- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 257 Views
دخل قطاع الكهرباء الإيراني صيف عام 2026 مثقلا بتداعيات الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يوما، بعدما تحولت شبكات الإنتاج والنقل والتوزيع إلى واحدة من أكثر البنى التحتية تعرضا للضغط المباشر وغير المباشر. فبينما اعتادت البلاد سنويا مواجهة ذروة استهلاك قاسية مع ارتفاع درجات الحرارة، جاءت أضرار الحرب لتضيف عبئا استثنائيا على شبكة واسعة ومعقدة، تمتد لأكثر من مليون كيلومتر، وتخدم قطاعات سكنية، وصناعية، وزراعية، وحيوية.
وتشير التصريحات الرسمية الصادرة عن مسؤولي شركة توانير وشركات التوزيع المحلية إلى أن الخسائر لم تقتصر على منطقة واحدة أو مستوى فني محدد، بل شملت محطات توزيع، وخطوط نقل، وأبراجا، ومنشآت حيوية، وقدرات إنتاجية خرجت مؤقتا من الخدمة. ومع ذلك، سعت السلطات الكهربائية إلى التأكيد أن سرعة الاستجابة الميدانية حالت دون وقوع انقطاعات واسعة، وأن متوسط فترات انقطاع التيار في المناطق المتضررة ظل في حدود أقل من ساعة، أو نحو 45 إلى 60 دقيقة بحسب التقديرات المختلفة.
شبكة تحت النار… أضرار واسعة في البنية التحتية الكهربائية
تكشف البيانات المعلنة أن الحرب الأخيرة خلفت أضرارا واسعة في قطاع الكهرباء الإيراني، إذ تحدث مسؤولو توانير، الشركة القابضة لخدمات انتاج ونقل الكهرباء، عن تعرض نحو ألفي منطقة أو نقطة من الشبكة لإصابات مباشرة وغير مباشرة. وفي تقديرات أحدث، أعلن أن أكثر من 6473 موقعا من المعدات وخطوط النقل والمحطات والمنشآت الحيوية أصيبت خلال الحرب، ما يعكس اتساع نطاق الضرر وتعقد عمليات الحصر الفني والميداني.

وتباينت التقديرات المالية للخسائر وفقا لنطاق التقييم، فقد قدرت الخسائر الفورية التي لحقت بشبكة الكهرباء بنحو 58.5 ألف مليار تومان، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن خسائر تتجاوز 250 ألف مليار ريال إيراني، ما يعادل 146 مليون دولار أمريكي، في شبكة التوزيع وحدها، دون احتساب ما لحق بشبكات النقل ومحطات التوليد. هذا التباين لا يعكس تناقضا بقدر ما يعكس اختلاف مستويات التقييم بين الخسائر الإجمالية والخسائر الخاصة بقطاع التوزيع فقط.
وعلى مستوى التفاصيل الفنية، فقد أعلن عن تضرر 711 محطة توزيع كهرباء هوائية وأرضية، بطاقة إجمالية بلغت 185 ألف كيلو فولت أمبير، إلى جانب تضرر 591 كيلومترا من شبكات الجهد المتوسط، و177 كيلومترا من شبكات الجهد المنخفض. كما شملت الأضرار 3408 أعمدة للجهد المتوسط، و2174 عمودا للجهد المنخفض، و134 مبنى إداريا ومحطة أرضية، فضلا عن أكثر من 1300 حالة ضرر في قطاعات أخرى.

ولم تكن محافظة طهران بعيدة عن حجم الأضرار، إذ أعلنت شركة توزيع الكهرباء فيها تضرر 487 نقطة، شملت 91 محطة توزيع عامة، و127 محطة عامة لمشترك واحد، إضافة إلى 129 كيلومترا من شبكة الجهد 20 كيلو فولت، أما في محافظة مركزي، فقد قدرت خسائر قطاع الكهرباء بنحو 320 مليار ريال، مع تأكيد السلطات المحلية أن جميع الشبكات المتضررة أعيد إصلاحها وأن الإمدادات عادت إلى وضع مستقر.
وامتدت تداعيات الحرب كذلك إلى قطاع التوليد، إذ أعلن محمد إله داد، المدير العام لشركة توانير، أن نحو 4000 ميغاواط من القدرة الإنتاجية لمحطات الكهرباء خرجت من الخدمة في بداية الصيف، معظمها من محطات القطاع الخاص. ورغم عودة جزء كبير من هذه القدرة لاحقا، فإن خروجها المؤقت عن الخدمة جاء في توقيت حساس للغاية، مع بداية موسم ارتفاع الطلب على الكهرباء بسبب أنظمة التبريد والاستهلاك الزراعي.

