- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 12 Views
لم تكن المقابلة التلفزيونية المطولة التي أجراها رئيس البرلمان ورئيس الوفد الإيراني المفاوض، محمد باقر قاليباف، مجرد عرض لتفاصيل المفاوضات التي انتهت إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، بل جاءت لتؤسس لرواية سياسية وأمنية متكاملة تسعى القيادة الإيرانية إلى ترسيخها بشأن الحرب الأخيرة، وطبيعة المفاوضات التي أعقبتها، وشكل المرحلة المقبلة داخليا وخارجيا. فمن خلال حديث امتد لأكثر من ساعة، حاول قاليباف تقديم تصور متكامل يقوم على أن ما تحقق لم يكن نتيجة العمل العسكري وحده، ولا ثمرة الدبلوماسية منفردة، وإنما نتاج تكامل بين القوة العسكرية، والحضور الشعبي، والتحرك الدبلوماسي، وأداء مؤسسات الدولة، في إطار ما وصفه بالميادين الأربعة التي صنعت ما اعتبره انتصارا إيرانيا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم تقتصر أهمية تصريحات قاليباف على مضمونها السياسي، بل امتدت إلى الرسائل التي حملتها بشأن موقعه داخل النظام الإيراني، إذ ظهر للمرة الأولى بوصفه المتحدث الرئيسي باسم تجربة التفاوض، ومهندسا للرواية الرسمية حول الاتفاق، وهو ما فتح الباب أمام قراءات داخل إيران رأت في هذا الظهور مؤشرا على دور أكبر قد يلعبه خلال المرحلة المقبلة، سواء في إدارة الملفات الاستراتيجية أو في رسم ملامح السياسة الإيرانية بعد الحرب.
التفاوض امتداد للمواجهة لا بديل عنها
فقد احتل مفهوم التفاوض بوصفه أسلوبا من أساليب النضال المساحة الأكبر من حديث قاليباف، إذ سعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين القوة العسكرية والدبلوماسية، رافضا الفصل بينهما أو تصوير المفاوضات باعتبارها تنازلا سياسيا، فقد أكد طهران لم تدخل المفاوضات من موقع الضعف أو تحت ضغط الحرب، وإنما دخلتها بعد أن فرضت معادلة جديدة في الميدان. ولذلك، فإن الدبلوماسية التي تحدث عنها ليست دبلوماسية التسويات التقليدية، وإنما دبلوماسية الاقتدار، وهي الفكرة التي قال إنه كان يدافع عنها حتى خلال مفاوضات الاتفاق النووي.

وفي هذا السياق، شدد على أن المفاوض الإيراني لم يكن يحمل غصن زيتون في يد وسيفا في اليد الأخرى على سبيل المجاز، بل إن “السيف كان جاهزا فعلا” على حد تعبيره، في إشارة إلى استمرار العمليات العسكرية والاستعداد للرد أثناء سير المفاوضات.
وبحسب قاليباف، فإن نجاح المفاوضات لم يكن منفصلا عن الضربات العسكرية، بل إن كل تقدم تحقق على طاولة التفاوض كان يستند إلى ما تحقق في الميدان، وهو ما جعله يكرر أكثر من مرة أن التفاوض “وسيلة من وسائل النضال”، وليس خروجا عنه.
الميادين الأربعة… فلسفة جديدة لإدارة الصراع
كان من أبرز المفاهيم التي طرحها قاليباف ما أسماه “الميادين الأربعة”، معتبرا أنها تمثل النموذج الإيراني الجديد لإدارة الأزمات. فالميدان الأول هو القوات المسلحة التي خاضت الحرب، والثاني هو الشعب الذي خرج إلى الشوارع وأظهر تماسكا داخليا، والثالث هو ميدان الدبلوماسية الذي تولى تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية، أما الرابع فهو ميدان الخدمة، أي أجهزة الدولة التي يقع على عاتقها معالجة آثار الحرب وتحسين أوضاع المواطنين.

