صحيفة إيرانية: ارتفاع أسعار الأدوية يدفع المرضى إلى تقليص العلاج ويفاقم أزمة الصيدليات

نشرت صحيفة “شرق” الإيرانية، الخميس 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تقريرا تناولت فيه الارتفاع المتواصل في أسعار الأدوية في إيران، وما يترتب عليه من عجز المرضى عن شراء أدويتهم كاملة، في ظل قصور التغطية التأمينية وتفاقم أزمة السيولة لدى الصيدليات.

Image

ذكرت الصحيفة أن المرضى باتوا عاجزين عن تحمّل تكاليف الأدوية، في ظل تراجع دعم شركات التأمين وارتداد شيكات الصيدليات، ما جعل الحصول على العلاج مرتبطًا بالقدرة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية.

وتابعت أن ارتفاع أسعار الأدوية يدفع بعض المرضى إلى تقليص مدة العلاج لتخفيف النفقات، إذ يكتفي بعضهم بشراء الأدوية لمدة عشرة أيام بدلًا من استكمال فترة العلاج المقررة.

وأضافت أن المرضى باتوا يصرفون وصفاتهم الطبية جزئيًا وفقًا لقدرتهم المالية، في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وعجز شركات التأمين، ما حوّل الحصول على الدواء إلى عبء اقتصادي قد ينتهي بالتوقف القسري عن العلاج.

وأكدت أن الأزمة تتجلى في عجز المرضى عن الدفع، وتراجع شركات التأمين عن التزاماتها، وتفاقم أزمة السيولة لدى الصيدليات، بما يجعل الحصول على العلاج مرهونًا بالقدرة على تحمّل تكاليفه.

الأدوية الباهظة تدفع المرضى إلى ترك العلاج

Image

ذكرت الصحيفة أن سارة، البالغة من العمر 23 عامًا، اضطرت بعد انتهاء الحرب التي استمرت 40 يومًا إلى تقليل جرعات أدويتها لعلاج الاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بعدما نفدت ولم تعد قادرة على تحمّل أسعارها المرتفعة.

وتابعت أن تكلفة وصفتها الطبية ارتفعت من نحو 200 ألف تومان في منتصف عام 2024 إلى قرابة مليون تومان بعد الحرب، ما دفعها إلى تقليص استهلاك الأدوية، وهو ما أثر على حياتها اليومية ونومها، ورغم تمكنها مؤخرًا من شراء الميلاتونين بخصم، لم تستطع العثور على بقية أدويتها بأسعار مناسبة.

وأوضحت أن ارتفاع تكاليف العلاج امتد إلى المحاليل الوريدية التي تحتاج إليها أحيانًا وفقًا لتعليمات الطبيب، إذ قفز سعر المحلول الواحد من 100 إلى 200 ألف تومان قبل الحرب إلى ما بين 600 و700 ألف تومان حاليًا.

وبينت أن غلاء العلاج دفع أحد صديقيها المصابين بنزلة برد إلى الاستغناء عن زيارة الطبيب والاكتفاء بالراحة والمشروبات العشبية، بينما اضطر الآخر إلى طلب الرعاية الطبية بعدما تدهورت حالته.

وأضافت أن سارة أكدت أن الصديق الثاني دفع نحو مليوني تومان مقابل المحلول الوريدي والمضاد الحيوي فقط، دون احتساب تكلفة الكشف الطبي، معتبرة أن المبلغ مرتفع للغاية.

وصفات طبية انتقائية

Image

ذكرت الصحيفة أن حسين‌ زادة، صاحب صيدلية في منطقة جيشا بطهران، يلاحظ يوميًا تراجع قدرة المرضى على شراء أدويتهم، سواء من أصحاب الأمراض الخاصة أو من سكان المنطقة المعتادين على صيدليته.

وتابعت أن حسين‌ زادة قال إن عددًا متزايدًا من المرضى يغادرون الصيدلية بنصف أدويتهم أو أقل بعد معرفة التكلفة النهائية، وأشار إلى أن إحدى السيدات اشترت مؤخرًا أدوية ابنها لمدة عشرة أيام فقط، على أن تشتري الكمية المتبقية في نهاية الشهر.

