من التهديد بالقتل إلى المغامرة بالمستقبل السياسي.. بزشكيان يواجه أصعب اختبار بعد تفاهمه مع واشنطن

لم يكد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، يوقع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب والدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات، حتى وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وأمنية غير مسبوقة. فالاتفاق الذي اعتبره أنصاره خطوة لإنهاء المواجهة العسكرية وفتح الباب أمام تسوية سياسية، تحول في نظر معارضيه إلى تنازل خطير، بينما تجاوزت بعض ردود الفعل حدود النقد السياسي إلى التهديد المباشر بالقتل. وبين الدفاع الرسمي عن الاتفاق، والانتقادات الحادة من التيار الأصولي، والدعم الذي وفره له بعض الإصلاحيين، يبدو أن بزشكيان دخل مرحلة قد تكون الأكثر حساسية في مسيرته السياسية، حيث بات مستقبل الاتفاق ومستقبله الشخصي والسياسي مرتبطين بنتيجة واحدة.

تفاهم يوقف الحرب… ويشعل مواجهة داخلية

منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، انقسم المشهد السياسي الإيراني بصورة حادة، فالحكومة قدمت الاتفاق باعتباره وسيلة لإنهاء الحرب وفتح المجال أمام معالجة الملفات العالقة عبر الدبلوماسية، مؤكدة أن التفاهم لا يعني التخلي عن مبادئ الجمهورية الإسلامية أو عن أدوات الدفاع، ولا يمثل تراجعا عن المصالح الوطنية، بل يعد انتقالا من المواجهة العسكرية إلى إدارة الخلافات بالوسائل السياسية.

هذا وقد أكدت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في تصريحات لها أن إنهاء الحرب لا يتعارض مع الحفاظ على الردع العسكري، معتبرة أن التفاهم في هذه المرحلة هو فن تحويل الحرب الصلبة إلى معركة سياسية، وأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا في ظل الاحترام المتبادل، مشددة على أن الاتفاق جاء نتيجة سنوات من الصمود العسكري والسياسي، وليس نتيجة ضغوط خارجية.

Image

لكن هذا الطرح لم ينه الجدل داخل إيران، بل فتح الباب أمام موجة من الانتقادات، فقد اعتبر عدد من المعارضين أن الاتفاق ما يزال مليئا بالغموض، خصوصا فيما يتعلق بالبرنامج النووي، ومستقبل تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية، والأصول الإيرانية المجمدة، ودور حلفاء إيران في المنطقة. كما أثيرت تساؤلات حول قدرة الاتفاق على الصمود في ظل التاريخ الطويل من انعدام الثقة بين طهران وواشنطن.

في المقابل، برز تيار آخر داخل الساحة السياسية يدافع عن خيار التفاوض، معتبرا أن الاتفاق يمنح إيران فرصة لإثبات حسن نيتها أمام المجتمع الدولي، وأن أي إخلال أمريكي مستقبلي بالتعهدات سيمنح طهران سندا سياسيا وقانونيا أقوى.

وفي هذا السياق، طرح المحلل الأصولي، ناصر إيماني تساؤلات لافتة حول طبيعة الاعتراضات، معتبرا أن من يعارض الاتفاق عليه أن يجيب أولا عن سؤال أساسي، هل يمكن أصلا التوصل إلى اتفاق بهذا الحجم دون موافقة أعلى مستويات القيادة في البلاد؟ وأشار إلى أن قرار التفاوض هو في النهاية قرار سيادي، وأن تصوير الاتفاق وكأنه يجري بعيدا عن مؤسسات صنع القرار يثير تناقضا في خطاب بعض معارضيه، خاصة أولئك الذين يؤكدون باستمرار مركزية دور القيادة في رسم السياسات الكبرى للدولة.

Image

وأضاف إيماني أن قبول المعارضين بشرعية النظام وآليات اتخاذ القرار فيه يقتضي الإقرار بأن أي تفاهم مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يبرم دون موافقة الجهات العليا المختصة. ووفقا لرأيه، فإن الإيحاء بأن الاتفاق فرض على القيادة أو جرى من دون علمها ينطوي على اتهام بالغ الخطورة يمس بنية النظام نفسه، بينما يبقى الاختلاف حول جدوى المفاوضات أو مضمون الاتفاق أمرا مشروعا في إطار النقاش السياسي، شريطة ألا يتحول إلى تشكيك في آليات اتخاذ القرار السيادي أو في صلاحيات المؤسسات العليا للدولة.

