- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 39 Views
كتب: الترجمان
شهدت المنظومة القضائية والاقتصادية في إيران منعطفا حاسما بصدور الأحكام الابتدائية في واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي وغسيل الأموال المنظم في تاريخ إيران، وهي القضية المرتبطة بـ “مؤسسة نور المالية والائتمانية” وتعاونية “صنّاع المستقبل” في محافظة كلستان. هذا الملف الضخم، الذي استقطب اهتماما رسميا وشعبيا واسعا، كشف عن ثغرات عميقة في الرقابة المصرفية تم استغلالها من قبل شبكة معقدة من الفاسدين لإهدار واستنزاف أموال البنك المركزي وموارد الشعب، قبل أن تنجح الأجهزة القضائية والأمنية في تتبع خيوط الجريمة وإصدار أحكام رادعة شملت السجن لمدد طويلة ومصادرة واسعة النطاق للممتلكات والأصول النقدية والعينية.
وتأتي أهمية هذه القضية من حجم الاختراقات المالية الجسيمة التي نفذتها الشبكة الإجرامية، حيث جرى تصنيف الملف كواحد من أعقد وأكبر ملفات الفساد الاقتصادي في إيران خلال السنوات الأخيرة، ولم تقتصر الجرائم المرتكبة على الاختلاس التقليدي، بل امتدت لتشمل تكوين شبكة منظمة لغسيل الأموال، والاحتيال الممنهج، وتحصيل الأموال عبر طرق غير مشروعة، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى إحداث اختلالات حادة في النظام الاقتصادي والمصرفي للبلاد، مما تطلب تحركا استثنائيا من أعلى مستويات السلطة القضائية لضمان تفكيك الشبكة وحصر الأضرار الناجمة عن أنشطتها التخريبية.
الحجم القضائي والدفتري لأضخم ملفات الفساد
تعكس الأرقام والإحصاءات الرسمية الصادرة عن السلطات القضائية في محافظة كلستان الضخامة الاستثنائية لهذا الملف القضائي الذي بات حديث الشارع القانوني والاقتصادي؛ إذ يتكون ملف القضية من 216 جلدي و51 ألف صفحة من الوثائق والتحقيقات والمستندات المالية والبنكية.
ونتيجة لهذا الحجم الهائل من التقصي والتتبع والتحليل، شملت الملاحقة القضائية والجنائية 97 متهما تحت ملاحقة جنائية جرى التحقيق معهم ومحاصرة أنشطتهم المشبوهة، لتتوج هذه الجهود المكثفة في النهاية بصدور صك حكم قضائي مفصل وعميق تقع تفاصيله في 122 صفحة، مما يوضح الدقة البالغة والجهد القانوني المبذول لإثبات التهم الموجهة للشبكة الإجرامية وتفنيد كافة الأساليب الالتوائية التي اتبعها المتهمون للهروب من طائلة القانون وطمس معالم الجريمة المروعة.

الهندسة الماليّة للاختلاس والتستر بالشركات الوهمية
بنت الشبكة الإجرامية استراتيجيتها على تكتيكات مالية معقدة مكنتها من الاستيلاء على مبالغ فلكية من منابع البنك المركزي الإيراني المخصصة والموضوعة تحت تصرف مؤسسة نور المالية والائتمانية في قالب تسهيلات بنكية وتحويلات مشبوهة.
وتشير أوراق القضية إلى أن المتهمين نجحوا في تحصيل واختلاس نحو 16 ألف مليار ريال إيراني عبر قنوات ملتوية وإدارة تدوير حسابات مصرفية متعددة ومتداخلة للتغطية على المصدر الحقيقي للأموال، ولم يكن للمتهمين أن ينجحوا في تمرير هذه المليارات دون إقامة بنية تحتية تجارية وهمية وموازية عملت كواجهة قانونية لإخفاء الأنشطة غير المشروعة.
فقد أسس المتهمون الرئيسيون وأداروا شبكة عنكبوتية واسعة النطاق من الشركات التجارية، والإنتاجية، والإنشائية، والشركات التصديرية والاستيرادية، فضلا عن الاستعانة بجيش من الأشخاص الحقيقيين التابعين لهم والخاضعين لإمرتهم لتسجيل الحسابات والمعاملات بأسمائهم وتوفير الغطاء المناسب لتدوير الأموال المختلسة وضخها مجددا في السوق.