وأوضحت أن ضعف التغطية التأمينية يدفع المرضى إلى شراء الكميات التي يغطيها التأمين فقط، مشيرة إلى أن رجلًا مصابًا بالسكري لا يشتري سوى عبوة أو عبوتين من أصل ثلاث يصفها الطبيب، بل غيّر جرعاته بعد التشاور مع أصدقائه المصابين بالمرض لتجنب النفقات الإضافية.

وأضافت أن حسين زادة أكد أن انتقاء الأدوية أو عدم استكمال العلاج قد يضر بالصحة العامة، إذ قد يضطر المرضى إلى مواصلة العمل لتأمين معيشتهم رغم عدم تعافيهم، ما قد يؤدي إلى نقل العدوى للآخرين إذا كانوا مصابين بأمراض معدية.

وبينت أن الصيدلي أشار إلى تفاوت التغطية التأمينية والارتفاع المتسارع في أسعار الأدوية، موضحًا أن سعر شريط أقراص المسكن «جلوفين» ارتفع من نحو 30 إلى 40 ألف تومان قبل الحرب إلى 90 ألف تومان حاليًا.

وأكدت أن التغير المتكرر في الأسعار أجبر حسين‌ زادة على مراجعة النظام الإلكتروني للتحقق من تكلفة الأدوية والوصفات، بعدما كان قادرًا سابقًا على تقديرها سريعًا.

من ارتفاع الأسعار إلى فرض قيود زمنية 

Image

ذكرت الصحيفة أن حسيني، وهي امرأة في العقد الخامس من عمرها، قالت إن ارتفاع أسعار الأدوية أثّر على حياتها وعلاج والدتها المصابة بمرض قلبي حاد، التي تتناول نحو 17 قرصًا يوميًا، وأوضحت أن سعر دواء كانت تشتريه سابقًا مقابل 100 ألف تومان لثلاثة أشرطة ارتفع إلى 80 ألف تومان للشريط الواحد.

وتابعت أن أدوية والدة حسيني أصبحت باهظة الثمن، إلى جانب نقصها المتكرر، مشيرة إلى أن الصيدليات باتت تصرف أدوية مرضى القلب لمدة شهر بدلًا من ثلاثة أشهر، ما يضطر كبار السن والمرضى إلى مراجعة الأطباء شهريًا وتحمل تكاليف الكشف والتنقل المتكررة.

وأضافت أن هذا الوضع يزيد الأعباء على المتقاعدين ومرضى القلب الذين يحتاجون إلى مرافقين، خصوصًا في طهران، حيث يواجه الباحثون عن الأدوية النادرة صعوبات في التنقل، فضلًا عن ضرورة الحصول على وصفات جديدة واعتمادها أحيانًا من جمعية الهلال الأحمر، دون ضمان توافر الدواء.

وبينت أن حسيني أكدت أن تأمينها الصحي لا يغطي سوى جزء من تكلفة الكشف، بينما يغطي تأمين والدتها نحو 40% من تكلفة الأدوية عند توافرها في المراكز التابعة له. 

وأشارت إلى أن نقص الأدوية والتضخم وعدم تناسب الرواتب، خاصة معاشات المتقاعدين، مع الأسعار، يجعل الاستفادة من التغطية التأمينية أمرًا صعبًا.

وتابعت أن اللجوء إلى الأعشاب والبدائل الأرخص ليس خيارًا آمنًا لعلاج أمراض القلب بسبب احتمالات التداخلات الدوائية، موضحة أنها حاولت تقليل استهلاك بعض أدويتها المرتفعة الثمن، والاستعانة بالزنجبيل والعسل لتخفيف الدوار المرتبط بمشكلة في الأذن الوسطى.

من شركات التأمين إلى الصيادلة

Image

ذكرت الصحيفة أن محمود هادي‌ بور، صاحب صيدلية، اعتبر ارتفاع أسعار الأدوية في ظل التضخم أمرًا طبيعيًا، لكنه تساءل عن جدوى الادعاءات المتعلقة بالإنتاج المحلي للأدوية وموادها الخام، الذي كان يُفترض أن يقلل الاعتماد على العملات الأجنبية ويحد من تأثير تقلبات سعر الصرف.

وتابعت أن هادي‌ بور قال إن أسعار الأدوية لا تزال تتأثر بتقلبات سعر الصرف، رغم سنوات من التأكيد على الإنتاج المحلي، ما يثير تساؤلات بشأن حقيقة هذا الإنتاج وأسباب تحميل المرضى أعباء إضافية باسم دعم الصناعة المحلية.