ورأى قاليباف أن هذه الميادين لم تكن تعمل بصورة منفصلة، بل كانت تتحرك كما لو كانت فريقا واحدا، تنتقل فيه راية المواجهة من ميدان إلى آخر بحسب متطلبات المرحلة، وهو ما اعتبره أحد أهم أسباب نجاح إيران في تجاوز الحرب والدخول في مرحلة التفاوض. ومن خلال هذا الطرح، حاول قاليباف تقديم رؤية مختلفة عن التجارب السابقة، مؤكدا أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما اختبارا لقدرة الدولة على إدارة جميع أدوات القوة في وقت واحد.
الحرب… انتصار رغم اختلال موازين القوى
حرص قاليباف على تقديم الحرب الأخيرة باعتبارها انتصارا إيرانيا، رغم اعترافه بعدم التكافؤ العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فهو يرى أن الطرف الآخر يمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، لكن إيران نجحت، بحسب روايته، في منع تحقيق جميع الأهداف التي أعلنها خصومها مع بداية الحرب، وهو ما اعتبره المعيار الحقيقي للانتصار.

وأشار إلى أن المواجهة لم تكن بين دولتين فحسب، وإنما بين “جبهة الاستكبار” و”الجبهة التوحيدية”، في توصيف أيديولوجي يعكس استمرار الخطاب التقليدي للجمهورية الإسلامية، لكنه ربط هذا الخطاب في الوقت نفسه بمفاهيم أكثر عملية، مثل إدارة الأزمات، والعمل المؤسساتي، والتنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، كما اعتبر أن الحرب أعادت إنتاج الهوية الوطنية الإيرانية، وأظهرت مستوى من التماسك الداخلي لم يكن متوقعا في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي سبقتها.
لبنان وجبهة المقاومة… جزء من معادلة التفاوض
هذا وقد أفرد قاليباف مساحة واسعة للحديث عن لبنان، مؤكدا أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يمكن أن يقتصر على الساحة الإيرانية، بل يجب أن يشمل جميع جبهات المواجهة، وفي مقدمتها لبنان، وأوضح أن إيران أبلغت الوسطاء منذ بداية المفاوضات بأن وقف الهجمات على الضاحية الجنوبية لبيروت يمثل أولوية، وأنها وجهت إنذارا للولايات المتحدة بعد استهداف الضاحية، الأمر الذي دفع، بحسب روايته، الرئيس الأمريكي إلى مطالبة إسرائيل بوقف العمليات.
كما أشاد بالدور الذي لعبه حزب الله، معتبرا أن ما قدمه من تضحيات خلال الحرب جعله شريكا رئيسيا في المواجهة، وأن التنسيق بين إيران ومحور المقاومة ظل عنصرا أساسيا في إدارة الأزمة.
الأموال المجمدة والحصار… أولوية المفاوض الإيراني
وفي الجانب الاقتصادي، كشف قاليباف أن المفاوضات لم تقتصر على الملفات الأمنية والعسكرية، وإنما ركزت أيضا على إنهاء الحصار، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع القيود المفروضة على بيع النفط، والمعاملات المصرفية، والنقل، والتأمين.

وشدد على أن إيران رفضت فكرة الاكتفاء بخطوط ائتمان أو تسهيلات مصرفية محدودة، وأصرت على أن تعود الأموال المجمدة إلى البنك المركزي الإيراني بصورة مباشرة، حتى تصبح تحت تصرف الدولة، معتبرا أن رفع الحصار في وقت أقصر مما كان منصوصا عليه في مذكرة التفاهم يمثل أحد أبرز إنجازات المفاوضات، مشيرا إلى أن ما كان مقررا تنفيذه خلال ثلاثين يوما تحقق، بحسب روايته، خلال أيام قليلة.
الولايات المتحدة… خصم لا يمكن الوثوق به
ورغم دفاعه المستمر عن خيار التفاوض، حرص قاليباف على التأكيد أن ذلك لا يعني الثقة بالولايات المتحدة، بل ذهب إلى القول إنه “أكثر شخص لا يثق بأمريكا”، مستشهدا بتاريخ العلاقات بين البلدين، وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وما اعتبره سجلا طويلا من نقض التعهدات. لذلك، أكد أن الضمان الحقيقي لأي اتفاق لا يكمن في قرارات مجلس الأمن أو الوثائق القانونية، وإنما في عناصر القوة الإيرانية، وعلى رأسها القدرات العسكرية، ووحدة المجتمع، والثقافة العاشورائية، والاعتماد على الذات.
قاليباف… بين قيادة المفاوضات ورسم ملامح المرحلة المقبلة
إذا كانت تصريحات محمد باقر قاليباف قد سعت إلى تثبيت رواية رسمية حول الحرب والاتفاق، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن الدور الذي اضطلع به شخصيا خلال المفاوضات، وهو دور لم يقتصر، وفق روايته، على إدارة الحوار مع الوسطاء والوفد الأمريكي، بل تجاوز ذلك إلى المشاركة في رسم قواعد الاشتباك السياسي والعسكري بالتوازي. فمن خلال حديثه المطول، حرص قاليباف على تقديم نفسه باعتباره رجلا يتحرك في مساحتين في آن واحد، فهو، كما قال، ليس دبلوماسيا، وإنما مقاتل يمارس الدبلوماسية بعقلية المقاتل، وهي العبارة التي لخصت الصورة التي أراد ترسيخها عن نفسه بوصفه حلقة الوصل بين الميدان العسكري وطاولة التفاوض.