وبذلك لم يعد الخلاف يدور حول مضمون الاتفاق فحسب، بل امتد إلى طبيعة النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار داخله، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ سنوات.

من الانتقاد إلى التهديد… تصعيد غير مسبوق ضد الرئيس

إذا كان الجدل السياسي متوقعا بعد توقيع اتفاق بهذا الحجم، فإن ما أعقبه من تهديدات مباشرة للرئيس الإيراني مثل تطورا غير مسبوق. فقد أثار أحد المداحين في مدينة الري عاصفة من الجدل عندما هدد بزشكيان علنا، قائلا إنه إذا لم تتحقق شروط القيادة، فإنهم” يعرفون السكين وعنقه” على حد قوله، في تعبير فهم على نطاق واسع بوصفه تهديدا مباشرا بالقتل.

Image

وسرعان ما تحول هذا التصريح إلى قضية سياسية، بعدما أصدر مكتب رئيس الجمهورية موقفا شديد اللهجة، إذ أكد نائب رئيس مكتب الرئاسة لشؤون الاتصالات، مهدى طباطبائي، أن من واجب الجهات المختصة اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة بحق كل من يسيء إلى رئيس الجمهورية أو يهدده، واصفا الواقعة بأنها اعتداء على ثاني أعلى مسؤول في الدولة والمنتخب من قبل الشعب.

Image

ولم يتوقف الجدل عند الموقف الرسمي، بل امتد إلى الأوساط السياسية والإعلامية، فقد كتب الناشط الإصلاحي أحمد زيد آبادي أن البلد الذي يمكن فيه التهديد علنا بذبح رئيس الجمهورية دون خوف من الملاحقة القضائية هو بلد يصعب أن يشعر فيه أي مواطن بالأمان، معتبرا أن السماح بمثل هذه التهديدات يضعف هيبة القانون، ويجعل من الصعب مطالبة المواطنين بالتمسك بالسلمية واحترام المؤسسات.

Image

وأضاف زيد أبادي أن المفارقة تكمن في أن بعض المنتقدين أو المعارضين السلميين يتعرضون للملاحقة بسبب تصريحات حادة، في حين يطلق آخرون تهديدات بالعنف ضد ثاني أعلى مسؤول في الدولة على الملأ دون أن يبدوا قلقا من المساءلة. ورأى أن استمرار مثل هذا المناخ يكرس الشعور بانعدام العدالة ويقوض ثقة المواطنين في سيادة القانون، كما يبعث برسائل سلبية بشأن قدرة الدولة على حماية المسؤولين والمواطنين على حد سواء.

وأعاد هذا السجال طرح أسئلة أوسع حول حدود الخطاب السياسي في إيران، والتمييز بين حرية التعبير والتحريض على العنف، كما أثار نقاشا بشأن تعامل المؤسسات الرسمية مع الشخصيات والتيارات المختلفة، في ظل اتهامات من بعض الإصلاحيين بازدواجية المعايير بين التشدد مع المعارضين السياسيين والتساهل مع شخصيات محسوبة على التيار الأصولي.

وفي المقابل، رأى أنصار الحكومة أن تصاعد لغة التخوين والتهديد يعكس حجم الاستقطاب الذي أحدثه الاتفاق داخل الساحة الإيرانية، وأن تحويل الخلاف السياسي إلى تهديدات شخصية ضد رئيس الجمهورية يمثل مؤشرا خطيرا على ارتفاع منسوب الاحتقان الداخلي، خصوصا مع اقتراب مرحلة المفاوضات التفصيلية التي ستحدد مصير الاتفاق النهائي.

هل يراهن بزشكيان بمستقبله السياسي؟

بعيدا عن التهديدات الأمنية، يرى كثير من المراقبين أن أكبر مخاطرة يواجهها بزشكيان اليوم هي تلك المتعلقة بمستقبله السياسي. فقد ذهبت بعض المقالات المؤيدة له إلى حد وصف توقيعه على مذكرة التفاهم بأنه يشبه توقيع حكم إعدام سياسي بحق نفسه، في إشارة إلى حجم المخاطر التي يتحملها إذا فشل الاتفاق أو انهارت المفاوضات.

يذهب الكاتب محمد محمودي إلى أن بزشكيان أقدم على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية خلال الأعوام السبعة والأربعين الماضية، معتبرا أن مجرد وضع توقيعه إلى جانب توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل كلفة سياسية وشخصية استثنائية. ويرى أن الرئيس الإيراني كان يدرك مسبقا حجم الرفض الذي قد يثيره هذا القرار داخل بعض الأوساط السياسية والمحافظة، إلا أنه مضى فيه باعتباره، من وجهة نظره، خيارا يخدم مصلحة البلاد ويضع حدا للحرب ويفتح الباب أمام تسوية سياسية.

