- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 36 Views
كتب: الترجمان
مع الإعلان عن قرار وقف إطلاق النار والدخول في مرحلة متقدمة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، شهدت الساحة السياسية والاجتماعية في إيران تصاعداً ملحوظا في السجالات الداخلية. هذا الحراك، الذي اتسع نطاقه ليتحول إلى مادة دسمة في وسائل الإعلام والبرلمان، يعكس في واقع الأمر تباينا جوهريا وعميقا في وجهات النظر بين مدرستين سياسيتين حول كيفية إدارة الأمن القومي وحماية المصالح العليا للبلاد.
فبينما ترى الحكومة الحالية وفريقها الدبلوماسي أن الاستثمار في المسار السياسي يمثل ضرورة استراتيجية لترجمة المكتسبات الميدانية إلى منجزات اقتصادية مستدامة، يعبر طيف واسع من نواب البرلمان والتيارات الأصولية عن تحفظات بنيوية صارمة تجاه هذا التوجه، مستندين إلى تجارب تاريخية سابقة يرونها دليلا على عدم جدوى المراهنة على الالتزامات الدولية للخصوم.
رؤية التيار الأصولي: التحفظات الهيكلية والمخاوف من تكرار تجارب الماضي
ترتكز معارضة التيار الأصولي، بمختلف تشكيلاته البرلمانية والسياسية، على محددات استراتيجية وقانونية يرونها حيوية لصيانة السيادة الإيرانية. وينطلق هذا المنظور من فرضية مفادها أن العقوبات المفروضة على البلاد تمثل أداة ضغط هيكلية في السياسة الخارجية الأمريكية، وبالتالي فإن التنازل عن عناصر القوة الردعية مقابل وعود برفع هذه العقوبات يمثل مخاطرة غير مأمونة العواقب.
ويستحضر هذا التيار بشكل مكثف تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 (برجام) والانسحاب الأمريكي الأحاديث منه في عام 2018 كدليل ملموس على أن غياب الضمانات القطعية يحول أي اتفاق إلى مسار يستنزف قدرات البلاد دون تحقيق العوائد الاقتصادية المرجوة.
وفي هذا الإطار، يبرز الحراك القانوني والسياسي لنواب مثل محمود نبويان، الذي يقدم قراءة نقدية لمسودات التفاهم المطروحة. ويرى هذا الاتجاه أن الصيغ الحالية لا تضمن إلغاءً فورياً وشاملاً للعقوبات، بل تربط تحرير الأصول الإيرانية المجمدة بجدول زمني معقد وخطوات تدرجية تمنح الطرف الآخر القدرة على المناورة والابتزاز المستمر.
كما تتركز التحفظات على البنود المرتبطة بتنظيم حركة الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية كمضيق هرمز، والشروط المتعلقة بملفات إعادة الإعمار والاستثمارات الإقليمية، حيث يحذر المحافظون من مغبة القبول بآليات قد تمنح قوى خارجية حق التدخل غير المباشر في القرارات السيادية أو الاقتصادية للدولة.
من جانب آخر، يركز نواب مثل أمير حسين ثابتي على عدم التكافؤ في صياغة الالتزامات المتبادلة ضمن النصوص المتداولة؛ حيث يرى أن تعهدات الجانب الإيراني تأتي بصيغ واضحة، تفصيلية، وغير قابلة للتأويل، في حين تظل تعهدات الطرف المقابل، وخاصة الإدارة الأمريكية، مصاغة بعبارات عامة وقابلة للتفسير بمختلف الأوجه.
ويتكامل هذا التحليل مع مواقف شخصيات سياسية أخرى كـ حميد رسائي وكامران غضنفري وأبو الفضل أبو ترابي، الذين يعتبرون أن الموقف الردعي القوي في الميدان هو الضمانة الوحيدة لفرض إرادة البلاد، وأن الاندفاع نحو إبرام تفاهمات تحت ضغط الظروف الاقتصادية المؤقتة قد يُفسر من قبل الخصوم على أنه تراجع في مستوى الصمود، مما قد يدفعهم لفرض شروط أكثر قسوة في المستقبل.

الرأي الآخر: التمسك بالخيار الدبلوماسي والدعوة إلى رص الصفوف خلف الدولة
في المقابل، تدافع الحكومة والقوى السياسية المعتدلة والإصلاحية الداعمة للمسار الدبلوماسي عن التفاهمات الجارية باعتبارها مكملا طبيعيا واستراتيجيا للإنجازات التي تحققت في الميادين العسكرية.
وينطلق هذا المنظور من رؤية واقعية لإدارة أزمات الدولة، تشير إلى أن الحروب والنزاعات المسلحة، مهما بلغت قوتها، لا بد أن تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات لترتيب صياغة قانونية تضمن حقوق الأطراف وتؤسس لاستقرار مستدام.
ويرى هذا التيار أن الدبلوماسية الذكية والمسؤولة هي الأداة الوحيدة القادرة على تخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية عن كاهل المواطنين عبر رفع العقوبات وفتح قنوات التبادل التجاري الدولي.
ويؤكد المؤيدون لهذا التوجه أن التحركات التي يقوم بها الفريق الدبلوماسي، بقيادة وزارة الخارجية، لا تتم بمعزل عن مراكز القرار العليا في الدولة، بل تخضع لرقابة وإشراف مباشرين من المجلس الأعلى للأمن القومي وتأتي متوافقة مع الأطر الاستراتيجية التي يحددها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
ومن هذا المنطلق، يرى المدافعون عن الحكومة أن التشكيك في نوايا الفريق المفاوض أو اتهامه بالسرية والتفريط في الخطوط الحمراء يفتقر إلى الموضوعية، ويتجاهل طبيعة العمل الدبلوماسي التي تتطلب قدراً من السرية والمرونة خلال مراحل صياغة المسودات لضمان تحقيق أفضل النتائج.
وينتقد هذا التيار، ومن ضمنه شخصيات سياسية بارزة وخبراء في العلاقات الدولية مثل محمد صادق جوادي حصار وجلال رشيدي كوجي، الأساليب الاحتجاجية والحملات الإعلامية المكثفة التي تشنها جماعات الضغط في الشوارع والمنابر العامة. ويرون أن إظهار الداخل الإيراني بمظهر المنقسم والمشتت في توقيت يخوض فيه المفاوضون محادثات شاقة مع قوى دولية، يسهم في إضعاف موقف طهران التفاوضي ويمنح الأطراف الخارجية أوراق ضغط مجانية.
وتتلخص دعوتهم في ضرورة إرساء مبدأ “وفاق وطني” يدعم المؤسسات الرسمية المنتخبة، معتبرين أن تماسك الجبهة الداخلية هو الرافعة الأساسية والضمانة الحقيقية لإنجاح أي تفاوض وإجبار الأطراف الدولية على احترام التزاماتها.