وبحسب روايته، فإن المفاوضات لم تكن تجري في معزل عن التطورات العسكرية، بل كانت كل خطوة على الطاولة مرتبطة بما يحدث في الميدان. فقد كشف أن الوفد الإيراني كان يواصل التفاوض في الوقت الذي كانت فيه القوات الإيرانية تنفذ عملياتها العسكرية، وأن القرارات الميدانية كانت تنقل إلى الوسطاء خلال دقائق، فيما كانت الرسائل القادمة من الطرف الآخر تصل بالطريقة نفسها. ومن هنا، حاول قاليباف أن يثبت أن ما تحقق في الاتفاق لم يكن نتيجة تنازلات سياسية، بل ثمرة إدارة متزامنة للميدان والتفاوض، بحيث استخدمت القوة العسكرية لتعزيز الموقف التفاوضي، فيما استثمرت المفاوضات لتحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية وقانونية.
ولعل أكثر ما سعى قاليباف إلى إبرازه هو أن الوفد الإيراني لم يتعامل مع المفاوضات باعتبارها هدفا في حد ذاتها، وإنما باعتبارها أداة لتحقيق ما تعذر تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها. ولذلك كرر أكثر من مرة أن إيران استطاعت عبر المفاوضات الحصول على مكاسب تفوق بأضعاف ما كان يمكن تحقيقه في ساحة القتال، مستشهدا بما قال إنه تعجيل في رفع الحصار، ووقف الهجمات على لبنان، وإدراج قضايا الأموال الإيرانية المجمدة والقيود الاقتصادية ضمن أولويات التفاهم.
وفي هذا السياق، قدم قاليباف نفسه بوصفه المسؤول المباشر عن اتخاذ قرارات حاسمة خلال اللحظات الأكثر حساسية في المفاوضات. فقد روى أنه، أثناء التفاوض مع الوسطاء، وقع الهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت، فغادر قاعة الاجتماعات ليعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن إيران سترد حتما، ثم عاد إلى طاولة التفاوض ليبلغ الطرف الآخر بأن الرد العسكري أصبح قرارا نهائيا لا رجعة فيه. ووفقا لروايته، فإن هذا الموقف غير أجواء المفاوضات بالكامل، ودفع الطرف المقابل إلى إعادة حساباته، وهو ما اعتبره مثالا عمليا على مفهوم “التفاوض بوصفه أسلوبا من أساليب النضال”.
في الوقت نفسه، حاول قاليباف أن يبعث برسالة إلى الداخل الإيراني، مفادها أن توليه رئاسة الوفد المفاوض لم يكن نتيجة رغبة شخصية أو طموح سياسي، بل كان تكليفا فرضته مؤسسات الدولة. وقد أكد أنه لم يكن راغبا في هذه المهمة، بل حاول الاعتذار عنها، نظرا لما يمثله الرئيس الأمريكي، في نظره، من مسؤولية عن اغتيال قاسم سليماني، إلا أنه قبلها في النهاية باعتبارها واجبا وطنيا. ويهدف هذا الطرح إلى نفي أي انطباع بأن انتقال أحد أبرز قادة التيار المحافظ إلى قيادة المفاوضات يمثل تحولا فكريا أو سياسيا، بل تصويره باعتباره تنفيذا لقرار اتخذته مؤسسات النظام.

