في هيكل السلطة. يرى بعض المراقبين، أن الهجوم على قاليباف يندرج ضمن مشروع (التطهير أو التنقية) الذي يهدف إلى إزاحة الشخصيات التي تلعب دور “الجسور” بين الميدان العسكري والدبلوماسية السياسية.
المنتقدون المتشددون يصفون قاليباف بأنه تحول إلى “نسخة ثانية من روحاني”، متهمين إياه بمحاولة المقايضة بدماء المقاتلين وتضحيات الشعب من أجل طموحات سياسية مستقبلية. هذا الهجوم يستخدم لغة حادة تصل إلى وصف المفاوضات بأنها “سم” وأن المفاوضين بحاجة لعلاج سياسي.
الردود التحليلية من قبل شخصيات سياسية مثل محمد مهاجري، وصادق زيبا كلام تنبه إلى أن تضعيف قاليباف في هذا التوقيت هو تضعيف للدولة بأكملها. يُنظر إلى قاليباف بصفته “نهجا” وليس مجرد “فرد”؛ فهو يمثل تلاقي الخبرة العسكرية الميدانية مع القدرة على إدارة الأزمات الكبرى.
الرد يجادل بأن غياب شخصيات “بناة الجسور” مثل قاليباف سيترك فراغا خطيرا يؤدي إلى انقطاع الصلة بين الضرورات العملياتية والمناورات السياسية. المدافعون يؤكدون أن تفتيت الجبهة الداخلية عبر تخوين المفاوضين يمنح العدو (نتنياهو وترامب) أكبر أداة ضغط ممكنة، حيث يظهر النظام الإيراني ككيان متصارع غير قادر على اتخاذ قرار موحد، مما يضعف قوة إيران التفاوضية بشكل مباشر.

شرعية القرار السيادي: التفاوض كـ “إرادة نظام” لا “مبادرة فردية”
في ذروة التجاذبات، برز انتقاد راديكالي يشكك في شرعية أصل المفاوضات، معتبرا أن الجلوس مع “العدو القاتل” في ظل استمرار التهديدات هو نقض لمبادئ الثورة. نواب في البرلمان وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي أطلقوا حملات تزعم أن قاليباف وفريقه يتصرفون خارج إطار توجيهات القيادة العليا، وأنهم يتجاوزون الخطوط التي رسمها “الميدان”.
بل ذهب البعض إلى التجمع في الشوارع للتعبير عن رفضهم لمجرد فكرة الحوار، واصفين إياها بـ “الخيانة” لمبادئ المقاومة، خاصة مع ظهور تقارير تتحدث عن مناقشة تعليق تخصيب الأورانيوم أو تعديل قواعد الملاحة في مضيق هرمز.
الرد الحاسم على هذه النقطة جاء من أصوات ثقيلة في الساحة السياسية، مثل مصطفى كواكبيان، الأمين العام لحزب “مردم سالاري، وناصر إيماني، الذين أكدوا أن ملف المفاوضات هو “ملف ملف سيادي بامتياز. الردود شددت على أن فريق قاليباف لا يتحرك بمفرده، بل هو أداة تنفيذية لقرارات تصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي وبإشراف مباشر ومباركة من القيادة العليا.
إن الرد هنا يحذر المنتقدين من أنهم، عبر مهاجمة الفريق المفاوض، يهاجمون في الحقيقة قرارات النظام العليا التي ارتأت أن المصلحة القومية تقتضي فتح مسار دبلوماسي موازٍ للمسار العسكري. يتم التأكيد على أن “محيط القرار” يضم كافة أركان الدولة، وأن قاليباف يمثل “توازن القوى” الداخلي، مما يجعل اتهامه بالانفراد بالقرار مجرد “مغالطة سياسية” تستهدف كسب نقاط في صراعات الأجنحة الداخلية.

بين “الميدان” و”الطاولة”: صراع السرديات حول مستقبل السيادة
تصل الانتقادات إلى ذروتها عند الحديث عن “توقيت” المفاوضات؛ حيث يرى الرافضون أن الذهاب إلى الطاولة في ظل تهديدات ترامب بمحاصرة السواحل هو “اعتراف بالضعف”.
الانتقاد هنا يتمحور حول فكرة أن “الميدان” كان يحقق انتصارات، وأن الدبلوماسية جاءت لـ “تجميد” هذه الانتصارات ومنح العدو فرصة لالتقاط الأنفاس عبر سياسة “شراء الوقت”. هؤلاء يطالبون بوقف الجولة الثانية من المفاوضات فوراً والرد عسكريا على أي تحرش في مضيق هرمز بدلاً من الحديث عن “مسارات محددة” أو “تراخيص عبور”.
في المقابل، يرتكز الرد الدفاعي على “منطق القوة المركبة”. يشير المدافعون إلى أن قاليباف نفسه هو من أكد في تغريداته الأخيرة أن “الميدان هو من يحدد قواعد إغلاق أو فتح المضيق، وليس شبكات التواصل”.
الرد هنا يوضح أن الدبلوماسية ليست بديلا عن القوة، بل هي “ثمرة القوة”؛ فالمفاوض الإيراني اليوم يتحدث من موقع من أصاب أهداف العدو بدقة، وهو يسعى لتحويل هذا التفوق العسكري إلى واقع قانوني وسياسي دولي.
يؤكد هذا التيار أن الحكمة تقتضي عدم الانجرار إلى حرب شاملة قد تدمر البنية التحتية إذا كان بالإمكان انتزاع الحقوق عبر طاولة المفاوضات بـ “شرط القوة”. إن الرد الغائي هنا هو أن “سكوت قاليباف الاستراتيجي” هو في الحقيقة تركيز على إدارة هذه المعادلة المعقدة بعيدا عن ضجيج “الدعاية الجوفاء” التي لا تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق من يدير شؤون الأمن القومي في أحلك الظروف.

يظهر جليا أن محمد باقر قاليباف وفريقه المفاوض يسبحون في بحر من التناقضات الداخلية والخارجية. وبينما يرى منتقدوه أن المفاوضات هي “ثقب أسود” قد يبتلع سيادة البلاد، يرى المدافعون عنها أنها “ممر إجباري” لحماية الدولة من الانهيار الاقتصادي والدمار الشامل.
إن المعركة الحقيقية التي يخوضها قاليباف اليوم ليست في “إسلام آباد” فحسب، بل في “طهران” أيضاً؛ حيث يسعى لإقناع الجبهة الداخلية بأن الدبلوماسية هي “وجه آخر للمقاومة”، وأن الانتصارات العسكرية تظل ناقصة ما لم تُترجم إلى استقرار سياسي واقتصادي يضمن ديمومة النظام وقوة الدولة في مواجهة عواصف “نقض العهود” التي تهب من الغرب. وبين هذا وذاك، يبقى “الميدان” هو الحكم النهائي، وتبقى الأيام القادمة هي التي ستكشف ما إذا كان “جسر قاليباف” سيصمد أمام رياح التخوين الداخلي وضغوط الحصار الخارجي.