مواقف المؤسسات العامة والنقاش حول حدود الصلاحيات والوظائف الاستراتيجية
لم ينحصر هذا السجال الفكري والسياسي داخل أروقة البرلمان والمكاتب الحكومية فحسب، بل تمدد ليشمل مؤسسات وهيئات عامة ذات طابع ديني واجتماعي، مما أضفى أبعادا جديدة على النقاش العام حول حدود الصلاحيات والهياكل التنظيمية في الدولة.
وتجلى ذلك بشكل واضح في المواقف العلنية الحادة الصادرة عن عدد من مسؤولي “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في العاصمة طهران وبعض المحافظات؛ حيث وجه رئيس الهيئة، محمد حسين طاهري آكردي، وبعض معاونيه، انتقادات مباشرة لوزارة الخارجية، معتبرين أن التفاهمات الجارية تحتوي على ثغرات استراتيجية تمس بالأمن القومي.
وقد أثارت هذه التدخلات نقاشا قانونيا وسياسيا واسعا بين النخب الفكرية والرسائل الإعلامية في البلاد حول الدور المنوط بالهيئات الثقافية والاجتماعية ومدى مشروعية انخراطها في ملفات السياسة الخارجية المعقدة. وتوزعت الآراء هنا أيضا بين اتجاهين:
تيار يرى أن القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والمصالح العليا هي قضايا تهم كل مواطن وكل مؤسسة في الدولة، وبالتالي فإن من حق هذه الهيئات التعبير عن هواجسها الوطنية والقيام بدور “المطالبة الشعبية” لحماية أهداف الثورة والنظام.
وتيار آخر يشدد على ضرورة الالتزام بالتخصص المؤسسي والفصل بين السلطات والوظائف؛ حيث يرى أن ملفات الحرب والسلام والعلاقات الدولية هي حصراً من اختصاص وزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي، وأن تشتيت المواقف الرسمية بإقحام هيئات غير تخصصية في هذه الصراعات يضر بصورة الدولة ومصداقيتها الدبلوماسية أمام المجتمع الدولي.

جدلية الميدان والدبلوماسية في صناعة القرار الإيراني
في التحليل النهائي، يتضح أن السجال السياسي الحاد الذي تشهده الساحة الإيرانية في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لا يمكن تبسيطه كخلاف شخصي أو صراع تقليدي على السلطة بين أجنحة سياسية، بل هو تجسيد لنقاش فكري واستراتيجي عميق حول “المعادلة الأمثل لحماية مصالح الجمهورية الإسلامية في عالم متعدد الأقطاب”.
ويمكن تلخيص الرؤيتين المتناظرتين في المشهد كالتالي:
المقاربة الأولى (التيار الأصولي) تؤمن بأن القوة الردعية الصلبة والميدان هما المصدر الوحيد للأمن الحقيقي، وأن تقديم أي تنازلات في الفضاء الدبلوماسي دون الحصول على ضمانات هيكلية وتنفيذية صارمة يمثل مخاطرة استراتيجية قد تقود إلى تقويض عناصر القوة الذاتية للبلاد أمام خصوم أثبت التاريخ نقضهم المنهجي للعهود والاتفاقيات.
- المقاربة الثانية (الحكومة والمعتدلون): ترى أن الدبلوماسية ليست بديلا عن القوة الميدانية بل هي امتداد وثمرة لها؛ حيث تكمن وظيفتها الأساسية في تحويل الانتصارات العسكرية والصمود الأمني إلى مكاسب قانونية واقتصادية ملموسة تُترجم في حياة المواطنين اليومية عبر رفع الحصار واستقطاب الاستثمارات، مما يعزز في النهاية من استقرار الدولة وقدرتها على البقاء والاستمرار.
إن هذا التباين الحاد في الرؤى، رغم ما يحمله من مظاهر الاستقطاب، يمثل جزءا من ديناميكية صناعة القرار في إيران؛ حيث يواجه النظام السياسي بمؤسساته العليا تحدي موازنة هذه الطروحات المختلفة وصهرها في بوثقة واحدة. وتظل العبرة والمحصلة النهائية رهينة بقدرة الدولة على الحفاظ على مساراتها القانونية والدستورية، وضمان ألا تؤدي التحولات النقاشية الداخلية إلى تآكل أوراق القوة التي تمتلكها طهران، بل إلى تقويتها وتدعيمها بما يخدم المصالح القومية العليا في مواجهة الضغوط الخارجية.