غير أن القراءة التي قدمها عدد من المحللين الإيرانيين، وفي مقدمتهم صادق ملكي وإبراهيم متقي، تتجاوز حدود الدور التفاوضي المباشر، لتربط بين رئاسة قاليباف للوفد الإيراني وبين موقعه المحتمل في المرحلة المقبلة. فبحسب ملكي، فإن اختيار قاليباف لم يكن مجرد قرار يتعلق بإدارة مفاوضات إسلام آباد، وإنما رسالة سياسية تعكس إرادة مركز القرار في إسناد مسؤولية الاتفاق إلى شخصية تنتمي إلى قلب المؤسسة الحاكمة، بما يجعلها تتحمل، في الوقت نفسه، مسؤولية النجاح أو الفشل.
ويرى ملكي أن هذه الخطوة قد تكون مقدمة لدور أوسع لقاليباف في إدارة إيران بعد الحرب، خاصة إذا نجح النظام في تجاوز تداعياتها. ويذهب إلى أن النموذج الذي يمكن أن يمثله قاليباف يقوم على الجمع بين التنمية الاقتصادية والانفتاح الاجتماعي من جهة، مع الحفاظ على الصرامة السياسية وهيمنة الدولة من جهة أخرى، في صيغة تشبه – إلى حد بعيد – النموذج الصيني في الحكم. وبذلك، فإن التفاوض، وفق هذا التصور، لا يمثل مجرد تسوية مع الخارج، بل بداية لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، بحيث تصبح التنمية الاقتصادية في صدارة أجندة الدولة، من دون أن يصاحبها انفتاح سياسي واسع.

أما إبراهيم متقي، فقد ركز على السمات الشخصية والتنظيمية لقاليباف، معتبرا أنه يمتلك خصائص القائد البراغماتي القادر على إدارة مراحل الانتقال. فبحسب تحليله، يتمتع قاليباف بمرونة بيروقراطية، وعقلية تنظيمية، وقدرة على بناء التوافق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، وهي صفات تجعل منه، في رأيه، الشخصية الأكثر قدرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ويضيف متقي أن أهمية قاليباف لا تكمن فقط في موقعه الرسمي، بل أيضا في شبكة العلاقات التي نسجها على مدى سنوات مع مختلف مراكز القوة داخل النظام، ولا سيما الحرس الثوري. ويرى أن هذه العلاقات تمنحه القدرة على الجمع بين متطلبات الأمن، وحسابات السياسة، وضرورات الإدارة الاقتصادية، بما يسمح له بقيادة عملية انتقال هادئة من منطق الحرب إلى منطق إعادة البناء.

كما يربط متقي بين صعود قاليباف وبين التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة، معتبرا أن إيران دخلت بالفعل مرحلة جديدة ستتطلب إعادة صياغة كثير من الاستراتيجيات السابقة. ومن هذا المنطلق، فإن رئاسة قاليباف للوفد المفاوض، في رأيه، ليست حدثا عابرا، بل مؤشر على إعادة توزيع الأدوار داخل النظام، وربما على بروز جيل جديد من القيادات التي ستتولى إدارة الملفات الكبرى خلال السنوات المقبلة.
في المجمل، تكشف تصريحات قاليباف، إلى جانب القراءات التي قدمها محللون مقربون من دوائر صنع القرار في إيران، عن محاولة لبناء سردية جديدة للمرحلة التي أعقبت الحرب، يكون فيها الاتفاق جزءا من استراتيجية أشمل، وليس مجرد تسوية مؤقتة. وفي هذه السردية، يظهر قاليباف ليس فقط رئيسا للوفد الذي قاد المفاوضات، وإنما أحد أبرز الوجوه المرشحة لقيادة مرحلة إعادة ترتيب الأولويات داخل الجمهورية الإسلامية، مستندا إلى صورة تجمع بين القائد العسكري، والسياسي البراغماتي، والمفاوض الذي يربط بين القوة والدبلوماسية.