إعادة الإعمار وإدارة الأزمة… استجابة سريعة لمنع الانقطاع الواسع
رغم حجم الأضرار، ركزت تصريحات مسؤولي قطاع الكهرباء على سرعة الاستجابة الميدانية. فقد أشارت توانير إلى أن فرق التشغيل والفنيين عملت على مدار الساعة لعزل الأجزاء المتضررة، وإعادة تشغيل الشبكات السليمة، وإصلاح الخطوط والمحطات التي يمكن إعادتها إلى الخدمة سريعا. ووفقا لهذه الرواية، فقد ساعدت هذه الاستجابة في منع انتشار الانقطاعات وتحولها إلى أزمة عامة.
وأكد مسؤولو الشركة أن متوسط زمن إعادة التيار في المناطق المتضررة لم يتجاوز في كثير من الحالات 60 دقيقة، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن متوسط بلغ 45 دقيقة. وتعد هذه السرعة، بحسب المسؤولين، نتيجة مباشرة لانتشار الفرق الفنية في الميدان، وخبرة العاملين في التعامل مع الأزمات، إضافة إلى خطط الصيانة والاستعداد التي كانت قد بدأت قبل اندلاع الحرب.

وتحدثت توانير عن دور مشروع سامان الوطني، المخصص لتنظيم إجراءات الصيانة، في تسريع عمليات إعادة الإعمار. فبعد توقف الهجمات، جرى توجيه جهود المشروع نحو إعادة تأهيل المغذيات المتضررة، وترميم خطوط النقل والتوزيع، وإعادة الأبراج والمنشآت الكهربائية إلى الخدمة قبل اشتداد ذروة الصيف، خاصة في المحافظات ذات الكثافة السكانية والصناعية مثل طهران ومركزي.
كما برز البعد الإنساني في تصريحات مسؤولي الكهرباء، إذ أشار المدير العام لتوانير، إلى أن بعض العاملين نفذوا مهام الإصلاح في مناطق تعرضت للقصف أكثر من مرة، وأن أحد عناصر القطاع، سعيد جلالي، قتل أثناء أداء مهمة إصلاح أضرار الشبكة. وقد استخدمت هذه الإشارة لتأكيد أن قطاع الكهرباء لم يكن يواجه أزمة فنية فقط، بل كان يعمل تحت ضغط أمني وميداني مباشر.
وفي مقابل الخسائر، شدد مسؤولو القطاع على أن مشاريع التطوير لم تتوقف. فقد أعلن عن استثمار نحو 22 ألف مليار تومان في تطوير شبكات النقل وفوق التوزيع، وإضافة 1480 كيلومترا من الخطوط الجديدة. كما تجاوزت القدرة المركبة لمحطات الكهرباء في البلاد 100 ألف ميغاواط، لتصل في أحد التقديرات إلى 103,150 ميغاواط، منها 5250 ميغاواط من مصادر الطاقة المتجددة.
وتبرز محافظة مركزي كنموذج محلي لاستراتيجية تعويض الضغط عبر الطاقة الشمسية، إذ تمتلك 766 ميغاواط من محطات الطاقة الشمسية، وتحتل موقعا متقدما على مستوى البلاد في هذا المجال. كما أعلنت المحافظة تحديد إمكانات لإنشاء نحو 6800 ميغاواط من المشروعات الشمسية، في وقت تستهدف فيه بناء 5000 ميغاواط خلال ثلاث سنوات، بما يعكس اتجاها رسميا نحو تقليل الاعتماد على الشبكة التقليدية في أوقات الذروة.
صيف 2026… إدارة الاستهلاك بين آثار الحرب وضغط التبريد
تأتي هذه الخسائر في لحظة موسمية دقيقة، إذ يشكل الصيف في إيران اختبارا سنويا لقدرة الشبكة على تلبية الطلب المتزايد. وتقدر توانير أن أنظمة التبريد وحدها تضيف نحو 30 ألف ميغاواط من الأحمال إلى الشبكة خلال فصل الصيف، إلى جانب جزء من الاستهلاك الزراعي، ما يجعل أي تراجع في قدرة التوليد أو اضطراب في النقل والتوزيع عاملا مباشرا في زيادة مخاطر الانقطاعات.ورغم آثار الحرب، أعلن مسؤولو توانير أن قيود الكهرباء في ربيع 2026 انخفضت بنسبة 68% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. فقد تراجع حجم الطاقة المقيدة من نحو ملياري كيلوواط ساعة في ربيع العام السابق إلى نحو 600 مليون كيلوواط ساعة هذا العام، وهو رقم تسعى الشركة إلى تقديمه باعتباره مؤشرا على نجاح التخطيط المسبق وتعاون المشتركين.