Image

ويعتبر محمودي أن المخاطرة التي أقدم عليها بزشكيان لا تقتصر على احتمال فشل المفاوضات، بل تمتد إلى مستقبله السياسي بأكمله، إذ يرى أن أي تعثر في تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي قد يجعله يتحمل المسؤولية التاريخية عن هذه الخطوة. بل ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث عن احتمال تعرض الرئيس لحملات سياسية وقضائية قاسية، وربما لمواجهات مع خصومه الذين سيعتبرون الاتفاق تنازلا غير مقبول إذا لم يحقق النتائج المرجوة.

ومن هذا المنطلق، يصور محمودي بزشكيان بوصفه رئيسا قبل بتحمل تبعات قرار بالغ الحساسية، حتى لو جاءت كلفته على حساب مستقبله السياسي أو مكانته داخل النظام. ويقارن بين ما يصفه بتضحيات شخصيات إيرانية سابقة دفعت أثمانا سياسية باهظة بسبب قرارات اتخذتها للحفاظ على الدولة، معتبرا أن بزشكيان اختار، وفق هذا التصور، التضحية بمستقبله الشخصي من أجل ما يعتقد أنه مصلحة إيران، وهو ما يجعل نجاح الاتفاق أو فشله عاملا حاسما في تحديد إرثه السياسي ومستقبل تجربته الرئاسية.

وفي الاتجاه نفسه، رأى الكاتب محمد قوجاني، أن ما جرى بعد الحرب كشف الفارق بين وجود رئيس يتبنى خيار التفاوض ورئيس يرفضه، معتبرا أن بزشكيان اتخذ قرارا شجاعا بالدفاع عن السلام، ودخل المفاوضات من دون البحث عن مكاسب شعبية، بل إنه – وفقا لروايته – أسند رئاسة فريق التفاوض إلى منافسه السابق في الانتخابات، في خطوة أراد من خلالها تقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات السياسية.

Image

ويرى قوجاني أن تجربة الحرب وما أعقبها قد تشكل بداية مرحلة جديدة في النظام السياسي الإيراني، تقوم على تعاون أكبر بين المؤسسات المدنية والعسكرية والدينية، معتبرا أن أداء الحكومة خلال الحرب ثم انتقالها إلى خيار التفاوض قد يفتح الباب أمام ما وصفه بالجمهورية الثالثة داخل الجمهورية الإسلامية.

في المقابل، لا يخلو المشهد من قدر كبير من الشكوك. فعدد من المحللين، ومن بينهم الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس، يرون أن مذكرة التفاهم ما تزال أقرب إلى إطار سياسي عام منها إلى اتفاق ملزم، وأن نجاحها سيعتمد على ملفات معقدة، في مقدمتها الرقابة على البرنامج النووي الإيراني، وإزالة الألغام من مضيق هرمز، وبدء مفاوضات تقنية تفصيلية، إضافة إلى قدرة الطرفين على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه خلال الفترة المقبلة.

Image

وبين هذه الرؤى المتباينة، يبدو أن بزشكيان يقف أمام معادلة بالغة التعقيد. فإذا نجحت المفاوضات، فقد يسجل اسمه بوصفه الرئيس الذي أخرج إيران من الحرب وفتح باب التسوية مع الولايات المتحدة. أما إذا انهار الاتفاق، فقد يجد نفسه في مواجهة خصوم يعتبرون أن كل ما جرى كان خطأ استراتيجيا، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مستقبله السياسي.

وفي جميع الأحوال، تكشف التطورات الأخيرة أن توقيع مذكرة التفاهم لم يكن نهاية الأزمة، بل بدا بداية لمرحلة جديدة أكثر تعقيدا، عنوانها صراع داخلي محتدم حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وموقع إيران الإقليمي، وحدود صلاحيات رئيس الجمهورية في إدارة الملفات المصيرية. وبين التهديدات الشخصية، والانقسام السياسي، والرهان على نجاح المفاوضات، يخوض بزشكيان اليوم واحدة من أكثر المعارك حساسية منذ وصوله إلى الرئاسة، في اختبار قد لا يحدد فقط مصير الاتفاق، بل أيضا مكانته في التاريخ السياسي الإيراني.