غسيل الأموال في قطاعات العقارات والبورصة والذهب
بعد نجاح المتهمين في الاستيلاء على أموال مؤسسة نور وتحويلها عبر شركاتهم التابعة، بدأت المرحلة الثانية من الجريمة وهي مرحلة غسيل الأموال المنظم وصهر هذه الثروات غير المشروعة في أصول عقارية وتجارية يصعب تتبعها من قبل الجهات الرقابية.
وتوزعت عمليات غسيل الأموال على قطاعات اقتصادية حيوية ومتنوعة شملت شراء حوالي 100 عقار مسجل ما بين عقارات تجارية وسكنية، والاستحواذ على 18 شركة قائمة، وعدة مصانع كبيرة ووحدتين لتربية الدواجن، بالإضافة إلى أكثر من 30 قطعة أرض زراعية بمساحة إجمالية تقارب 200 هكتار.
كما شملت الاستثمارات أسطولا ضخما من السيارات يضم أكثر من 115 سيارة فاخرة من طرازات عالمية شهيرة مثل بي إم دبليو،و ليكزش، وسانتافيه، وبورش، ولاندكروزر، فضلا عن عشرات الشاحنات والمعدات الثقيلة، ونحو 100 مليون سهم في البورصة، و35 كيلوغراما من سبائك الذهب الخالص التي تم توقيفها في عدة محافظات بالبلاد.

ماراثون المحاكمات تحت الإشراف القضائي المباشر
نظرا للخطورة البالغة التي شكلتها القضية على الأمن الاقتصادي لإيران، حظي الملف بمتابعة خاصة ودقيقة من رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، الذي زار محكمة مدينة كوركان شخصيا في أغسطس من عام 2023 واطلع على سير التحقيقات، واضعا توجيهات صارمة لتسريع وتيرة البت في القضية.
وترجمت مديرية العدل بمحافظة كلستان التوجيهات العليا إلى خطة عمل قضائية مكثفة تطلبت عملا متواصلا امتد لشهور طويلة لمراجعة المستندات وفك شفرات الحسابات البنكية المعقدة، وعقدت المحكمة شعبه الخاصة بالنظر في جرائم المخلين بالنظام الاقتصادي للبلاد ماراثونا قضائيا طويلا شمل 84 جلسة محاكمة علنية وسرية، جرى خلالها الاستماع لدفوع المتهمين ومحاميهم ومواجهتهم بالأدلة الدامغة التي جمعتها الأجهزة الأمنية والرقابية حتى وصلت المحكمة إلى الكلمة الفصل.
تفاصيل الأحكام الصارمة وآلية استرداد الحقوق
أعلن رئيس محكمة كلستان، حيدر آسيابي، عن صدور الأحكام بحق المتهمين الرئيسيين التسعة في القضية، حيث قضت المحكمة بمعاقبة المتهمين الأول والثاني، اللذين ثبت اضطلاعهما بدور القيادة والزعامات الرئيسية في إدارة الشبكة وتوجيه الجرائم المرتكبة، بالسجن المشدد لمدة 20 عاما لكل منهما، كما قضت بمعاقبة المتهمين السبعة الآخرين بأحكام سجن متفاوتة تتراوح ما بين 4 إلى 5 سنوات.
وإلى جانب العقوبات الجنائية بالسجن، ركز الحكم بشكل أساسي على الشق المالي عبر إقرار مصادرة تامة وشاملة لجميع الأموال المنقولة وغير المنقولة التابعة للمحكوم عليهم وللشركات المرتبطة بهم، ويمتد حكم المصادرة ليشمل الأصول المسجلة بأسماء أفراد عائلاتهم من زوجات وأبناء باعتبارها عوائد مباشرة ناتجة عن الجريمة، على أن تسلم بالكامل للبنك المركزي كونه المتولي الشرعي لتصفية المؤسسة، مع إلزام المحكوم عليهم بدفع القيمة السوقية الحالية بسعر اليوم، لأي أصول تالفة أو منقولة لأطراف أخرى لضمان استرداد أموال الدولة كاملة، علما بأن هذا الحكم بدوي ويقبل الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا.
أبعاد الحكم القضائي ومستقبل الرقابة المصرفية
في نهاية المطاف، يمثل الحكم الابتدائي الصادر في قضية “مؤسسة نور المالية” نموذجا كاشفا لطبيعة التحديات البنيوية التي تواجه المنظومة المصرفية والرقابية في إيران؛ فمن ناحية، تعكس ضخامة الملف وأعداد المتهمين وحجم الأصول المصادرة قدرة الأجهزة القضائية والأمنية على تفكيك شبكات الفساد المعقدة وتتبع الأموال المنهوبة حتى في أكثر القطاعات تداخلا وغموضا.
ومن ناحية أخرى، فإن نجاح هذه الشبكة في اختلاس وغسيل نحو 16 ألف مليار ريال إيراني عبر سنوات من الأنشطة الموازية والشركات الوهمية يضع علامات استفهام واضحة حول كفاءة آليات الإنذار المبكر والرقابة الاستباقية داخل النظام المصرفي والبنك المركزي قبل وقوع الجرم.
بناء على ذلك، تظل العبرة الحقيقية من مثل هذه القضايا الكبرى لا تقتصر فقط على إصدار الأحكام القضائية الرادعة واسترداد الأصول بأسعارها الجارية، بل تكمن في مدى قدرة صُنّاع القرار على تحويل هذه الثغرات المكتشفة إلى إصلاحات تشريعية ومصرفية جذرية تمنع استغلال أموال المودعين وموارد الدولة، وتضمن تحصين النظام الاقتصادي ضد أنشطة الجريمة المنظمة وغسيل الأموال في المستقبل.