لكن عبور الصيف لا يعتمد على إعادة الإعمار وحدها، بل على إدارة صارمة للاستهلاك، فقد دعى المسؤولون المواطنين إلى ترشيد استخدام أجهزة التبريد، وضبط المكيفات الغازية على 25 درجة، وتشغيل المكيفات المائية على السرعة المنخفضة، وإطفاء الإنارة غير الضرورية. كما فرضت على الجهات الحكومية تعليمات بخفض الاستهلاك بنسبة 20% خلال ساعات العمل، و70% بعد انتهاء الدوام، مع مراقبة ذلك عبر الأنظمة الذكية.
وتعتمد السلطات كذلك على العدادات الذكية كأداة مركزية لضبط الاستهلاك، إذ تم تركيب نحو سبعة ملايين عداد ذكي على مستوى البلاد، تغطي أكثر من 60% من الطاقة المستهلكة. وفي محافظة مركزي وحدها، جرى تركيب أكثر من 148 ألف عداد ذكي، بما يغطي أكثر من 75% من المشتركين القابلين للمراقبة، مع تطبيق تقييد ذكي ومؤقت على المشتركين المنزليين ذوي الاستهلاك المرتفع.
وفي القطاعين الصناعي والزراعي، اختارت الحكومة سياسة تجمع بين القيود والحوافز. فالصناعات مطالبة بالتعاون مع برامج إدارة الأحمال، بينما يعفى من قيود الكهرباء المستثمرون الذين أنشأوا محطات طاقة شمسية وفق الضوابط. وفي الزراعة، يجري نقل بعض الأحمال، خاصة تشغيل المضخات، إلى ساعات أقل ضغطا، مع مراعاة ساعات التشغيل المسموح بها للآبار.
وتعد مكافحة الاستهلاك غير القانوني أحد أوجه إدارة الأزمة. حيث أعلنت توانير التعامل مع 140 ألف حالة استخدام غير مشروع للكهرباء منذ بداية العام، بما حرر نحو 1600 ميغاواط من قدرة الشبكة. كما جرى الكشف عن مئات أجهزة تعدين العملات المشفرة غير المرخصة، بينها نحو 600 جهاز في إحدى المناطق الصناعية، حيث تبين أن نسبة كبيرة من استهلاك الكهرباء ليلا كانت موجهة إلى التعدين غير القانوني.

وتواجه شركة توانير في الخلفية أزمة مالية لا تقل خطورة، إذ بلغت مستحقات قطاع الكهرباء لدى المشتركين نحو 1.2 كوادريليون ريال إيراني، ما يعادل نحو 702 مليون دولار أمريكي، منها نحو 700 تريليون ريال إيراني، ما يعادل نحو 409 ملايين دولار أمريكي، مستحقة على القطاع الصناعي. ويعني ذلك أن إعادة بناء الشبكة وتطويرها لا تتم فقط تحت ضغط تداعيات الحرب وارتفاع الطلب على الكهرباء خلال فصل الصيف، بل أيضًا في ظل فجوة تمويلية قد تؤثر في سرعة تنفيذ مشروعات التوسعة والتحديث خلال المرحلة المقبلة.
في المحصلة، تكشف المعطيات أن قطاع الكهرباء الإيراني يواجه صيفا استثنائيا، تتداخل فيه آثار الحرب مع تحديات الاستهلاك الموسمي، ومشكلات التمويل، والاستخدام غير القانوني للطاقة. ورغم تأكيد السلطات أن الشبكة ما زالت مستقرة وأن الانقطاعات الواسعة جرى تفاديها، فإن استمرار هذا الاستقرار سيبقى مرهونا بسرعة استكمال إعادة الإعمار، ونجاح إدارة الأحمال، ومدى التزام المواطنين والقطاعات الإنتاجية بترشيد الاستهلاك خلال أشد شهور العام حرارة.