وأضافت أن هادي بور أوضح أن تكاليف العلاج تختلف حسب المرض وحالة المريض، مشيرًا إلى أن تكلفة علاج نزلة برد بسيطة تتراوح بين 40 و50 ألف تومان، وقد تصل إلى 61 ألفًا، بينما قد يتحمل مريض السكري الذي يتناول الميتفورمين يوميًا تكلفة لا تقل عن 200 ألف تومان في أبسط الحالات.

وبينت أن هادي‌ بور أكد أن شركات التأمين تمثل إحدى أبرز مشكلات نظام الرعاية الصحية، بسبب ضعف تغطيتها للنفقات وتأخرها في سداد مستحقات الصيدليات، ما يحرم الأخيرة من السيولة اللازمة لشراء الأدوية.

وأضافت أن التأخر في تحديث الأسعار الرسمية للأدوية في أنظمة التأمين، بالتزامن مع تأخر سداد مستحقات الصيدليات، يفاقم الضغوط المالية عليها ويقلل قدرتها على مواصلة العمل.

العلاج يُترك نصف مكتمل

ذكرت الصحيفة أن هادي‌ بور، أشار إلى تفاقم أزمة السيولة، التي باتت تعجز معها الصيدليات عن سداد مستحقات شركات توزيع الأدوية في مواعيدها، ما يؤدي إلى وقف التوريد واضطراب سوق الدواء.

وتابعت أن الحل يتطلب ضخ سيولة عاجلة من الحكومة عبر شركات التأمين لتقليص الديون ومساعدة الصيدليات على مواصلة العمل.

وأضافت أن هادي‌ بور صرح أن دعم الإنتاج المحلي لا ينبغي أن يقيّد حصول المواطنين على الأدوية، داعيًا إلى إزالة العوائق أمام استيراد الأدوية الجنيسة منخفضة التكلفة إذا تجاوزت أسعار نظيراتها المحلية أسعار الأسواق العالمية. 

وأوضحت أن هادي بور أكد أن ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع عدم زيادة دخول المواطنين ورواتبهم بما يتناسب مع التضخم، يدفع بعض المرضى إلى شراء أدويتهم لمدة عشرة أيام بدلًا من فترة العلاج المقررة، لتقليل النفقات، ما يجعل عدم استكمال العلاج نتيجة متوقعة للضغوط الاقتصادية.

الدواء حق

ذكرت الصحيفة أن الدواء حق أساسي يجب أن يكون متاحًا للجميع، مشيرة إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي انضمت إليه إيران، يقر بهذا الحق ولا يجوز تعليقه.

وتابعت أن المادة 12 من العهد تكفل حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، وتُلزم الدول بتوفير الظروف اللازمة لإتاحة الرعاية والخدمات الطبية للجميع.

وأضافت أن «التعليق العام رقم 14»، الصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة، يعتبر توفير الأدوية الأساسية والحيوية أحد الالتزامات الجوهرية للدول الأطراف.

وأوضحت أن الوصول إلى الأدوية يقوم على أربعة أبعاد: عدم التمييز، وإمكانية الوصول المادي، والقدرة على تحمل التكلفة، وإتاحة المعلومات، مؤكدة أن ارتفاع الأسعار إلى حد يحرم بعض الفئات من العلاج يُعد انتهاكًا للحق في الصحة.

وأكدت أن العهد الدولي ليس المرجعية الوحيدة في هذا الشأن، إذ تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق الجميع في مستوى معيشي ملائم يضمن الرعاية الطبية اللازمة، التي يمثل توفير الأدوية جزءًا أساسيًا منها.

وبينت أن قرار مجلس حقوق الإنسان الصادر عام 2009 أكد أن الحصول على الأدوية أحد العناصر الأساسية للحق في الصحة، داعيًا الحكومات إلى تبني سياسات تمنع الاحتكارات التجارية والأسعار المرتفعة من عرقلة حصول المواطنين على العلاج.

وأشارت إلى أن اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تؤكدان أيضًا أهمية إتاحة الخدمات الصحية والأدوية، باعتبارها حقًا أساسيًا ومسؤولية تقع على عاتق الدول.